عن خطاب صحفي "حساس" تجاه "الختان"

مما لا شك فيه أن الصحافة هي إحدى أهم الوسائل التي تلعب دورًا محوريًا في التأثير على الوعي الجمعي داخل المجتمعات وتساهم في التغيير الفكري والثقافي لدى الأفراد، لذلك كان من المنطقي أن تتوجه الأنظار إلى الكتابة الجندرية بشكل عام والكتابات الصحفية بشكل خاص كجزء من  التطوير والتغيير.

اللغة الحساسة جندريًا

لا يخفى على أحد أثر اللغة في وعي المتلقي وتشكيله، وكيف أنها تعد سلاحًا ذو حدين في يد الصحفي/ة، ومع الأسف ساهم عدم مراعاة النوع الاجتماعي في الكتابة الصحفية إلى اعتيادية وصم المرأة في المجتمع وزيادة تهميشها، وهو شيء أقرب إلى التطبيع مع أشكال العنف التي تقع عليها دون الرجل.

والأمثلة على ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال -وليس الحصر- نجد لقبًا مثل "حادث فتاة المعادي" أو "فتاة المنصورة" يطلق على فتاة تعرضت إلى شكل من أشكال العنف كالضرب أو القتل أو التحرش، أو نجد في الخبر كلمة (عاهرة) لوصف المرأة التي تمارس علاقات متعددة، تقابلها كلمة (عنتيل) لوصف الرجل الذي يقوم بنفس الفعل، إلا أن العُهر كلمة وصم صريحة، بينما كلمة عنتيل توحي بالفحولة ومدعاة للفخر!

وقد ساعد فتح ملف قضايا المرأة في الإشارة إلى الانتباه لضرورة انتقاء اللغة التي نخاطب بها الجمهور عند التحدث أو الكتابة عن حوادث العنف ضد المرأة، وتسمية الأفعال وتصويرها باعتبارها "انتهاكًا لحقوق الإنسان" وليست مجرد حوادث عابرة وأفعال عادية، ومن هنا برز مصطلح اللغة الحساسة للنوع الاجتماعي، التي تراعي المساواة بين الجنسين بشكل متوازن وبعيدًا عن التنميط.

 الصحافة الحساسة للنوع الاجتماعي

بدأ عدد كبير من المؤسسات والمبادرات المعنية بحقوق وقضايا المرأة ومناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي تكثيف جهودها بإعطاء الورش والتدريبات في اللغة والكتابة الحساسة للعاملين والعاملات على هذا الملف الشائك، وبالأخص الباحثين/ات والصحفيين/ات، لما وجد في تقاريرهم وكتاباتهم من مصطلحات وطرق تناول خاطئة تزيد من تهميش المرأة وتزيد من تمييزها، بل وتوجه إلى إلقاء اللوم المباشر وغير المباشر على الضحية مما يعزز من خطاب الكراهية تجاهها.

وقد ذكرت هيئة الأمم المتحدة قائمة بالمصطلحات المراعية للنوع الاجتماعي التي لا بد أن تراعى في الخطابات المتنوعة ويتبناها الصحفيون/ات في كتاباتهم، كبذرة تغرس في اللاوعي لرفع الوعي وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، الأمر الذي سيساعد تدريجيًا في التأثير على عقلية المتلقي وحساسيته للنوع الاجتماعي في حديثه وخطابه.

فالضرب والسحل والتهديد والحبس -من الزوج أو من أحد أفراد الأسرة- هو "عنف" يقع على المرأة، وختان الإناث هو "تشويه للأعضاء التناسلية للإناث"، وإجبار الزوجة على ممارسة العلاقة الزوجية هو "اغتصاب زوجي"، وزواج القاصرات هو "تزويج للأطفال" لانتفاء صفة الإرادة واتخاذ القرار في هذه المصطلحات، ومن يقع عليها الضرر هي ‏ "ضحية" ‏ أو "ناجية" في إشارة للقدرة على الصمود والنجاة، وغير ذلك الكثير من المصطلحات التي من الضروري أن تراعى مهنيًا من قبل أي صحفي/ة.

اعتبارات أخلاقية في المقابلة الصحفية

يساعد نقل القصة الحقيقية من الضحية/ الناجية في إلقاء الضوء على القضية المعنية بشكل واقعي وأكثر شمولاً، ومعرفة حجم الضرر الواقع عليها ومدى الأذى الذي تعرضت له، ولأن مقابلة الضحية للتحدث عن الضرر والانتهاك هو أمر حساس، فالمهنية الصحفية تستلزم أن يكون الصحفي "حساسًا" أيضًا.

وقد أصدر صندوق الأمم المتحدة والإسكان دليلًا متخصصًا عن الاعتبارات الأخلاقية خلال إعداد التقارير الإعلامية  والمقابلات حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، يوضح كيفية نقل قصة الناجية بشكل مهني ودون إلحاق الضرر بها -وهو الأمر الأهم-.

ومن أهم النصائح المذكورة في الدليل هو بناء روابط الثقة بين الصحفي/ة والناجية، وضرورة إشعارها بالطمأنينة بأنها يمكنها الإفصاح عما تريد فقط، وأن لها الحق بالتوقف في أي وقت، بل وطلب عدم النشر أيضًا.

كما يجب مراعاة عدم سؤال الضحية أسئلة مباشرة تستلزم إجابات تفصيلية مشهدية، فاستدعاء الضحية للمشاهد المؤلمة من ذاكرتها قد يعيد إليها مشاعر الصدمة والألم لتعيشها مرة أخرى، وقد تدخل في نوبة بكاء هستيري أو "تروما" مما يسبب أذىً لها.

أيضًا من الواجب حماية الضحية واحترام خصوصيتها، مثل عدم الإفصاح عن اسمها أو تفاصيل عملها أو حياتها الشخصية إذا كان في ذلك أي خطر يهددها، أو في حال طلبت ببساطة عدم الإفصاح عنهم.

كذلك يجب التفكير في صيغة وطريقة السؤال جيدًا قبل طرحه على الضحية، إذ لا يجب أن تشعر الضحية/ الناجية بأي نوع من أنواع الضغط، أو الاضطرار للدفاع عن نفسها وتوضيح موقفها، أو أنها موضع اتهام من الأساس، لأنها في الأصل صاحبة حق وقضية، لذلك يتوجب الالتزام بالموضوعية وتجنب الانحياز وإلقاء الأحكام.

أخيرًا فإن الصدق والدقة والعدالة هي مبادئ تتربع على عرش أخلاقيات مهنة الصحافة، والتي يجب أن تطبق بأمانة تامة في المقابلة مع الناجية، وعند كتابة التقارير أيضًا.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة