لماذا نحتاج لدعم الفقراء؟

 

يبدو سؤالًا بديهيًا إذا كنا نتحدث من وجهة النظر الدينية والإنسانية البحتة، فالفقير، بوصفه ضعيفًا، تجب حمايته من ذل الفقر وألم الجوع والبرد ولو من باب الشهامة والمروءة. و"الصدقة" واجب ديني يٌثاب عليه الإنسان في كل الأديان والمعتقدات، سماوية كانت أم فلسفية. فلن يعدم باحث حديث نبوي يقول "ما نقص مال من صدقة" أو آية في الإنجيل تقول "من يعطي الفقير لا يحتاج" أو حتى مقولة لبوذا "إذا أضأت شمعة لشخص ما، فإنها ستنير طريقك أيضًا" ، وكلها تشترك في معنى واحد هو أن العطاء أحد مفاتيح الرزق.

ولكن دعنا من كل ذلك ولنتحدث بلغة العصر قليلا، فنحن في عصرأفضل ما يعبر عنه هو المقولة الشعبية الخالدة "معاك قرش تسوى قرش"، تتساوى في ذلك – وإن اختلفت الطرق - شعوب تقدس القانون وشعوب لا تعرف معنى كلمة "القانون". بل إن الطريق لإقامة دولة القانون بني على الحاجة للحفاظ على الثروات وتنميتها.

اقرأ أيضًا:عبد الله السناوي في حوار خاص: هناك نزيف شرعية واضح في الشارع.. انتفاضة الخبز أمر محتمل.. ولا نعرف المستقبل بعد ٢٠٣٠

ويمكن لصاحب مصنع في دولة تفتقر لأدنى مقومات حكم القانون أن يمتنع عن دفع أجر عماله لشهور دون أن يعاقبه أحد على ذلك، بينما تتحرك الأجهزة المفترض فيها أن تطبق القانون لتقمع أى تحرك لعمال نفس المصنع لو قرروا الإضراب للمطالبة بحقوقهم المتأخرة طالما كان صاحب المصنع من الثروة والنفوذ أن تتحرك من أجله أجهزة الدولة، بنفس الطريقة التي يمكن لدولة تحكم نفسها بالقانون بصرامة أن تخرج عن كل القوانين والأعراف الدولية عند تعاملها مع غيرها كلما اقتضت مصالحها ولا يستطيع أحد أن يوقفها طالما امتلكت القوة اللازمة لذلك. في الحالتين كان امتلاك "القرش" أو المال أو الثروة هو مسوغ البطش والتجبر فكيف يكون إنفاق المال على الضعفاء في ذلك العالم من أسباب القوة؟

بشكل مادي بحت يمكن القول بأن عادة ما يكون الفقراء هم القاعدة العريضة للهرم الاجتماعي، ويمكن تقسيم هذا الهرم إلى

  • معدمين، وهم الذين لا يمتلكون القدرة على العمل أو يعملون في أعمال هامشية لا تنتج ما يكفي احتياجاتهم الأساسية
  • وفقراء يملكون حد أدنى من مقومات الحياة بمقاييس المجتمع المنتمين له ويعملون غالبا في الأعمال البسيطة التي لا تحتاج لمهارات معقدة ويحصلون على دخل يكفي لسد حاجاتهم لكن لا يكفي لتكوين ثروات
  • وطبقة وسطى تملك الخبرات والمهارات المعقدة اللازمة للمساهمة في العملية الإنتاجية وكسب مقدار من الدخل يمكنهم من الادخار وتكوين ثروة
  • أغنياء يملكون من الثروة ما يوفر لهم حياة مرفهة ويمكن لهم العمل في أعمال ممتعة أو الاستغناء عن العمل تماما

وبالتالي كلما كان الفقراء أكثر فقرا وأكثر ضعفا كلما كان المجتمع بشكل عام أفقر فكرًا وأضعف إنتاجية، ولكن ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الفقراء وهم الأغلبية يشكلون المصدر الرئيسي للقوة البشرية في المجتمع وبالتالي فإن حصولهم على مقومات الحياة الكريمة من غذاء وملبس ومأوى وعلاج وخدمات يؤدي بالتالي لارتفاع إنتاجية المجتمع بشكل عام وزيادة قدراته البشرية وجاهزيته للتطور والتقدم.

لنتصور أن المجتمع عبارة عن جيش، وقتها سيكون المعدمون تماما هم مصابي ذلك الجيش المحتاجين للرعاية وغير القادرين على القتال، ثم سيكون الفقراء هم الجنود والعمال الذين يشكلون غالبية أفراد الجيش ويقومون بالأعمال الشاقة والأساسية، ثم ستكون الطبقة الوسطى هم ضباط الصف والضباط والفنيين الذين يمتلكون المهارات اللازمة لتوجيه الجنود لتنفيذ المهام المعقدة ثم يكون الأغنياء هم القادة الذين يملكون سلطة توجيه الجيش للقتال أو الاستسلام في سلام دون المشاركة بأنفسهم في القتال.

ويمكن قياس مدى تحضر المجتمع بقدرته على التكفل بالمعدمين فيه، فمجتمع بلا ضمير أو احترام للحياة الآدمية يمكنه أن يقوم بالتخلي عن المعدمين بوصفهم عالة عليه وعلى قدرته على التقدم، ومجتمع راقي متحضر سوف يرى أن من أساسيات قيامه بدوره هو أن يحمي أولئك المعدمين ويمد لهم يد العون حتى لا يموتون جوعا بل وقد يمد العون للمعدمين من مجتمعات أخرى.

ولكن هل يمكن لمجتمع أيا كانت توجهاته أن يتخلى عن فقراءه – جنوده – أنفسهم؟

الحقيقة أن كل ما ينفقه المجتمع في توفير مستوى أفضل من المعيشة لأفراده الفقراء ليس تفضل أو تكرم من أصحاب الدخل المرتفع على أصحاب الدخل المنخفض، بل هو استثمار يقوم به المجتمع لصالح تقدمه ورفاهيته، فتوفير الغذاء والتعليم والخدمات للفقراء بشكل محترم يؤدي لتحسن قدراتهم البدنية والذهنية والنفسية مما يرفع من قدرة المجتمع كله على العمل والإنتاج والابتكار، مما ينعكس إيجابا بالضرورة على الأغنياء وعلى أصحاب الطبقة المتوسطة، بالضبط كما أن زيادة كفاءة الجندي وقدراته القتالية تفيد ضباطه وقادته وتؤدي بهم إلى النصر، ولذلك نجد أن المجتمعات الناجحة والمستقرة هي التي تحترم كل مواطنيها وتبذل كل ما يمكن ليعيشوا جميعا في مستويات لائقة وآدمية ولا تجد فيها مسئول يقول "خسارة فيكم اللي بنعمله عشانكم".

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة