المشروع القومي لـ"تبليط الهرم"

 

تبدو الجمهورية الجديدة مولعةً أيما ولعٍ، بالعبارات الرنانة، فتفريعة قناة السويس اسمها القناة الجديدة، رغم أن مفردة تفريعة ليست مذمة، والعاصمة الإدارية سُمِّيت في أوساط صحفية وسياسية لفترة "مشروع القرن"، ثم انقشعت التسمية من تلقاء نفسها، وأخيرًا ها نحن أولاء إزاء "المشروع القومي لكساء الهرم" أو تطويره بغرض إعادة الشيء إلى أصله، وفق المصطلح الرسمي، الذي أطلقه الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار.

مسميات برَّاقة مشعة، توحي بإيحاءات وطنية سامية، بغض النظر عن بعدها أو قربها من الحقيقة، وهكذا تحمل في طيَّاتها كل مقومات القمع، وكل المبررات التي تسوِّغ قطع الألسنة، فما دام المشروع قوميًا، فعلى رافضيه ألا ينبسوا ببنت شفة نقدًا، وإلّا فهم مارقون عن الإجماع، خارجون عن الوطنية، وربما أعضاء في الطابور الخامس ممن يريدون الكنانة بالسوء، أو أهل الشر الذين يشوهون الإنجازات.

وحتى لو انتقد الناس، فليخبطوا رؤوسهم في ألف جدار، فمنهج اتخاذ القرار لا يقيم للرأي الآخر وزنًا، وإن الذين يعارضون، هم قومٌ فاسدون مفسدون، ليس عندهم إلا "الكلام الفارغ"، ومن ثم "بطّلوا هري يا مصريين".

اقرأ أيضًا:عن رأس الحكمة.. كيف نُزعت؟

غير أنه من حسن الحظ، أن "هري المصريين"، فيما يتعلق بالمشروع القومي لتطوير أو تبليط الهرم الأصغر، قد أوقف المشروع ولو إلى حين، فإذا بالقرارات تصدر بتشكيل لجنة علمية، برئاسة عالم الآثار الدكتور زاهي حواس لتقييم المشروع، ودراسة انعكاساته على المنطقة الأبرز على خارطة آثار العالم.

لكن.. لماذا لم يبدأ الأمر بتشكيل لجنة علمية أولًا؟

لماذا نصحو من نومنا نحن أصحاب البلد واتحاد ملاكه فإذا بنا إزاء مشروع تطويري لم نعلم عنه شيئًا؟

ولماذا تُستنسخ سيناريوهات التدمير التطويري أو التطوير التدميري من دون استيضاح آراء أولي العلم؟

أسئلة مشروعة بالطبع، هذا بغض النظر عن أزمة التسامح إزاء طرح الأسئلة من الأصل في الجمهورية الجديدة، التي لا نعلم ما هذا الذي يجعلها جديدة؟ وهو الأمر الذي يعد بدوره من الأسئلة المبهمة، وربما غير المسموح بها.

أيما يكن.. إن الواقع يؤكد أن ما رآه عموم الشعب، من آثار مشروعات قيل إنها تطويرية، تحدو به إلى أزمة ثقة إزاء مفردة التطوير، فالمصريون ليسوا شعبًا لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب، بل تكمن في أنه تحت لافتة التطوير وقعت اعتداءات غاشمة و"غشيمة" على معالم جمالية، فمسختها وشوهت وجهها، فإذا بها لا تشبه أصلها، ولا تنتمي إلى سياقها الحضاري، كما حدث بشأن قصري البارون والمنتزه، على سبيل المثال لا الحصر.

كلُّ ما مسته خطط التطوير "راح في ستين داهية"، بدءًا من التماثيل التي رأيناها "في الجبس"، حتى المعالم الطبيعية، كساحل البحر في مسقط رأسي ومستقر قلبي الإسكندرية، الذي انتثرت عليه المقاهي، كحبيبات الجديري على بشرة مريض.

كان تطوير الشاطئ عنوانًا.. وتحته استأصلت أيادي التشويه، رئة عروس البحر الأبيض المتوسط، عبر المقاهي تحجب البحر، فتحرم جموع الناس من التمتع برؤية مياهه الفيروزية، واستنشاق رائحة اليود الشهية العفيّة.

معك فلوس أهلًا وسهلًا، هذا كرسيُّ مميز في المقهى ذي الطراز الأمريكي، والواجهات الزجاجية، إذا كان الطقس حارًا فهذه قاعة مكيفة الهواء، تستطيع إذن التمعن في جمال الشفق حين يذوب ذوبانًا في زرقة السماء، في حين تميل الأمواج رويدًا رويدًا إلى الرمادي الحزين، أما إذا هاجت النوَّة فهنا قاعة مغلقة بإحكام، لن تحس فيها زمهريرًا، مهما تكن الرياح عاتية.

وهكذا صار البحر طبقيًا لا يحظى به إلا من يملكون المال، وهو الذي كان على مر التاريخ شعبويًا يفتح أحضانه لاستقبال الناس جميعهم، ويوّزع لونه ورائحته ورذاذ أمواجه عليهم بالتساوي.. كان البحر اشتراكيًا فجعله التطوير المزعوم برجوازيا.

كان تطوير الشاطئ عنوانًا.. وتحته استأصلت أيادي التشويه، رئة عروس البحر الأبيض المتوسط
كان تطوير الشاطئ عنوانًا.. وتحته استأصلت أيادي التشويه، رئة عروس البحر الأبيض المتوسط

أليس هذا اعتداء على الجمال؟

والأكثر من ذلك أليس اعتداءً على حق الناس في الجمال الذي قسَّمه البارئ المصوّر على عباده بالعدل والقسطاس؟

إذن إن الخوف من مفردة التطوير له ألف مبرر.. وتزداد المبررات حين يقترب إلى الهرم، بما له من قيمة معنوية، في الوجدان الجمعي المصري.

منهج التطوير أو فلسفته هو مصدر الخوف، ذلك أن أولئك الذين تولوا التطوير في مشروعات سابقة صدمونا صدمات قاصمة، إلى حد أن المعنى الاصطلاحي للتطوير صار في الجمهورية الجديدة مرعبًا ودليلًا على اقتراب مصيبة.

الذين ارتأوا تطوير ساحل أهم مصيف مصري، بـ"تبليط الرمال وإقامة المقاهي"، لا يمكن أن نستأمنهم على الهرم.

واللافت أن شيوع مفردة "تبليط الهرم" على نطاق شعبي واسع، بما في إيحاءاتها من نبرة سخرية تهكمية، يؤكد بجلاء أن المواطن قد لسعته الشوربة فصار ينفخ في الزبادي، وقد بلغ غيظه مداه، فإذا به إزاء انسداد قنوات التعبير عن رأيه، يلوذ بوسائل التواصل الاجتماعي ليفش غله، على الرغم من أن ذلك أيضًا، ليس مأمون النتائج، فكم ذا بمصر من البوستات التي حبست أصحابها؟

على أنه إذا كانت الضجة التي أثيرت بشأن مشروع التطوير أو التبليط القومي، قد دفعت إلى تشكيل لجنة علمية لدراسة المنافع والمخاطر، لكن في مفارقة غريبة، فإن الدكتور حوّاس رئيس اللجنة استبق الدراسة المفترضة، فطالب بمحاكمة الدكتورة مونيكا حنا، أستاذ مساعد الآثار، صاحبة مصطلح التبليط، والأغرب من ذلك أنه اتهمها بأنها افتعلت الأزمة لغرض في نفسها، ألا وهو أن تجذب إليها الأنظار فتحظى بمنصب وزاري.

هكذا إذن.. يبدو الدكتور حوَّاس كأنه حكيم الحكماء وفيلسوف الفلاسفة العليم بخائنة الأعين، الخبير بما تخفي الصدور، حتى إنه لم يتريث في الإعلان عن رأيه فيما قالته الدكتورة مونيكا رغم أنها من أهل الاختصاص، فإذا لم تفتِ أستاذة في الآثار في مشروع كهذا.. فمن ذا الذي يفتي؟

والمثير للانتباه في انتقادات حوَّاس أنها كشفت بدرجة ما، عن تأييده المسبق للمشروع، ذلك أنه أدلى بتصريحاته، فور تكليفه برئاسة اللجنة، ما يرجح أنه لم يطلع بعد على دراسات ولم يلتقِ بخبراء ولم يسمع لرأي هذا الفريق ولا ذاك.

وحريٌّ بهذا الموقف الاستباقي أن يثير الشكوك في أن المشروع سيمضي قدمًا، وسيجري تنفيذه بغض النظر عن نتائج الدراسات، فكل ما في الأمر أننا إزاء "تأجيل استراتيجي" حتى يهدأ "الهري" أو إلى حين "يهري الناس" في شأن جديد، وهذا ليس عصيًا، إذ يمكن أن نفجر لهم موضوعًا ما، فنستأثر باهتماماتهم على غرار تعيين حسام حسن مديرًا فنيًا للمنتخب، فإذا بهم لا يتذكرون الهرم، ولا يتفكرون في مصيره.

والغريب حقًا في انتقادات الدكتور حوّاس لزميلته الدكتورة مونيكا، أن تحليل مضمون ما كتبته بشأن المشروع لا يوحي برغبتها في الاستحواذ على حقيبة وزارية، إذ لم تقل إلا أن "تغليف الهرم الأصغر بأحجار الجرانيت ليس ذا جدوى من الناحية الأثرية"، ولم تطلب إلا عمل دراسة علمية، لتقييم المشروع، ولعلها كانت ساخرة أو حادة نوعًا ما، حين تساءلت: "ألا ينتهي العبث بآثار مصر؟" لكن كلامها كله يبدو في نطاق المصلحة العامة.

صحيحٌ أن الكلام لا ينفي رغبتها في منصب وزاري، لكنه في الوقت ذاته، لا يؤكد ولا يوحي بذلك على الإطلاق، فكيف توصلت عبقرية الدكتور حوّاس إلى استنتاجه ذاك؟ وهل منطقيٌّ أن يطالب بمحاكمتها على خلفية استنتاج غير مثبت بدليل مادي؟

التفتيش في النوايا الذي مارسه رئيس اللجنة، وطعنه بغير بينة في ضمير زميلته، ليس مقبولًا بأي معيار أخلاقي أو علمي، لكنه على أي حال لم يأتِ بما هو خارج سياق أو منطق الجمهورية الجديدة، التي قد يجد المرء نفسه تحت حكمها الميمون، خاضعًا للتحقيق بتهمة التعاطف مع جماعة إرهابية، وكأن الشعور بالتعاطف الذي هو شيء يستقر في القلب، شأنه شأن التقوى مثلا، قد صار ممكنًا رصده وضبطه متلبسًا بالدليل المادي، ومحاسبة الناس كذلك عليه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة