قبل 7 أشهر وبلهجة حاسمة، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الدولة المصرية لن تقدم على تعويم الجنيه إذا كان لهذا القرار تأثيرات سلبية على حياة المصريين. وأضاف نصًا: "احنا مرنين في سعر الصرف لكن عندما يتعرض الموضوع لأمن مصر القومي وإن الشعب المصري يضيع فيها لأ.. لا لا لا.. هذا الموضوع أنا بقوله على الهوا.. عندما يكون تأثير سعر الصرف على حياة المصريين وممكن يضيعهم احنا ما نقعدش في مكاننا.. ما نقدرش حتى لو الكلام ده يتعارض مع...".
واليوم، تترقب السوق المحلية، ساعة الصفر لتنفيذ قرار التعويم، بعد اتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي على تفاصيل حزمة تمويلية جديدة خلال الساعات القليلة الماضية، بدأت ملامحها تظهر في اجتماع الحكومة أمس الأربعاء.
القرارات الحكومية الأخيرة جاءت معبّرة عن مطالب سابقة لصندوق النقد؛ بتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وفي مقدمتها إلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم المقررة لجهات الدولة في الأنشطة الاستثمارية والاقتصادية، لتصبح مثلها مثل القطاع الخاص تمامًا.
أما تخفيض سعر صرف الجنيه فهو قرار في يد البنك المركزي، لا شك أنه سيتضمن تأثيرات أمنية واقتصادية واجتماعية تجعل إصداره يخضع لمراجعات من جهات أخرى. خاصة في ظل اتفاق الشريحة الأكبر من الخبراء على أن تخفيض سعر الصرف في حالة الاقتصاد المصري الراهنة تنذر بكثير من المضار مقابل القليل من المنافع.
التعويم لن ينقذ الوضع
يتساءل الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي ونائب مدير قطاع الرقابة الداخلية ببنك القاهرة، عن مبررات شروع صندوق النقد الدولي في رفع قيمة القرض من 3 إلى 7 مليارات دولار أو أكثر، رغم تخفيض النظرة المستقبلية للاقتصاد المصرية من مستقرة إلى سلبية, وهو ينظر إلى تخفيض قيمة الجنيه على أنه لن ينقذ الوضع ولا يحقق أي نتائج إيجابية.

يشير الجرم، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات بأنه نتيجة منطقية لتكبد المستورد تكلفة مرتفعة نظير الحصول على دولار السوق السوداء. ويوضح أنه فإذا تم تخفيض العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي ليصل حتى إلى سعر السوق السوداء، فسَتَظل الاسعار مرتفعة، لأن العبرة بتخفيض تكلفة الحصول على الدولار أمام المستورد.
ويقول إن الدولار الأمريكي تجاوز سعر 70 جنيهًا في السوق السوداء التي أصبحت ملاذًا وحيدًا للمستثمرين والمستوردين وغيرهم ممن بحاجة إلى العملة الأجنبية لأمور السفر والتعليم والعلاج، في حين أنه منذ وقت قريب لا يتجاوز سنوات معدودة كان عند مستوى 7 جنيهات. وكذلك، الجنيه الذهب الذي تجاوز 32 ألف جنيه، وكان في السابق عند مستوى 6 الآف جنيه، وسعر طن الحديد الذي كسر حاجز 60 ألف جنيه، وكان عند مستوى 12 ألف جنيه.
ويضيف أنه "في ظل أزمة عاتية كانت لها تداعيات سلبية وكارثية على كل الاقتصادات العالمية على اختلاف أيديولوجيتها الاقتصادية والسياسية.. هل سنظل ننتظر عامًا تلو الآخر لكي يحل صندوق النقد الدولي هذه المشكلة؟ عاوزين نحس إن الحكومة بتحاول بس، وبتتدخل بشكل حاسم لضبط منظومة الأسعار، كما كان الوعد بتثبيت أسعار 7 سلع استراتيجية... هذا لم يحدث".
الدولار ارتفع بسبب الذهب
وفق "الجرم"، فإن زيادة الطلب بشكل كبير على شراء الذهب وراء ارتفاع أسعار الدولار في السوق السوداء إلى هذا الحد، وذلك لأن أباطرة السوق السوداء يطبقون معادلة: وزن الأونصة (31.1) * سعر جرام الذهب عيار 24، مقسومًا على سعر أوقية الذهب عالميًا.
ويلفت إلى أن الإقبال على شراء الذهب يرتد بطبيعة الحال على شراء الدولار الأمريكي، على خلفية أن تسعير المعدن الأصفر يكون بالدولار. فالذهب في الأساس ما هو إلا دولار في صورة معدنية، واستمرار تلك الممارسات في السوق من شأنه أن يُعزز ويدعم استمرار الأزمة لفترات أطول، ففئة كبيرة من المصريين تنظر إلى الدولار الأمريكي باعتباره مخزنًا للقيمة من دون العملة المحلية.
ما الذي يطلبه الصندوق من مصر؟

يقول الدكتور جودة عبدالخالق، وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، إنه طبقًا لما يتسرب من أخبار من داخل اجتماع بعثة صندوق النقد مع الحكومة حول برنامج التمويل الجديد، هناك اتجاه لزيادة التمويل من 5 مليارات دولار طبقًا لاتفاق 2022 إلى حدود الـ 8 مليارات دولار. هذا يعني أنه في المقابل ستكون مطالب جديدة من الصندوق.
ويضيف "عبد الخالق" أن مطالب الصندوق تتمحور في ثلاث نقاط رئيسية: مرونة سعر الصرف، ومكافحة التضخم، وتشديد السياسة المالية لكبح جماح العجز المالي. وبناءً عليه فإننا قريبين من إقرار مرونة سعر الصرف لتقليل الفجوة بين السعرين الرسمي وغير الرسمي الذي يصل لـ100%، في تطور غير مسبوق في حالة مصر على مدار 5 عقود.
التعويم سراب وخراب
ويوضح أن مصر تتعرض حاليًا لضغوط خارجية في ضوء تطورات في الإقليم وانخفاض موارد النقد الأجنبي المتاحة وعوائد المرور بقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج وعوائد السياحة المستقبلية، وهذا يمثل صدمة سلبية لهذا الاقتصاد المصري.
ويقول "عبد الخالق" إن مصر أمامها سيناريوهين للقادم: الأول، نجاح المفاوضات بين مصر والصندوق بتأجيل رفع التعويم، ما قد يعطي للبنك المركزي فرصة إرجاء سعر الفائدة إلى الربع الثاني من 2024، أو الاتفاق على تخفيض الجنيه ليتجه البنك إلى الرفع. ويوضح أنه لا يحبذ رفع الفائدة لما في ذلك من آثار سلبية على العجز المالي.
اقرأ أيضًا: الدولار المجمد.. كيف وصل “الأخضر” إلى نصف ثمنه بالسوق السوداء؟
ويقول: "رفع الفائدة ليس وسيلة فعّالة في التضخم في حالة مصر التي ينتج فيها التضخم عن عوامل هيكلية في الإنتاج أو عوامل مؤسسية بسبب احتكار العديد من القطاعات في الاقتصاد المصري". ووفق الوزير السابق، "يجب ألا نجري وراء سراب التعويم لأنه خراب".
تعويم 2016 كان "نكسة"

يعود محمد عبدالعال، الخبير المصرفي ووكيل بنك الاستثمار القومي السابق، إلى تعويم 2016 والذي يعتبره "نكسة وزلزال"، فيقول إن تبعاته كانت خطيرة؛ فكل تعويم يزيد التضخم ويبتعد عن مستهدفاته ومن ثم ترتفع الأسعار، وهذا هو الأمر مع التعويمات؛ تردي في كل المؤشرات، على حد قوله.
"عبد العال" إذا ليس من أنصار التعويم تحت أي مستوى سواء كان محدودًا أو كامل؛ لأنه سيؤدي إلى مشاكل أكبر، كما يشير في حديثه لـ"فكر تاني".
وهو يرى أن وصول الدولار إلى أي مستوى حاليًا ممكن؛ لأنه لا سقف في سوق عشوائية تحكمها ظاهرة الندرة. ويقول إن هناك مجموعة من الأسباب تؤدي للضغط على الجنيه في السوق الرسمية، تتمثل في الأسباب الاقتصادية المحلية والغوامل النفسية والأسباب الخارجية التي تتضافر معًا وتمثل مزيدًا من الضغوط على الجنيه بالسوق الموازية.
هذه أسباب تدهور سعر الصرف
ويضيف أن مجموعة الأسباب الاقتصادية المحلية لتدهور سعر الصرف بدأت بزيادة المديونية الخارجية في شكل أقساط أو فوائد، والتي تضغط بشدة على توفر النقد الأجنبي، الذي يمكن عبره دعم الجنيه أو توفير السيولة اللازمة للسلع والخدمات.
أما السبب الثاني، فيتمثل في استيراد مصر 75% من احتياجاتها سواء سلع استراتيجية أو مستلزمات إنتاج في ظل عجز في ميزان المدفوعات والميزان التجاري، بينما ميزان الخدمات لا يغطي هذا العجز، ما يعمل على زيادة فجوة النقد الأجنبي، ومعه الفجوة الإنتاجية لعدم المقدرة على استيراد مستلزمات الإنتاج.
ويلفت إلى أن الضغط على الجنيه يزداد وينخفض معه متوسط أصول النقد الأجنبي في الجهاز المصرفي وتزداد كلمة العجز في كل المؤشرات.
التعويم قد يعصف بالاقتصاد المصري

"التعويم أداة سلبية قد تعصف بالاقتصاد المصري"؛ هذا ما تراه حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية عضو مجلس إدارة شركة "الحرية" لتداول الأوراق المالية، خاصة وأن الاقتصاد المصري يعتمد على الاستيراد مع موارد دولارية محدودة بتراجع تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس والسياحة. ولهذا، فإن تعويم الجنيه من شأنه أن يفاقم أزمتنا، كما تقول "رمسيس".
وتضيف الخبيرة الاقتصادية، في حديثها لـ"فكر تاني"، أن تحريك سعر الجنيه رسميًا من شأنه إعطاء التجار فرصة لرفع الأسعار، بينما الأفضل العودة لنظام الدولار الجمركي في الاستيراد وتوفير الدولار للمستوردين لخفض الأسعار بالسوق وربط الجنيه بسلة عملات وليس بالدولار فقط؛ فمصر ليست دولة مصدرة للبترول لتتبع نهج "البترو دولار".
وتوضح أن الدولار حال رفعه في السوق الرسمية في حالتنا الآن معناه ارتفاع في سعره بالسوق السوداء أيضًا، ما يفرض مزيدًا من الضغوط على الاقتصاد المحلي. كما أن خفض قيمة العملة لا يفيد التصدير في ظل اعتماد الصناعة المصرية على مستلزمات إنتاج مستوردة من الخارج.
لا بديل عن تخفيض سعر الجنيه

ويقول محمد النجار، الخبير الاقتصادي ورئيس قسم التحليل الفني في شركة المروة للسمسرة في الأوراق المالية، إن هناك حالة من فقدان الثقة في إدارة سياسات الصرف في مصر بعد عام 2016، في ظل الهبوط المستمر لسعر الجنيه أمام الدولار ورفع سعر الفائدة بعد ربط المدخرين ودائعهم، وكذلك التأخير المستمر في اتخاذ خطوات لمواجهة التداعيات.
ويضيف النجار، في حديثه لـ"فكر تاني"، أنه نتيجة لذلك شهدنا سعرين للصرف، وتوجه الناس للإنفاق وشراء كل وأي شئ، لأن السعر قد يتضاعف خلال أسابيع، ولا حل في الأجل القصير إلا بتخفيض سعر الجنيه مجددًا في السوق الرسمي، ورفع الفائدة بمستوى لا يقل عن 40%. ويشدد على أن انهيار الثقة في العملة المحلية مأساة واستعادتها يحتاج جهودًا ورؤية واضحة، وخطط ملموسة للإنتاج والتصنيع والزراعة والتكنولوجيا والصحة.
مصر تحتاج 65 مليار دولار فورًا

ووفق هاني توفيق، الخبير الاقتصادي ورئيس "الجمعية المصرية للاستثمار المباشر"، فإن مصر بحاجة عاجلة لـ 20 مليار دولار يتم توفيرها لدى البنك المركزى للدفاع عن سعر الصرف الجديد. وذلك بالإضافة إلى 25 مليار دولار أخرى لسداد الديون المستحقة الآن، و20 مليارًا أخرى لتشغيل المصانع المتوقفة، بينما أي حلول لا تستهدف هذا المبلغ (65 مليارًا) تكون بمثابة تأجيل للأزمة وليس حلًا حقيقيًا لها.
ويشدد "توفيق" على ضرورة الإصلاح المؤسسي ووضع آلية مستدامة للتخطيط وترتيب أولويات إنفاق موارد الدولة، ونسف معوقات الاستثمار المباشر.
الجنيه "لازم" يوصل رسميًا لسعر السوق السوداء
ويرى رجل الأعمال نجيب ساويرس إن التأخير في القرارت المطلوبة "مصيبة" تزيد من حجم الوضع الحرج الذي يعانيه الاقتصاد المصري.
ويضيف ساويرس، في تغريدات على منصة إكس "تويتر سابقًا"، أن "أي محاولة لعلاج ازدواجية سعر الصرف بعرض الدولار بسعر اقل من السوق السوداء لن يحالفها النجاح فالصحيح هو البداية من سعر السوق السوداء وسينزل تدريجيا بعد وجود معروض.. كل من لديه سوف يوافق علي البيع عبر القنوات الرسمية لو تساوي السعرين".
ويوضح أن أزمة العملة تكررت عدة مرات في مصر دون استفادة في المعالجة المتعلقة بترك سعر الدولار للعرض والطلب. وأن "المشكلة محتاجة قعدة ناس متخصصين لوضع الحل المناسب، ودائمًا التأخر في القرار يكلفنا الكثير والتاريخ شاهد على ذلك".