"لقد مسه سحر الحلم مرة، وستبقى تلاحقه دومًا ذكرى الخطيئة الجميلة.. لحظة حرية، خفة لا تكاد تحتمل لفرط جمالها، تبقى مؤرقة كالضمير، وملهمة ككل لحظة مفعمة بالحياة" – (أروى صالح – المبتسرون)
ربما هذا الوصف الذى أطلقته الكاتبة الراحلة في كتابها الذى سجلت فيه تحليلها للحركة الطلابية في السبعينيات ومارست نقدًا ذاتيًا شديدًا، هو أكثر ما يليق وينطبق في الذكرى الثالثة عشر لثورة يناير العظيمة على حالة الجيل الذى عاصرها وشهدها وكان فاعلاً في أحداثها، فسوف تظل يناير حلمًا ولحظة حرية مؤرقة كالضمير وملهمة كالحياة.
"الصغار الذين يواجهون الدبابة فى فلسطين، يفعلون عملاً جنونيًا، يختارون لحظة مطلقة من المعنى، والقدرة، حرية مركزة و بعدها الموت، يشترون لحظة واحدة بكل حياتهم.. هذا جنون، و لكنه جنون جميل لأن اللحظة أثمن من حياة ممتدة فى وحل العجز والمهانة" – (رضوى عاشور – قطعة من أوروبا)
وبالتزامن مع ذكرى ثورة يناير، وأسبق عليها بشهور منذ 7 أكتوبر الماضى، ومع بلوغ أعداد شهداء العدوان الصهيوني ما يزيد على 25 ألف شهيد بالإضافة لأكثر من 60 ألف مصاب ناهيك عن المفقودين، وهى ليست مجرد أعداد بل أرواح وحيوات ومصائر أناس حلموا فقط بحياة حرة وكريمة على أرض وطنهم التاريخى، وسبقهم على مدار عقود منذ نكبة 1948 وما تلاها آخرين عبر فصول متتالية من مقاومة الشعب الفلسطينى بمختلف أجياله في مواجهة عدوان الاحتلال الصهيوني المتواصل والمستمر، تبدو كلمات رضوى عاشور هي الأكثر تعبيرًا عن حقائق هذه المقاومة التي قد ينظر لها البعض باعتبارها جنونًا لكنها كما قالت جنون جميل لأنه يعبر عن رفض العجز والمهانة.
اقرأ أيضًا:عزيزي المواطن الشكّاك: الحكومة حلوة.. وماما حلوة
(1)
كما تطرح يناير في كل ذكرى لها الكثير من الذكريات الجميلة والمثيرة للشجن معًا، وتستعيد مشاعر الكرامة والحرية والقدرة على الفعل والتمسك بالأحلام والاقتراب منها، إلا أنه أصبح واجبًا أيضًا أن تطرح على أبناء تجربتها جهد جماعى منظم في المراجعات، وهي مراجعات لا تهدف لا للتبرير في مواجهة هجمات متتالية ضد يناير وتفسيرات تآمرية حولها، ولا لتحميل يناير جرائر كل ما سبقها وما تلاها، وأيضًا لا تسعى لتقديسها وتمجيدها واعتبارها البقرة المقدسة التي لا يجب أن تمس.. هذه مراجعات واجبة ومستحقة والأولى بها أصحاب الحلم والمبادرة والمشروع والتجربة، وهى مراجعات تبدأ مما هو أسبق على ثورة يناير بل ولا أبالغ إن قلت أن بوادر الوعي بها والمحاولات في اتجاهها كانت أحد أسباب تقارب كبير بين مكونات مختلفة سياسيًا وفكريًا فيما قبل يناير وأثنائها وبعدها، وخلقت ما يمكن أن نسميه أجيالًا جديدة بأفكار أكثر انفتاحًا وتطورًا لكنها لم تتبلور بعد بشكل محدد وواضح في مشروعات سياسية وتنظيمية واضحة، سواء لأسباب الأحداث الكبرى المتلاحقة منذ ثورة يناير والسنوات التالية عليها، أو لأسباب الانغلاق والتراجع والتضييق التي جرت فيما بعد ذلك في السنوات الماضية.
لكن هذه المراجعات إن كانت تبدأ مما هو فكري لا بغرض التطهر ولا تغيير الجلد ولا خلع الأثواب القديمة وإنما بالأساس لتجديد وتطوير الأفكار وإدراك متغيرات العصر ومواكبته بما يليق به ويصلح له، لكنها تمتد بالضرورة لمراجعة تجربة كبرى بهدف الاستفادة من الدروس ووضع اليد على الأخطاء وإدراك الحقائق التي قد تغيب أحيانًا في لحظات نشوة القوة والنصر، وكله باستهداف المستقبل لا الوقوف أمام الماضى.
ظنى أن ما يمكن تسميته بـ(جيل يناير) يحتاج أن يجتهد بشكل جماعي في نقاش واسع وعميق حول تجربة ثورة يناير ومحطاتها الرئيسية، وأن يوثق هذه النقاشات ويستخلص منها ما هو مشترك، ليدرك مكامن قوته وحضوره وتأثيره التي لا تزال حاضرة رغم كل محاولات التغييب والإنكار، ويحدد وينقد أخطائه في المحطات المختلفة لمسيرة هذه الثورة النبيلة، وليمد جسور للمستقبل مع أجيال تالية ومع تصورات جديدة ومع قطاعات أوسع من المجتمع.

(2)
دون قفز أو استباق لما هو واجب وضروري من جهد جماعي، فأهم خطأ جوهري في ظني أن أبناء تجربة يناير، ورغم مساعي متعددة ومحاولات جرت، إلا أنه لم يتمكن – لأسباب عديدة موضوعية وذاتية – من امتلاك ناصية القدرة على بناء تنظيمي يمتلك مشروعًا سياسيًا جامعًا معبرًا عن أحلام يناير الكبرى وممهدًا الطريق بمشروعات تفصيلية وأفكار عملية قابلة للتطبيق تنقل مصر مما كانت فيه، أو مما هي عليه الآن، إلى أول طريق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لا كشعارات كبرى وإنما كبرامج سياسية وتنفيذية حقيقية سيأتي الآوان ذات يوم لتحقيقها وتطبيقها.
بالتأكيد لا يمكن اختزال يناير في مشروع تنظيمى واحد بالضرورة، كما لا يمكن لأحد احتكارها، وقد كانت أكثر تنوعًا بكثير من ذلك، كما كانت أكثر وضوحًا فيما هي ضده، وطرحت شعارات عامة – كحال أي تجارب تغيير شعبي كبرى – محل اتفاق واسع لكن طرق ومسارات الوصول إليها تختلف وتتفاوت.
لكن الأهم والأوضح أن هناك حالة فراغ سياسي واسع وواضح في هذا البلد ممتد منذ سنوات، بفعل سياسات السلطة بالأساس من ناحية، لكن أيضًا بفعل ضعف تنظيمي – تاريخي وليس مستجدًا – في أوضاع القوى المدنية الديمقراطية في مصر.. وقد آن الأوان في ظني للسعي لملء ذلك الفراغ، وللسعي مجددًا لحل مشكلات هذا الضعف التنظيمي بكل تحدياته – البشرية والمالية والسياسية والمجتمعية – لأنه لا أمل في مستقبل حقيقي لحياة سياسية بدون أطر تنظيمية جادة وفاعلة ومتماسكة وقادرة، ولا رهان على ملء فراغ بدون طرح تصورات وجهود مشتركة ومحاولات بلورة لهذه الأطر التنظيمية، ولا إمكانية لبلورة بدائل سياسية ومشروعات قابلة للتطبيق والتحقيق بدون قوى منظمة تحمل هذه البدائل وتطرحها وتقنع بها وتدافع عنها وتنحاز لها.
واجب اللحظة، كما كل لحظة مضت وستأتي، مشروع سياسي تنظيمي جامع يعبر – ولا يحتكر – عن أفكار وأحلام ثورة يناير، ويكون في القلب منه أبناء تجربة ثورة يناير وأجيالها، ويمتلك خطابًا جادًا جديدًا شجاعًا عاقلًا لا يكتفي بطرح الشعارات الكبرى وإنما تصورات وبرامج تفصيلية وعملية، ويستطيع بجرأة وشجاعة أن يعترف وينتقد الأخطاء السابقة لتجربته كما يستطيع بنفس القدر من الجرأة والشجاعة أن ينتقد السياسات القائمة وآثارها ومآلاتها، والأهم من هذا وذاك أن ينجح في جمع الاجتهادات المتعددة التي تقدم حلولا تنقل مصر لمستقبلها الذي تستحقه.
(3)
واحدة من أهم الواجبات التي يجب الالتفات لها في ذكرى ثورة يناير، أنه قد مر عليها 13 عامًا، أي أن غالبية من كانوا شبابًا في حينه، صاروا الآن ممن يمكن تسميتهم جيل الوسط، ورغم ما في ذلك من مرارات تتضاعف مع حجم ما تعرضت له تجربة يناير من انكسارات وهزائم تجعل البعض يعتقد أن هذه السنوات ضاعت سدى، وهو في ظني غير صحيح، لأنه سيبقى ويظل ليناير آثار وجدانية واجتماعية أعمق كثيرًا مما يبدو على السطح، إلا أنها حقائق الأمور والزمن التي يجب الاعتراف بها والتعامل معها، وإدراك أن هناك أجيال أحدث وأصغر سنًا، ويناير كان لها بكل ما فيها أثر على ذاكرتهم ووعيهم ووجدانهم، لكنهم يظلوا أجيالًا مختلفة، بمساحات تأثير وتأثر مختلفة، وواجب على كل من يسعى إلى المستقبل ويراهن عليه، وفي القلب من ذلك أبناء يناير والمنتمين إليها، أن يمدوا جسور التواصل مع هؤلاء، وينفتحوا على التعرف على أفكارهم، وتقبل لغتهم، وتفهم احتياجاتهم وطموحاتهم، واستيعاب الاختلافات معهم، والأهم بناء مساحات مشتركة معهم، دون مصادرة ودون فرض وصاية ودون أحكام مسبقة كما يجري عادة في العلاقة بين الأجيال المختلفة.
واحدة من أخطر آثار السنوات الماضية، هو الانصراف الواسع لدى الأجيال الجديدة عن العمل العام بمعناه المباشر والجماعى والمنظم، في ظل سياسات المنع والتضييق والملاحقة، فلا عادت هناك حركة طلابية سياسية تفرز كوادر ولا مساحات عمل وحركة لقوى سياسية وحزبية تستوعب طاقات وجهود الأجيال الجديدة، ومع ذلك فلا يعني هذا بأي معنى أن هذه الأجيال لا تمتلك أدواتها ولا تعبر عن تصوراتها ولا تنحاز لقضاياها وأفكارها، وربما ما جرى على سبيل المثال من تفاعل مذهل وواسع دعمًا لفلسطين والشعب الفلسطيني في غزة في الشهور الأخيرة كان في القلب منه والأكثر فاعلية وانتشارًا وتأثيرًا – لا في مصر وحدها بل على مستوى المنطقة والعالم – الأجيال الأصغر والأحدث، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك حضور وعي هؤلاء وفاعليتهم واهتمامهم ورغبتهم واستعدادهم للمشاركة والفعل، مع إدراك واجب ولازم لتفاوتات طبيعية بل وضرورية في التقديرات والآراء وطرق التعبير بل وحتى في الأدوات والوسائل.
(4)
أحيانًا تتحول ذكرى يناير إما لحالة يوتوبياوية، تستدعي كل ما هو مثالي ونبيل وجميل، وقد كانت يناير مليئة بذلك بالفعل خاصة في مشاهد الـ18 يوم في ميدان التحرير وميادين الثورة في مصر، أو لحالة جلد ذات شديدة القسوة تكاد تقترب من الذكرى الكربلائية.. وفي تقديري أن كلاهما ليسا الطريقة المثلى للاحتفاء بذكرى أنبل فعل شعبي مصري جماعي في تاريخ مصر الحديث، يناير لها ما لها وعليها ما عليها، وقد كانت حدثًا تاريخيًا موضوعيًا واجبًا، لكن في تفاصيل مسارها وتداعياتها وما لحق بها الكثير مما يستحق التوقف أمامه بقلب حار وعقل بارد، لكن من موقع الانتماء لها ولأحلامها وشعاراتها.
أعظم ما حققته يناير وسيظل هو أنها جددت وأكدت الأمل في هذا الشعب وفي طلائعه الفاعلة، وأثبتت أن في هذا البلد عقول وطاقات تمتلك أفكارًا ومشروعات متعددة ومتنوعة، وأنها رغم كل الانكسارات والتراجعات طرحت ملامح مشروع مدني ديمقراطي يمثل طريقًا للمستقبل الآتي بلا ريب ولا شك.
وأفضل ما تستحقه يناير هو أن نجدد العزم لا على تكرارها وإنما على بلورة مشروعها ونقد أخطائها وطرح كوادرها المنتمين لأفكارها ليقدموا بدائل وأفكار وسياسات تمنح الأمل للمصريين في المستقبل.
وتبقى التحية الواجبة في ذكرى ثورة يناير لدماء شهدائها، ولتضحيات مصابيها، وللشعب المصري الذي تحمل قبلها وأثنائها وبعدها ما يستحق من أجله مستقبل أفضل. وتبقى الدعوة الدائمة والمتجددة للحرية لكل سجناء الرأي، كخطوة واجبة ولازمة لفتح الباب والأفق أمام أي حراك سياسي جاد وفاعل في الفترة المقبلة.