في ذكرى ثورة يناير أود أن تكون مقالتي عن أحد أهم عناصر قيام الثورات عمومًا والتي لا يمكن أن تقوم ثورة بدونه، وهو "بيروقراطية الدولة". فكما يقولون أن أهم مقدمات الطلاق هو الزواج، أى أنه لا يمكن تصور طلاق لم يسبقه زواج أصلا، فكذلك لا يمكن تصور قيام ثورة من داخل دولة ديمقراطية، لابد وأن يكون نظام الحكم في الدولة "بيروقراطيًا" لكى تحدث فيها ثورة. ولا يعني هذا أن كل الأنظمة البيروقراطية تنتهي بقيام ثورات ضدها مثلما لا تنتهي كل الزيجات بالطلاق، كما لا يعني أن "الدولة الديمقراطية" و"الدولة البيروقراطية" نظامين متمايزين تماما لا يمكن ان تجتمع صفاتهما في نموذج واحد أبدا.
ويمكننا أن نشبه منظومة الحكم بالأسرة، فأسرة تقوم على الحب والمودة والتراحم والتعاون بين أفرادها لتستمر بشكل سوي وتنتج أفرادا أصحاء ناجحين متطلعين للمستقبل، وأسرة أخرى تقوم على استغلال أحد الأطراف فيها للآخرين واستخدام أساليب الإذعان والعنف والتجبر والقهر المادي والمعنوي على أفرادها لضمان استمرارها بغض النظر عن رضائهم أو رغبتهم في الاستمرار. وهو ما ينتج عنه أبناء مشوهين نفسيا وضعفاء بدنيا لا يمكن لأحدهم أن يحقق نجاحا إلا "بالرغم من" ظروف تنشئته في ظل هذه الأسرة التعيسة وغالبا لا يمكنه الحفاظ على ما حققه من نجاح إلا بالابتعاد عن هذه الأسرة والتخلص من ارتباطه بها.
وكما تحتوي كل أسرة في الواقع على صفات مختلطة من التعاون والإذعان والرضا والتنافر وتختلف شدة تلك الصفات من ظرف لآخر فكذلك الدول والمجتمعات، فلا توجد دولة ديمقراطية مثالية ولا توجد دولة بيروقراطية بالكامل. ولا يمكن لدولة ديمقراطية أن تتخلص بالكامل من بعض الصفات البيروقراطية فيها .. ولكن ما معنى كلمة بيروقراطية؟
البيروقراطية أو "الدواوينية" هي نظرية نادى بها الفيلسوف الألماني ماكس فيبر في أواخر القرن التاسع عشر تعني "حكم الدواوين أو المكاتب" وهي تعتمد على وضع قواعد تنظيمية محددة بدقة لإدارة شئون الدولة أو المؤسسات وفق خطة محددة سلفا بهدف زيادة الإنتاجية وضبط الأداء. وقد تأثر ماكس بالثقافة الألمانية السائدة في ذلك الوقت والتي تميل إلى عسكرة المجتمع وتقديس الطاعة للقيادة والنفور من التجديد والخروج عن المألوف. وربما تنجح تلك النظرية في بيئات العمل المغلقة التي يمكن التنبؤ بمدخلاتها وقياس مخرجاتها بدقة لتحقيق أهداف محددة مسبقا، ولكن عند التعامل في بيئات مفتوحة حيث لا توجد سيطرة حقيقية على المدخلات وحيث تتغير الأهداف طبقا لتغير المراحل والظروف فإن الأمر يصبح أعقد من قدرة البيروقراطية على الاستجابة.
فالبيروقراطية عندما تستمر في السلطة لفترة طويلة تتكون حولها شبكات من العلاقات والمصالح التي تسعى لحماية نفسها بالمزيد من البيروقراطية، أى أنها تقيس نجاحها بقدرتها على الاحتفاظ بالسلطة لأكبر فترة ممكنة، وبالتالي تسعى بوعي أو دون وعي لقتل السياسة بمعناها العملي المبني على طرح أفكار جديدة ووجوه جديدة بهدف تقديم حلول لمشاكل اجتماعية مستجدة، وصدقني، هناك دوما مشاكل مستجدة. فالتنافس على السلطة يصبح في عرف الأنظمة البيروقراطية مهددا لمصالحها ووجودها مما يؤدي لقيامها بوضع القواعد التنظيمية التي تخنق المنافسة السياسية أو تخربها ماديا أو معنويا.
وهنا يكمن مقتل أنظمة الحكم البيروقراطية، في نجاحها ذاته، فكلما نجحت في استخدام أحد الأساليب لمنع المنافسة السياسية تبنت هذا الأسلوب كسياسة تعامل بها معارضيها مما يؤدي لزيادة قدراتها على تفريغ المعارضة من معناها ومما يؤدي لتراجع قدرات المجتمع على مواجهتها وتصحيح أخطائها وبالتالي يصبح الاحتقان والغضب ضدها أكبر وأكبر ولكن دون أن يتمكن من فرض نفسه على مساحة الفعل. فالبيروقراطية، مع نجاحها في هدف استمرارها في الاستحواذ على السلطة لعقود طويلة، تقوم باحتلال المؤسسات التي يمكن أن تظهر منها معارضة فعالة وتخربها لتصبح مؤسسات شكلية بلا فعالية، مما يؤدي لضياع الهدف الأساسي من وجود السلطة وهو "الحكم" الذي ينبع من "الحكمة".
ويمكن تشبيه ذلك بقبطان يقود سفينته معتزا بخبرته وذكاؤه وكلما نبهه أحد رجاله لخطأ ارتكبه أو مشكلة تواجه البحارة، ألقاه في البحر أو جرده من رتبته ووضعه في قاع السفينة، صحيح أن القبطان مع الوقت سوف يكون قد تخلص من كل من يمكنهم أن يناقشوه فيما يفعل وسوف يكون قد نشر الرعب بنجاح بين البحارة حتى لا يجرؤ أى منهم على مواجهته إلا أنه في تلك اللحظة تحديدا يكون قد فقد أى وسيلة يمكنها أن تصحح وجهته أو تحسن من أداؤه، وعندها إما أن تغرق السفينة وإما أن يتمرد البحارة.