دون مقدمات أستطيع أن أقول بأن حياتنا تتلخص فيما يعرف بـ “تكلفة الفرص البديلة” وهو مفهوم اقتصادي يتمثل في قيمة الأشياء التي قد نمتلكها مقابل الأشياء التي يمكن أن نتخلى عنها ونتركها أو نخسرها، وبمفهوم آخر “تكلفة الفرص البديلة” هي الفوائد أو المصالح التي من الممكن أو المحتمل أن يحصل عليها الشخص أو المؤسسة مقابل الفوائد أو المصالح الضائعة عند تفضيل بديل على الآخر.
وأرى من وجهة نظري أن تكلفة الفرصة البديلة تنطبق على جميع ما هو حولنا اليوم والأمس وغدًا ولا يمكن أن تقتصر على الأشخاص أو الشركات فحسب بل حتى الدول ومنظمات المجتمع المدني.
اقرأ أيضًا:في ذكراها.. الثـ.ورة “متنـ ـيلة” ولكن مستمرة
فعلي مستوى الدول وخاصة النامية يجب عليها أن تقيس تكلفة الفرص البديلة عند الإقدام على قرارات من الممكن أن تؤدي إلي توتر علاقتها بالدول الكبرى، وهنا لا أقصد أن تستسلم هذه الدول للتبعية السياسة والاقتصادية، ولكن أقصد قياس المخاطر بحذر لدرء أي تبعات سلبية على شعوبها. فكنت أتساءل دائما هل قدر الرئيس الراحل صدام حسين تكلفة الفرصة البديلة عندما اتخذ قرارا بغزو الكويت، مدفوعًا بالفخ الذي نصبه له الأمريكان؟ والحقيقة أشك في ذلك.
ليست الدول النامية وحدها مطالبة بقياس التكلفة، فأعتقد أن أوكرانيا لم تقدر جيدا تكلفة الفرصة البديلة عندما اختارت أن تنحاز للدول الغربية والاندفاع نحو شيطنة روسيا. وكانت النتيجة هي حرب شعواء لا تزال متواصلة بجانب ضم روسيا لأربع مناطق في شرق أوكرانيا وهم لوجانسك ودونيتسك وزابوروجيا وخيرسون. وبالعودة للتاريخ لم أتخيل أن هتلر قدر تكلفة الفرصة البديلة عند عزمه غزو الاتحاد السوفيتي وهو ما كانت نتيجته هزيمته في معركة ستالينجراد.
على مستوى المجتمع المدني كنت شاهدا على منظمات لم تغير منهجها في العمل الحقوقي لترضي الجهات أو الدول المانحة، ولم تغير هذه المنظمات منهجها في العمل لتتوافق مع أجندة الجهات المانحة التي تعطي بسخاء لقضايا مثل دعم حقوق مجتمع الميم. حتى في الأوقات التي واجهت فيها بعض المنظمات التي أعرفها نقصًا حادًا في الموارد المالية بقيت ملتزمة بتقدير وقياس تكلفة الفرصة البديلة.
وأستطيع أن أؤكد لحضراتكم ومن واقع التجربة أن العمل الحقوقي في حد ذاته والتركيز على قضايا حقوق الإنسان أصبح اختيار صعب للغاية في ظل عدم الاحترام لهذه الحقوق في العالم من الدول التي تدعي أنها تحمي حقوق الإنسان في العالم وهي تقتل الإنسان علي مرأى ومسمع من العالم.
أخيرًا، وعلى مستوى الأفراد يمكن القول إن تكلفة الفرصة البديلة هي البوصلة التي تحدد لكل فرد منا طريقه، ولكن ذلك يعتمد على مدى وعيك بالقرارات التي تقدم عليها وحساب تكلفة اتخاذك لها أو التخلي عنها، فقد يقرر الشخص منا الزواج وبناء أسرة لكن هذا القرار يترتب عليه إنهاء العزوبية وعليه أن يتحمل مسئولية أسرة. فهل هو مستعد لذلك؟ قد يختار أشخاصًا آخرون تدخين السجائر بإفراط ولكن نتيجة ذلك سيعاني من أضرار صحية ومالية معروفة. قد يختار الشخص أن يعمل بمهنة أو وظيفة بعيدة عن مجال بدراسته فسيكون ذلك مقابل التنازل عن بعض أحلامه.
في النهاية، يبقى لكل شيء تكلفة وتبقى تكلفة الفرصة البديلة هي الاختيار الذي يتبعه التنازل والتضحية وخسارة شيء آخر، فيجب علينا جميعًا تحمل مسؤولية هذا الاختيار وتبعاته.
