قيم الأسرة المصرية وقمع النساء

 

لا تقتصر ممارسات السلطة الأبوية في الدول العربية على المنظومة الأسرية فحسب، فالأنظمة الأمنية والقوانين تثبت لنا كل يوم أنها مجرد أدوات في منظومة أكبر، وهي المنظومة الأبوية التي تقمع بدورها النساء وتفرض وصاية على أجسادهن وتلاحقهن.

منذ قديم الأزل تُبارك السلطات في الدول الناطقة بالعربية الُعرف الذكوري السائد، وتستفيد بشكل صريح وواضح من النظام الأبوي القائم الذي يتحكم بدوره في أجساد النساء ويعتبرها ملكًا للأسرة.

يحدث ذلك مرة تحت ذريعة "الشرف" ومرة "الآداب العامة"، ومؤخرا أطلّت علينا شعارات غريبة فضفاضة مثل "قيم الأسرة المصرية". ولا نعلم حتى الآن عن أي أسرة مصرية يتحدثون؟ أسرة الطبقة الوسطى، المتدينة بطبعها كما يقال، أم أسرة الصعيد التي نرى فيها أحيانًا جرائم قتل النساء بدعوى الشرف لمجرد الشك في السلوك، وتمر مرور الكرام، دون أن ُيحاسب أو يُجرّم أحد؟ أم أسرة الساحل الشمالي الذي نرى فيه رقصًا يتعدى في جرأته رقص فتيات التيك توك، ويُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يجرؤ أحد على ملاحقتهن أو حبسهن. وهذة ليست دعوة لملاحقة أحد أبدًا بل محاولة لفهم وتفكيك الأحداث والدفاع عن الحرية الشخصية للجميع.

اقرأ أيضًا:عن الحب… “بالراحة”!

كيف بدأت المأساة؟

بدأت حملة استهداف صانعات المحتوى، على خلفية استخدامهن لتطبيق التواصل الاجتماعي تيك توك في 23 إبريل 2020، عندما تم القبض على الطالبة بجامعة القاهرة حنين حسام، واتهامها بتهديد قيم الأسرة المصرية وقيم المجتمع المصري والتحريض على الفسق والفجور وممارسة الرذيلة. يذكر أن القبض على حنين أتى بعد بيان رئيس جامعة القاهرة د. محمد عثمان الخشت، الذي اتهمها بأن سلوكياتها تتنافى مع الآداب العامة والقيم والتقاليد الجامعية.

ومنذ ذلك التاريخ، دخلت فتيات التيك توك دوامة الملاحقة والاستهداف، إذ تم القبض على عدد منهن، مثل مودة الأدهم، التي قُبض عليها في 14 مايو، ووضعت مع حنين حسام في القضية نفسها. وفي 10 يونيو ألقي القبض على شريفة رفعت، المعروفة بـ"شيري هانم" وابنتها نورا هشام المعروفة بـ"زمردة"، ثم منار سامي وريناد عماد وهدير الهادي، ونبوية جمعة وغيرهن ممن اتّهمن بتهديد قيم الأسرة المصرية.

سير القضايا والانتهاكات بحق النساء

أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا غيابيًا بالسجن المشدد 10 سنوات بحق حنين حسام وتغريمها 200 ألف جنيه مصري، وحكم حضوري بالسجن 6 سنوات بحق مودة الأدهم وثلاثة آخرين وغرامة 200 ألف جنيه في القضية رقم 4917 لسنة 2020.

ثم في يناير 2021، قررت محكمة جنح مستأنف الاقتصادية إلغاء حكم أول درجة وبراءة حنين حسام واثنين آخرين من تهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية وقررت إلغاء عقوبة الحبس والإبقاء على الغرامة لمودة الأدهم، بعد أشهر من قرار محكمة الجنح الاقتصادية بالحبس سنتين لحنين ومودة مع الشغل، وتغريمهم 300 ألف جنيه.

و قرر قاضي المعارضات بمحكمة العباسية، بتاريخ 27 يناير 2021 تأييد إخلاء سبيل حنين حسام بكفالة قدرها 5 آلاف جنيه فى اتهامها بالقضية، وذلك بعد رفض استئناف النيابة.

في 18 أبريل 2022، تمت إعادة محاكمة حنين حسام في محكمة جنايات القاهرة، وقضت المحكمة بتخفيض عقوبتها بالسجن المشدد 3 سنوات، وغرامة قدرها 200 ألف جنيه على خلفية تهمة الاتجار بالبشر وذلك بالقضية المعروفة إعلاميًا بفتيات التيك توك

الجدير بالذكر، أن القاضي  المستشار محمد أحمد الجندي  في محاكمة حنين حسام، وبَّخ حنين موجهًا لها رسالة خلال المحاكمة، قائلًا "إن المحكمة أخذت بقسط من الرحمة لحداثة سنّك، هو درس لك، وردع لمن يرغب بأن يقتدي بك لمثل هذا العمل المشين، ورسالة لكل أب وأم، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، ليؤكد القاضي بكلماته على المفهوم الأبوي، ووضع النساء داخل منظومة تُرسِّخ الهيمنة الذكورية داخل الأسرة.

المركز الإقليمي للحقوق والحريات أوضح أن مصطلح التعدي على قيم الأسرة المصرية يتعارض بشكل واضح وصريح مع العديد من النصوص الدستورية، من بينها نص المادة 95 من دستور 2014 المعمول به، والتي تقضي بأن تحترم النصوص العقابية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، بأن تكون النصوص القانونية واضحة ومحددة بطريقة لا يكتنفها أي غموض، وأن يستدل على أركان الجريمة من المضمون الظاهر للنص وليس من خلال التأويلات والتفسيرات المختلفة لأحكامه، وهو ما تفتقر إليه تهمة "الاعتداء على قيم الأسرة المصرية".

كل ذلك حدث بالتزامن مع موجات من التشنيع والخوض في سلوك وسمعة الفتيات، مع مباركة إعلامية وصحفية للحكم بحبسهن.

لم يختلف الوضع كثيرًا في قضية شيري هانم وزمردة

كان قد ألقي القبض على صانعتي المحتوى في يونيو 2020 من منزلهما بمنطقة مصر الجديدة بناءً على أمر ضبط وإحضار، وقد أحالتهما النيابة العامة إلى محكمة جنح الاقتصادية بالقاهرة، التي أصدرت في سبتمبر من نفس العام حكمها بالسجن 6 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه والمراقبة الشرطية لمدة 3 سنوات، وفي يونيو عام 2021 قضت جنح مستأنف الاقتصادية بقبول الاستئناف على الحكم وتعديله إلى السجن 5 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه.

حدثت نفس الهجمة الإعلامية عليهما، بل زادت حدتها لتصل إلى الاتهام باعتياد ممارسة الدعارة، لكي يستخدم ذلك في شيطنة هؤلاء النساء اجتماعيًّا وتبرير حبسهن.

حملات تطهير المجتمع المزعومة

لم تتوقف ملاحقة النساء عند حد الجهات التنفيذية وتحركات النيابة من تلقاء نفسها، فأصبح مواطنون عاديون يتقدمون ببلاغات لحبس النساء في حملات مزعومة لتطهير المجتمع مثلما حدث في قضية أنوش؛ حيث قدّم محامٍ، باعتباره مؤسس "حملة تطهير المجتمع" العديد من البلاغات ضد نساء يقدمن محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزهن صاحبة قناة الـ"العربية.نت"، واتهامها بتقديم فيديوهات تتضمن محتوى جنسيًا صريحًا ومشجعًا على الرذيلة والفسق.

وأضاف البلاغ أن الفيديوهات كانت مسيئة لعادات وتقاليد المجتمع، وتخالف نص القانون رقم 185لسنة 2018 الذي يمنع ويجرم إساءة استخدام مواقع التواصل أو استغلالها لهدم مبادئ وتقاليد وقيم الأسرة المصرية وانتهاك الخصوصية. وعلى خلفية هذا البلاغ تم حبس نبوية جمعة زهران الشهيرة بـ "أنوش" بتهمة الفسق والفجور.

تطور التهم وتطويع القوانين

قد نتفق أو نختلف مع المحتوى المقدم، يمكن أن نراه ركيكًا أو مُسِفًا، لكن هناك قوانين تحمي بشكل واضح وصريح حرية الإبداع في مصر.

نصت المادة 67 من الدستور المصري على حماية وكفالة ورعاية حرية الإبداع، وقيدت التحرك ضد الإبداع وقصرته على النيابة العامة، حيث نصت المادة 67 على أنه: "لا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة"، و"لا توقع عقوبة سالبة للحرية للجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري في غير الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز".

وعرَّف حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في يناير 1997 فى الدعوى رقم 2 لسنة 15 دستورية، المرفوعة  للحكم بعدم دستورية المادة (5) من القانون رقم 35 لسنة 1978 ، كما أوضحت مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن الحكم عرَّف الإبداع سواء كان علميًّا أو أدبيًّا، فنيًّا أو ثقافيًّا على أنه: "موقف حر واعٍ يتناول ألوانًا من الفنون والعلوم تتعدد أشكالها، وتتباين طرائق التعبير عنها "و" يتخذ كذلك ثوبًا ماديًّا -ولو كان رسمًا أو صوتًا أو صورة أو عملًا حركيًّا- فلا ينغلق على المبدع استئثارًا، بل يتعداه إلى آخرين انتشارًا، ليكون مؤثرًا فيهم".

وعلى الرغم من وجود هذه المواد التي تمثل أساسًا جيدًا لحماية حرية الإبداع في مصر إلا أن ما يحدث على النقيض تمامًا، خاصة إذا كانت مقدمة المحتوى امرأة، أو لمزيد من الدقة، إذا كانت امرأة من طبقة اجتماعية بسيطة.

اقرأ أيضًا:في ذكراها.. الثـ.ورة “متنـ ـيلة” ولكن مستمرة

لم يتوقف الأمر عند مخالفة مواد الدستور المصري التي تنص على احترام حرية الرأي والتعبير، أو توجيه تهم فضفاضة مثل التعدي على قيم الأسرة، بل أخذ استهداف فتيات التيك توك منعطفًا جديدًا حيث تطور الأمر لتوجيه تهم مربكة وفي غير محلها تمامًا، كتهمة الاتجار بالبشر مثلما حدث في قضية حنين ومودة.

وفقًا للقانون رقم 64 لعام 2010 أركان جريمة الاتجار بالبشر هي:

الفعل، الوسيلة، الغرض

وﻋدّد اﻟمُشرع وسائل جريمة الاتجار بالبشر كالآتي:

استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهم، الاختطاف أو اﻻحتيال أو الخداع، استغلال السلطة، استغلال حالة الضعف أو الحاجة.

وهو ما لم تقدم النيابة دليلاً عليه حتى هذه اللحظة، كما أن تطبيق "لايكي" الذي تم توجيه التهم للفتيات على خلفية استغلال الفتيات من خلاله، وتم محاكمة العاملين فيه هو تطبيق مرخص في مصر، ولا يوجد بالتطبيق أي خاصية تسمح باللايف الخاص، وذلك أمر يعلمه كل من لديه التطبيق؛ وبالتالي التطبيق مثل أي تطبيق آخر، يتربح مستخدموه من المشاهدات والإعلانات.

ومن الأمور العجائبية في قانون الاتجار بالبشر الذي تُحاكم على خلفيته الفتيات أنه لا يشمل تزويج القاصرات بالإجبار مثلًا! لكنه يستخدم في قمع وملاحقة الفتيات نظرًا لاستضعافهن ولأنهن من طبقة اجتماعية بسيطة، بدون نفوذ أو مال.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة