لماذا لجأت الحكومة إلى استبدال الديون ببيع حصص في شركاتها؟

تعتزم الحكومة توسيع سياسة "مبادلات الديون" من أجل مواجهة الفجوة الدولارية الكبيرة التي تعانيها مصر، فبعد دخولها في مفاوضات لاستبدال المديونيات بمشروعات تنموية، تبنت خطوة أخرى على مدار ست سنوات مقبلة، تتضمن استبدال الديون بحصص في الشركات الحكومية، وفق ما كشفته وثيقة التوجهات الاقتصادية.

بحسب وثيقة التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري للفترة الرئاسية الجديدة (2024 - 2030)، فإن الحكومة بصدد تشكيل لجنة وزارية عليا للتفاوض مع عدد من الدول والتحالفات البنكية الدائنة لمبادلة الديون المستحقة لها بحصص ملكية في بعض الشركات المملوكة للدولة.

تشير الوثيقة، التي أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، أن تحديد سعر بيع الحصص الحكومية سيكون وفقًا للأسعار العادلة. لكنها أكدت أن تلك السياسة تأتي أيضًا في سياق تنفيذ سياسة ملكية الدولة التي تتضمن التخارج من 79 نشاطًا خلال 3 سنوات.

ويستعد صندوق مصر السيادي لطرح 35 شركة في 2024 مع مستهدفات بتحقيق 5 مليارات دولار منها قبل يونيو 2024، حسب تقرير مجلس الوزراء. لكن لم يتضح إذا ما كانت تلك الشركات هي نفسها التي سيتم استخدامها في مبادلة الديون أم شركات أخرى.

تتضمن الأنشطة التي تعتزم الدولة التخارج منها بشكل كامل أنشطة: الاستزراع السمكي والثروة الحيوانية وقطاع المجازر وقطاع التشييد- عدا مشروعات الإسكان الاجتماعي- وأنشطة إنتاج برامج التليفزيون والأفلام السينمائية، وتجارة التجزئة وصناعات السيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث والجلود والأسمدة والزجاج.

 

مبادلة الديون.. هل من مخاطر؟

يقول مسؤول بوزارة المالية، إن القضية الأهم في مبادلة الديون بحصص في الشركات الحكومية هو تحديد السعر العادل لتلك الحصص، بما يضمن تحقيق الدولة العوائد والحصول على حقوقها "بما يرضي الله"، وتقليل حجم الأقساط والفوائد عبر برنامج الطروحات التي أعلن عنها في ديسمبر 2022.

وسددت مصر فوائد وأقساط ديون خلال النصف الأول من العام الجاري 2023 بقيمة 25.5 مليار دولار، بحسب وزير المالية محمد معيط، لكن لا يزال أمام مصر جدول سداد مزدحم يتضمن أقساط وفوائد ديون بقيمة 42.3 مليار دولار خلال 2024.

اقرأ أيضًا: رغم الضرائب والقروض.. كيف التهمت فوائد الديون 60% من مصروفات الموازنة؟

يضيف مسؤول المالية أن "تقييم الأصول هيكون وفًقا للمعايير العلمية اللي معمول بها في الأسواق العالمية.. هنستعين بمؤسسات محلية وأجنبية حتى لا يتم البيع بسعر أقل، عشان نضمن تحقيق عوائد من بيع الأصول وتعظيم الاستفادة منها، وألا تباع بأقل من قيمتها الحقيقية".

وتعمل مؤسسة التمويل الدولية كمستشار استراتيجي الحكومة لبرنامج الطروحات منذ توقيع اتفاق بين الطرفين في يونيو 2023. واقترحت المؤسسة، بالفعل، خطة تنفيذية للنواحي الفنية والمالية فيما يتعلق بطرح الشركات في القطاعات المستهدفة بالمرحلة الأولى من برنامج الطروحات.

كيف تعمل برامج الديون؟

الدارج عالميًا في برامج الديون هي المبادلة من أجل التنمية بتحويل مقابل الدين (تحويل المبالغ من العملة الأجنبية إلى المحلية)، ثم استخدامها في تمويل مشروعات تنموية تتفق عليها الدولة المدينة طبقًا لخطط مسبقة مع الدولة الدائنة واتفاقيات حوكمة بين الطرفين.

 

ورغم أن اتفاقيات مبادلة الديون تستهدف عدم حدوث أزمات للدول المدينة التي لديها مشكلات في دفع فوائد وأقساط الديون. لكنها قاصرة على القروض بين الدول ولا تمتد للمديونيات التي تكون فيها المؤسسات الدولية (كصندوق النقد) هي الطرف الدائن.

واكتسبت مبادلة الديون من أجل التنمية زخمًا أيضًا من التوجه العالمي نحو الاقتصاد الأخضر ومواجهة التغير المناخي مع تحويل غالبية المديونيات، حاليًا، إلى المشروعات النظيفة غير الملوثة للبيئة كمحطات الطاقة الشمسية والرياح وتحلية المياه والأبنية الخضراء (قليلة الاستهلاك للطاقة).

مبادلة الديون.. أية تحديات؟

تتجه الحكومة المصرية لمبادلة الديون بالتنمية وبحصص معًا، خاصة أن برامج مبادلة الديون وحدها تواجه بعض التحديات التي قد تعيق تنفيذها بسبب حدوث أزمات جيوسياسية أو اقتصادية لدى أيّ من أطراف المبادلة أو محيطهم الإقليمي.

ويكمن التحدي الآخر لمبادلة الديون بالتنمية في مساهمتها الضئيلة في تخفيف عبء الدين. فعلى سبيل المثال لا يمثل إجمالي برنامج مبادلة الديون مع ألمانيا سوى 0.1% من إجمالي الديون المستحقة على مصر لألمانيا، التي  وصلت إلى 2.6 مليار دولار.

اقرأ أيضًا: ما قاله مدبولي عن الأسعار في أولى مؤتمرات 2024

وأعلنت الحكومة، أخيرًا، أنها وصلت إلى مرحلة متقدمة في المفاوضات بشأن اتفاق برنامج مبادلة الديون مع الصين، بقيمة تتراوح بين 100 و120 مليون دولار. لكنه مبلغ قليل من أصل 2.8 مليار دولار. ويستهدف البرنامج تحويل الديون لمشروعات تنموية خضراء بدءًا من العام الحالي.

كما نفذت الحكومة المصرية برنامجًا لمبادلة الديون مع كل إيطاليا منذ 2001 وألمانيا منذ 2011 لكن قيمتهما الإجمالية لا تتجاوز  730 مليون دولار، لنحو 120 مشروعًا تنمويًا.

المستهدفات المصرية أكبر من التنمية

وثيقة التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري، التي حصلت "فكر تاني" على نسخة منها، تتضمن المساهمة في تحويل نحو 38% من الديون الخارجية لمصر إلى استثمارات عبر مبادلات التنمية. وكذلك بيع حصص بالشركات الحكومية، وهو مبلغ كبير يتطلب الاعتماد على أكثر من مصدر.

حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية
حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية

تقول حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية، إن مبادلة الديون عبارة عن سداد الديون مقابل حصة تؤوول لمقُرض وفاءً لقرض حصلت عليه الدولة. وهي تتيح للدولة السداد دون الجاجة للعملة لكن لا تتضمن في الوقت ذاته دخل نقدي للشركة أو خزينة الدولة. أي أنها خطوة ليست سيئة وليست جيدة أيضًا".

وترى الخبيرة الاقتصادية أن "المديونية مقابل حصة" سياسة هدفها السداد دون استخدام العملة الأجنبية سواء مع مستثمرين عالمييين أو عرب، وهو اتجاه استخدمته الدولة لتنويع مصادر التغطية لالتزاماتها بالمواقيت المحددة، وسبق التعامل بها مع الودائع التي حل أجلها للبنك المركزي للدولة الخليجية".

تحفظ على تبويب مبادلة الديون بالوثيقة الحكومية

جودة فضلون، باحث سياسي ببرنامج الديمقراطية وحقوق الانسان‏، يؤيد فكرة مبادلة بعض الأصول بحصة من الديون لتخفيض حجم الدين عبر تفعيل وثيقة ملكية الدولة. لكنه يطالب بأن يكون التقييم بالقيمة السوقية لتلك الأصول، وأن تظهر الحكومة الجدية والسرعة بتنفيذ برنامج الطروحات الحكومية لتوليد تدفق نقدي من استغلال أو تأجير أو بيع أصول الدولة.

وبحسب "فضلون"، فإن إدراج بند المبادلة ضمن باب "الانضباط المالي" في وثيقة التوجهات لا يتفق مع غياب التقييم العادل للأصول محل التفاوض مع الدائنين فلسفة لا يتبعها اصحاب مدارس التخطيط المالي.

ويأتي ذلك التحفظ على التويب، رغم تأكيد مجلس الوزراء أن الوثيقة التي أعدها مركز دعم واتخاذ القرار التابع له، اعتمد على آراء وتوجهات 400 خبير في 19 مجالًا أساسيًا للاقتصاد المصري، وانتهت إلى تحديد 873 توصية داعمة لصنع القرار في الأجلين القصير والطويل للدفع قدمًا بآفاق الاقتصاد المصري.

ويشدد "فضلون" على أن أفضل تبويب للمبلدلة ضمن الوثيقة أن يكون ضمن التوجية الاستراتيجي الأول "المزيد من تمكين القطاع الخاص في ضوء تنفيذ وثيقة ملكية الدولة". وهو ما يتوافق مع معايير وارشادات المراجعة المتعارف عليه.

هل مبادلة الديون أفضل أم البيع لمستثمر؟

يحتاج الطرح العادي في البورصة لخطوات متعددة؛ أولها اختيار مستشار الطرح، وثانيا تقييم الشركات وسعر الأسهم، وثالثا توقيت بدء الطرح، ورابعا الترويج للشركات المطروحة، إضافة إلى جدليات سعر الصرف الذي يؤثر على تقييم المستثمر لقيمة الأصول التي يشتريها.

الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع
الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع

ويقول الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، إن مبادلة الديون آلية مميزة من حيث المبدأ، إذ تعمل على تخفيف عبء الدين وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، ولا يوجد عيب لتلك الآلية إلا إذا كانت المبادلة غير عادلة.

ويضيف، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن الوصول للسعر العادل يحتاج إلى جهات ذات ثقة تُقيم المشروعات، وتواجد أطراف مصرية تجيد فن التفاوض والتفاهم مع ممثلي الدول والشركات الأجنبية. وهي آلية جيدة إذا أحُسن استخدامها.

وتقول حنان رمسيس إن الدولة تنوع استخدام الوسائل التي تسهل دفع التزاماتها في المواعيد المحددة، وحسب المستثمر أيضًا. فإذا كان جهة غير دائنة يتم استخدام أسلوب البيع لمستثمر استراتيجي كما حدث في بعض صفقات بيع الأصول، وإذا كان دائنًا يمكن اتباع المبادلة بصورتيها.

وباعت الحكومة في يوليو 2023 حصص أقلية في 7 شركات حكومية بقيمة 1.9 مليار دولار لمستثمرين محليين وعرب وأجانب. وجاءت بعض الصفقات عن طريق البورصة عبر آلية الصفقات ذات الحجم الكبير الذي تجعل سعر سهم الشركة أقرب إلى القيمة السوقية.

ووفق "رمسيس"، فإن تحديد السعر العادل من أدوار هيئة الرقابة المالية، فإذا كانت الشركة لها حصص مسبقة في البورصة يتم حساب القيمة السوقية لتلك الأسهم في البورصة، مع إضافة (10 و20%) فرق سعر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة