في نهاية العام شهد العالم ثورة مجيدة بحق سيخلدها التاريخ باسم “طوفان الأقصى”، ثورة يمكن اعتبارها بداية لعالم جديد، أحببت أن يكون مقالي الأخير فيه عن الموضوع الأثير إلى قلبي والذي أعتبره أصل كل مشكلة في المجتمع وأساس كل حل لها. وأبدؤه بضرب مثل قاسي إلى حد ما ولكنه معبر.
لو أصيب شخصا ما بالسرطان في أمعائه وعظامه وكبده، لكنه قرر الاستمرار في التدخين بشراهة بحجة أن السرطان لم ينتشر بعد في رئته، فهل يمكن اعتبار مثل هذا الشخص عاقلا أو مسئولا عن سلامته؟
كذلك الحال عندما تجد شعوبا شقيقة تنتمي لنفس الجسد “العربي” يصيبها الدمار والخراب والحرب الأهلية بسبب استفحال الاستبداد، وما يلاصقه وينبني عليه من فساد، ثم تجد شعوبا أخرى تحتفي بنجاتها من ذلك المصير، ليس بالخروج من مسار الاستبداد والهروب منه وانما بالاحتماء به بحجة أنه المنجي من الفوضى والدمار، وكأن المزيد من المرض يمكن أن يؤدي بشكل ما للشفاء!
إن ما تسبب في تدمير سوريا والعراق والسودان وليبيا هو أساسا وقبل كل شئ الاستبداد، ولا يمكن تصور أن يؤدي المزيد من الاستبداد إلى نتائج مختلفة عما وصلت إليه تلك الشعوب والدول.
فلا يمكن لشعب أن ينهض ويبدع ويتقدم تحت قيود الخوف من السلطة ولا يمكن أن تصبح لأمة كلمة مسموعة خارج حدودها إذا لم تكن كلمتها مسموعة داخل حدودها. وكيف تسمع الأمة نفسها إذا غابت حرية التعبير عن أبنائها؟
إن احتكار مؤسسات السلطة لوسائل الإعلام يعد من العلامات المؤكدة لانهيار هذه السلطة ولو بعد حين، لأن من لا يسمع شعبه لا يمكن أن يقوده للأمام. أقول هذا رغم أننا في عالم تتساقط فيه تباعا حواجز احتكار الإعلام بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة أن كل فرد لديه القدرة على امتلاك تليفون ذكي أصبح لديه – نظريا على الأقل – ما يوازي جهازً إعلاميًا متكاملًا قادر على إنتاج الفيديوهات والتسجيلات الصوتية وحتى بثها مباشرة للجمهور، إلى جانب القدرة على نشر هذا الإنتاج وسط عدد غير محدود من المتلقين. لكن، بالطبع، لا يستطيع كل الناس استغلال تلك الإمكانات بالشكل الأمثل، حيث تظل المهارة الفردية والقدرة على الإبداع حاجزا طبيعيا لا يمكن للجميع أن يعبره بسهولة.
كما أن احتكار السلطة أو بمعنى أصح، منعها للعمل الجماعي المنظم يعتبر قتلا عمديا لقدرة المجتمع على إدارة شئونه بنفسه، وبالتالي إهدار فرص تعافيه من أمراضه وإيجاده الحلول لمشاكله.
يظن البعض أنه يمكن لشريحة محدودة (طبقة اجتماعية أو فئة من فئات المجتمع) أن تتولى تلك المسئولية، مسئولية التفكير والتقرير والقيادة، نيابة عن باقي المجتمع، لكونه غير قادر أو غير ناضج بما يكفي لكى يتحمل جزء من تلك المسئولية، وبالتالي يمكن لتلك الشريحة أو الفئة أو الطبقة – بل ويجب عليها في نظر البعض منهم – أن تمنع، ولو بالقوة، باقي الفئات والشرائح من “التدخل” في ذلك الشأن.
ولكن الحقيقة التي تظهرها تجارب الشعوب والأمم في مشارق الأرض ومغاربها أنه كلما توسعت مشاركة الناس في تحمل مسئولية مصيرهم كلما اتسعت آفاق التغير والتطور لكل من السلطة والشعب.
فالسلطة التي تتوزع رأسيا وأفقيا على شرائح وفئات متنوعة من الشعب تضمن أن يدعمها الجميع ولو اختلفوا معها في بعض القرارات، كما أنها تضمن أن تخرج قراراتها وتوجهاتها معبرة حقيقة عن مصالح عموم الناس. والسلطة التي تحتكرها شريحة أو فئة بعينها تصبح خادمة لمصالح هذه الشريحة والفئة مما يدفع باقي الشرائح والفئات لمقاومتها والحقد عليها مما يضعف من قدرتها على القيادة والتقدم.
لذلك يجب على أي عاقل في أى مجتمع أن يقاوم احتكار أي فئة للسلطة والثروة حتى ولو كان ينتمي لها لأن ذلك الاحتكار يؤدي بالضرورة لضعف المجتمع في العموم ويؤدي لتفشي الأمراض فيه ويعرض تلك الفئة لغضب باقي الفئات وكراهيتها ويحملها مسئولية فشل المجتمع بعد ذلك.
كل عام وأنتم أكثر حرية مما قبله.



التعليقات