أولئك الأغبياء الإسرائيليون

يُحكى أن رجلًا يُدعى سعد بن مناةٍ، تزوج على نسائه امرأةً بارعة الجمال، اسمها رُهم بنت الخزرج، فاشتعلت قلوبُهن غيرةً وحقدًا، وحصل أن أنجبت غلامًا، فصرنّ يذممنها ويُشبعنها سبًا فاحشًا، منه أنها عفلاء.

والعفلاءُ في اللغةِ، هي التي يبرز من فرجها ورمٌ، بعد الولادة، ولمّا كان الوصف قاسيًا، اشتكت رُهمٌ لأمها فنصحتها أن تبادرهن بالسبةِ ذاتها، إذ يتعرضن لها، ولمَّا فعلت، ردّت ضرتُها: "رمتني بدائها وانسّلت"، فذهبت مثلًا لمن يفتري على الناس، فينسب عيوبه إليهم.

بعد المثل بقرون، فحص عالمُ النفسِ الألماني الأشهر "سيجموند فرويد"، هذا السلوك، فوضع مصطلح "الإسقاط"، الذي فسَّره بأنه حيلةٌ دفاعيةٌ سيكولوجية، تنشأ عن اعتلالٍ مرضي، وأبرز أعراضها إلصاق النقائص الذاتية، والرغبات المحرّمة بالآخرين، فإذا كان المريض لصًا، فالناس جميعهم لصوص، وإذا كان فاشلًا، فالمجتمع يُعرقِّله، وإذا كانت المرأة طمَّاعة مادية، فالرجال بخيلون لا يُقدّرون المسؤولية.. وهكذا.

وقد تتفاقم عِلة الإسقاط إلى مستويات خطيرة، حين تراود المصابَ أوهامُ الاضطهاد، وجنونُ الارتياب، فيتسم سلوكه عندئذٍ بعدوانيةٍ بالغةِ الخطورة، وقد ينجرفُ لا شعوريًا إلى اقترافِ جرائمٍ، ومن ذلك مثلًا، أن الأنثى التي تكبح رغباتٍ جنسية، قد تغدو عدوانيةً إزاء زوجها متوهمةً أنه يخونها، والموظف الخامل قد يعتدي على رئيسه، ظنًا أنه يكرهه.

في تمعن ملامح العدوان الإسرائيلي الإجرامي، على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر، حتى اللحظة الراهنة، ما يوحي أن الإسقاط كعلةٍ نفسية، لا يصيب الأفراد فقط، بل قد يصيبُ كذلك الأنظمة السياسيةَ، فإذا هي تُلصِق نقائصها بخصومها، على طريقة "رمتني بدائها".

عندما أبهرت المقاومة العالم، بعمليتها الفذة "طوفان الأقصى"، نشطت ماكينةُ الأكاذيبِ الإسرائيلية لشيطنة الفلسطينيين، فإذا بأكذوبةِ ذبحِ الأطفال، تتدحرَّجُ من عاصمةٍ إلى عاصمة، حتى التقطها الرئيس الأمريكي جو بايدن، في البيت الأبيض، فأخذ "يُبغبِّغُ" بها، "أي يردّدُها كالببغاء"، بغير تثبُّتٍ، لكن الأكذوبة سرعان ما تهاوت، بل إن الإعلام العبري ذاته، نفاها في أكثر من موضع.

كان إطلاقُ الأكذوبة، من قبل إسرائيل، ومن خلفها بايدن، الذي يفخر بصهيونيته، سلوكًا في إطار آلية إنكار، لاذت بها إسرائيل على ما يبدو، استباقيًا لتبريرِ جرائم قتل الأطفال الغزيّين، الذين يُمطرهم طيرانها الحربي بالقنابل الغبية، فيطمر أشلاءهم الممزقة، تحت الركام المحطم، مقترفًا أخسَّ جرائم الحرب.

إن المستحيلَ بعينه، أن يتوَّهمَ ذو عقلٍ، إن جرائمَ قتلِ الأطفال، الذين بلغت نسبتُهم من إجمالي الشهداء أكثر من 35% ليست مع سبق الإصرار والترصد، ولعل أدق اختزال للبربرية الإسرائيلية، يتمثل في عبارة مراسل الجزيرة، وائل الدحدوح، بعد اغتيال 12 شهيدًا من ذويه: "بينتقموا منا في الأطفال.. معلش".

كانت الحكومة اليمينية إذن، ترمي الفلسطينيين بدائها، حتى تختلقُ مُسوَّغًا لما أضمرت ارتكابه، وهو الأمر الذي يستقُ مع أدبياتِ الحركةِ الصهيونية، حتى قُبيل نشوءِ دولة الاحتلال، إذ كانت تشحن نوازع الوحشية في نفوس عصابات الهاجاناه، حين يترددون في قتل الفلاحين الفلسطينيين العزل، بأن العربَ متوحشون "يريدون قتلنا".. بل إن مؤرخين صهاينة، يرددون هذه الهرطقة اللزجة حتى الآن.

أليست هذه دولة مريضة بجنون الارتياب وأوهام الاضطهاد؟

هدم الأكاذيب منذ النكبة

على أن مشاهد تحرير الرهائن الإسرائيليين، لم تنفِ أكذوبة ذبح الأطفال وكفى، بل قوّضت كذلك أيَّ ادعاءٍ إسرائيلي، بشأن همجيةِ العرب، ليس في اللحظةِ الآنية وحسب، بل منذ النكبة، فعيون العالم رأت "دفء المشاعر" بين الخاطفِ والمخطوف، في لحظات الوداع، بل رأت أيضًا أنه حتى الحيواناتِ الأليفةَ المأسورة مع أصحابها، لم تُصَب بأذى، ومسامعه أصغت لتصريحات المُحرَّراتِ، إذ أكدن أنهن عوملن بمنتهى الرحمة، ولم يمسسهن ضر، أو ينالهن سوء.

ومع قصف مستشفيات غزة، ومن ثم اقتحامها، كان لا بد من اختلاق أكاذيب "إسقاطية" جديدة، فمستشفى الشفاء فيه سراديب أو مخابئ ما، تحتجز بداخلها "حماس" الرهائن، لكن في مفارقة بائسة أظهرت الصور التي بثها جيش الاحتلال ذاته، أن هذه السراديب المزعومة، هي فتحات مصاعد.

ولمَّا لم يعثر العسكر المدججون بأحدث الأسلحة، على "أظفر رهينة"، نشأت كذبةُ مخازنِ السلاح، التي سوَّقها الاحتلال ببث صور جدول مناوبات الأطقم الطبية، الأمر الذي استثار سخرية المستوطنين قبل غيرهم، إلى درجة أن صحفيًا إسرائيليًا تساءل: هل أصيب جهاز الاستخبارات "موساد" بالغباء إلى هذه الدرجة؟

وكان السؤال أكثرَ منطقية بالطبع، بعد تقديمِ صور حفاضاتِ أطفال، باعتبارها دليلًا على أن المستشفى مسرحٌ لعمليات "حماس"، الأمرُ يطرح سؤالًا هزليًا عما إذا كانت هذه الحفاضات مُفخّخة أو من أسلحة الحرب الكيماوية؟

وكان الفيلم الذي عرضته المقاومة، لنفي الخرافة الإسرائيلية، ويُظهر جنود الاحتلال وهم يُدخلون أسلحةً إلى المجمع الطبي، تمهيدًا لتصويرها كدليلٍ لإدانة حماس، إلى جانب أنه انتصارٌ جديدٌ للمقاومة في "معركة الصورة".. كان فضيحةً ثانية، أثارت إلى جانب السخرية، احتقار العالم بأسره، إزاء هذه الدولة التي تزدهي بأن أجهزتها الأمنية، ترصد دبَّة النملة، فإذا بها واقعيًا لا تُحسن "تستيف رواية مقبولة".

أما "أم الأكاذيب الإسرائيلية"، فقد تمثلت في أن عناصر المقاومة اغتصبوا إسرائيليات، وكان لزامًا لتمريرها، أن تكون هناك صورة، ومن ثم نشرت رئيسة لجنة التحقيق الإسرائيلية "كوخاف ليفي"، صورة نساءٍ عاريات، فادعت أنهن ضحايا الاغتصاب، لكن صحفيًا استقصائيًا أمريكيًا، يُدعى "ماكس بلومنثال"، قوّض الرواية، إذ برهّن أن الصورةَ لمقاتلاتٍ من الكُردِ، ومنشورة قبل عام، وليس لها علاقةٌ بحماس، من قريبٍ أو بعيد.

ومن مفارقات القدر، أن يتزامن افتضاحُ هذه الكذبة، مع نشر صور تجريد جيش الاحتلال معتقلين فلسطينيين، من ملابسهم، وتصويرهم على هذا الحال، ما وضع الاحتلالَ في مرمى غضبِ الضمير الإنساني، فإذا بكبيرِ مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي، مارك ريغيف، يبرُّرُ الجريمة ردًا على سؤالٍ لشبكة "سكاي نيوز" البريطانية، بأن "الطقس حار في الشرق الأوسط".

تصريح كان ممكنًا الدفع بأنه لم يحدث، أو على أقصى التقديرات "محضُ مزحةٍ سخيفة"، لولا أن اللقاء مسجلٌ صوتًا وصورة، وفيه يظهر "المستشار" بشحمه ولحمه.. وتصريحه الغبي.

وعلى غرار "زيغيف"، أطلّ الرئيس الإسرائيلي "إسحاق هرتزوغ"، على شبكةِ "بي بي سي"، وبين يديه كتابُ هتلر الشهير "كفاحي"، باعتباره دليل إدانة دامغًا: "إنه الكتاب الذي أدى إلى الهولوكوست، عثرنا عليه في غرفةِ أطفالٍ شمالي غزة، هذا مصدرُ إلهام حركةِ حماس".

وهكذا.. فمثلما كان اتهامُ المقاومة زورًا بالتورط في جرائم اغتصاب، في حين يُعرّي جيش الاحتلال الأسرى الفلسطينيين، كان كلام الرئيس الإسرائيلي عن جرائم النازية، في الوقت الذي يقتل جيشه بالأسلحة المحرمة، آلاف الأبرياء في قطاع غزة المحاصر.

وهكذا أيضًا، كان كلام "المستشار والرئيس" على السواء، مثالًا فاحشًا فاضحًا على لجوء إسرائيل، إلى آليات الإسقاط، ودليلًا دامغًا على أننا إزاء كيان سياسي معتل نفسيًا.

هشاشة عسكرية وسياسية

لكن العجيب في الأمر حقًا، أن هذا الكيان، يفشل حتى في "الإسقاط"، أو بعبارة أخرى "يسقط في الإسقاط".

الواضح أن هناك حالة وهنٍ فادحة، أو ربما تآكل ذاتي، تعاني منها دولة الاحتلال، وقد بدت على المستويات العسكرية والاستخباراتية والسياسية، ولعل مشاهد تصفية الجنود الإسرائيليين مستوطنين أكثر من مرة، وهم تحت تأثير الخوف، ليست هامشية أو بغير سياق، بل إن للأمر ظاهرًا يتجسد في عملية إطلاق الرصاص ذاتها، وباطنًا يؤشر إلى الانفلات الانفعالي، في الجهاز العصبي الإسرائيلي المركزي، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.

لقد تعرت دولةُ الاحتلال تحت ضغطِ المقاومة، وحين خاضت حربًا حقيقية، فانكشفت السوءات والاعتلالات البنيوية والهيكلية في نسقها، فإذا هي مثيرة للسخرية، على المستويات العسكرية والاستخباراتية والسياسية والإعلامية، وإذا بها تواري ذلك بالأكاذيب، لكن أكاذيبها سرعان ما تتهاوى، فتتدحرج أكثر وأكثر في حضيض المسخرة.

إن الصورة الذهنية للإسرائيلي الأريب الخبيث متقد الذكاء، أو بمفردة اللهجة المحكية "الحويط" أي الذي يحتاط لأي ومن أي شيء، تهدّمت كليًا، إثر طوفان الأقصى، بدءًا من اللحظة الأولى لاندلاعه، وما تلاها من التعاطي الرسمي من قِبل الاحتلال مع متغيرات الأحداث.

لدى عرضِ مسلسل "رأفت الهجان"، كان أبرزُ النقد الموجه إلى مخرجه الراحل يحيى العلمي، أنه صوّر الإسرائيليين أغبياءَ حمقى، إذ ارتأى نقّادٌ حينئذ أن الأحرى تقديمهم كما هم، فلا قيمةَ لنصرٍ على ضعفاء، كما إن هذه الصورة تتنافى مع الشائعِ عن "بني إسرائيل" من الخبث والدهاء.

غير أن الظاهرَ بعد طوفان الأقصى، أن الرؤية التي قدّمها المسلسل استبصرت الواقع، واقتربت إليه، أو على الأقل يمكن القول باطمئنانٍ، إن الذين يديرون ملفي السياسة والأمن الإسرائيليين الآن، رهطُ أغبياءٍ مثيرين للسخرية، لدرجة أنهم عاجزون حتى عن ممارسة أمراضهم النفسية، بطريقة مقنعة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة