خارطة الضرورة.. ما الانفراجة التي تنتظرها مصر؟

"شعور بالقلق والترقب يصارعه روح مليئة بالإصرار على التمسك بالأمل وتقديم روشتة العلاج حتى آخر لحظة"، هكذا حال السياسي وليد العماري، المتحدث باسم حزب الدستور، بينما يتدبر الضرورات الملحة لمصر في المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق "بإحداث انفراجة حقوقية شعبية شاملة مع قرب بدء عام جديد وانطلاق الولاية الثالثة للرئيس عبد الفتاح السيسي"؛ وفق ما يقول لمنصة "فكر تاني".

وليد العماري
وليد العماري

هذا الشعور منتشر لدى النخبة المصرية بكل تنوعاتها، بحسب فاعلين بارزين ومراقبين للمشهد العام، رسموا في السطور المقبلة ما توافقوا على تسميته بـ"خارطة ضروريات 2024"؛ للخروج مما يرون أنه "ضبابية في المشهد السياسي والاقتصادي".

من المقرر خلال الفترة المقبلة، استكمال الحوار الوطني، الذي توقف أثناء إجراء انتخابات الرئاسة المصرية. وفي تصريحات رسمية، وصف الدكتور ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات والمنسق العام للحوار الوطني، المرحلة المقبلة بأنها "حاسمة من تاريخ بلادنا وأمتنا"، متمنيًا "مستقبل يحقق العزة والكرامة للوطن والخير والنماء لكل أبناءه".

ركنان أساسيان لبدء المرحلة المقبلة

يرى ياسر حسان، أمين صندوق حزب الوفد وعضو الهيئة العليا والمكتب التنفيذي بالحزب، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن هناك قرارين ضرورين هما الأهم في المرحلة المقبلة: "إطلاق الحريات والانفتاح السياسي"، و"التوجه إلى اقتصاد حر تخرج منه الدولة".

ياسر حسان
ياسر حسان

ويوضح "حسان" أن هذين الأمرين بمثابة ركنين أساسين لإعطاء أمل لكل المصريين في أن هناك فرصة للتغيير والتقدم بدلًا من الاستمرار في "السير نحو المجهول والهاوية والانحدار"، بحسب وصفه. وهو يؤكد أنه بدون انفتاح سياسي حقيقي يتضمن حريات لتحرك الأحزاب والإعلام وممارسة الديمقراطية، فلا أمل في غدٍ أفضل.

اقرأ أيضًا: “زي الحكومة”.. المصريون يواجهون الفلس بالسلف

ويشدد أمين صندوق "الوفد" على أنه لابد من تصحيح السياسات الفترة المقبلة فيما يخص الانتخابات. ويقول: "نحن كنا أمام مشهد انتخابي لا انتخابات رئاسية، ولقد قلت ذلك في داخل الحزب محذرًا من القبول بهذا السياق، الذي لن يسمح بفوز الزعيم سعد زغلول نفسه إذا أجريت الانتخابات بحضوره رغم شعبيته الكبيرة، ولذلك انتخابات مجلس النواب يجب أن تكون حقيقية وطبيعية وإلا فمصر تنتظر المجهول".

كتلة قرارات الضرورة

"نحتاج إلى كتلة قرارات ضرورية متوازية وسريعة حتى تحدث انفراجة تفيد جميع المصريين"؛ يقول وليد العماري المتحدث باسم حزب الدستور في تصريحاته لـ"فكر تاني" عن الفترة المقبلة.

ويحدد العماري أبرز هذه القرارات في:

  • مواجهة الغلاء والتضخم، وتحديد موعد لاستقرار الأسعار في ظل صعوبة المعيشة، مع توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة من أكل وشرب ودواء، خاصة في ظل عدم حسم الموقف من التعويم.
  • رفع مستوى الخدمة الصحية، خاصة في استمرار توابع "كورونا"، وارتفاع أسعار الأدوية.
  • تغيير السياسة الاقتصادية الحالية التي أدت إلى كل الصعوبات الكارثية الراهنة، والاهتمام بالاستثمار بشكل أكبر من المشروعات التي لا تشكل قيمة مضافة إلا بعد عشرات السنين، في ظل الأزمة الاقتصادية، إلى جانب الاهتمام بزيادة عدد المصانع والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتسهيل أعمال الشركات العاملة في مجال التصدير بما يساهم في خفض الاقتراض الخارجي وزيادة العملة الأجنبية.
  • إصلاح المسار الانتخابي والبرلماني، وذلك عبر إقرار نظام القائمة النسبية المفتوحة، ووقف نظام القائمة المغلقة التي تعرقل انتخاب نواب يعبرون عن الشعب بشكل جاد وحقيقي، يستطيع الشعب معه أن يحاسب معه الوزراء والمسؤولين على تصرفاتهم وسياساتهم.
  • مزيد من الحرية للصحافة والإعلام والتعبير عن الرأي، وفتح المجال أكثر أمام المعارضة، ووقف التنكيل بالمعارضين، والإفراج عن سجناء الرأي، والاتجاه الرسمي إلى أن الرأي يتم الرد عليه بالرأي، وليس بالسجن والمحاكمات، أو حجب المواقع والمنع من الظهور في البرامج.
  • الشفافية في ملف القضية الفلسطينية وما يحدث في غزة، وإعلان الحقائق ومدى الضغوط الحالية، بما يمكن المعارضة والشعب من الوقوف مع الدولة ودعم القضية الفلسطينية في مواجهة ما يحدث من جرائم إبادة وما يدبر لتنفيذ سيناريو التهجير واعادة التوطين والوطن البديل.

يؤمن "العماري" أن تنفيذ هذه الكتلة من المطالب الضرورية بشكل متوازي، سيدفع نحو انفراجة تفيد الجميع، وإقرار توازن بين مطالب الناس والضروريات، التي يجب أن تحافظ عليها السلطة.

ضرورة الموقف من التعويم وصندوق النقد

يشغل البعد الاقتصادي حيزًا كبيرًا من تفكير المصريين والساسة في الموالاة والمعارضة على حد سواء، بحسب المراقبين، في ظل توقعات صندوق النقد الدولي، باستمرار معدل التضخم في العام المقبل، وتشديده على ضرورة السماح بسعر صرف مرن.

الدكتور عبد النبي عبد المطلب
الدكتور عبد النبي عبد المطلب

في حديث خاص لـ"فكر تاني"، يقول الدكتور عبد النبي عبد المطلب، خبير الاقتصاد الدولي ووكيل وزارة التجارة والصناعة للبحوث الاقتصادية الأسبق: "أهم قرار ضروري من أجل رسم خارطة اقتصاد العام الجديد والمرحلة المقبلة هو تحديد السلطات الموقف من صندوق النقد الدولي والإعلان الرسمي عن الموقف من التعويم".

اقرأ أيضًا: “بنحوش خضار بدل الفلوس”.. أزمة الأسعار تُغيب “طبق السلطة” عن موائد المصريين

ويوضح "د.عبد المطلب" أن الحكومة مطالبة بتحديد موقفها من الاستمرار مع سياسات الصندوق القاسية، لأنها ستكون الضوء الكاشف لما سيحدث في الفترة المقبلة، خاصة أنها قد تتسبب في مشاكل، في ظل عجز الحكومة عن جذب الاستثمارات بشكل مناسب أو تنفيذ ما تراه في بيع الأصول أو طرح الأسهم، تزامنًا مع ضبابية سعر الصرف ووجود ما يصل إلى 6 أسعار لصرف العملة، وفق رصده.

ويضيف خبير الاقتصاد الدولي أن الحكومة المصرية في عام 2003 لجأت إلى ما يسمى سعر الصرف المدار، بدلًا من سعر الصرف المرن أو الحر، بحيث جعلت هناك سقف للارتفاع تحت رهن تدخل البنك المركزي المصري. وهو ما ينبغي أن تفكر فيه الحكومة حاليًا بحيث يكون هناك سقف ما بين 1-3 جنيهات بشكل يومي وعندما يتخطى الأمر السقف يتدخل البنك المركزي، ذلك بالتزامن مع حسم قرارها بشكل مدروس ودقيق واستراتيجي من استمرار التعامل مع الصندوق الدولي لتصبح الرؤية واضحة لدى المستثمر الأجنبي والمحلي على السواء.

ضمور في عضلة قلب الحرية

تشكل مطالب إطلاق الحريات الإعلامية والصحفية، وحرية التعبير عن الرأي، والإفراج عن الصحفيين/ات المحبوسين/ات آمالًا معتبرة في المشهد العام خلال الفترة المقبلة، بحسب الكاتبة الصحفية حنان فكري، العضو الأسبق بمجلس نقابة الصحفيين وعضو المكتب السياسي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي.

تقول في حديثها لمنصة "فكر تاني": "هناك ضمور فى عضلة قلب الحرية بمصر ويجب إنقاذه بالتركيز على إقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بشكل عاجل، على التوازي مع إطلاق الحريات وفي القلب منها الحريات الاعلامية، من أجل الحفاظ على تماسك الدولة".

حنان فكري
حنان فكري

وتضيف العضو الأسبق بمجلس نقابة الصحفيين أنه على المعنيين بالشأن الإعلامي أن يعلموا أن الإعلاميين والصحفيين لا يبحثون عن مناخ يكون آلة معارضة بقدر ما يسعون إلى مناخ متوازن، يعكس قيمة مصر؛ لأن الصوت الواحد لا يعكس قيمتها الحقيقية، مؤكدةً ضرورة إطلاق سراح الصحفيين/ات وسجناء الرأي، ووقف القبض العشوائي وحجب المواقع، وإفساح المجال للأصوات المتعددة بشكل مهني ومحترم، بعيدًا عما وصفته بـ"الأحادية الاستبعادية"، وتنفيذ إدارات الصحف تطبيق الحد الأدنى للأجور 3500 جنيه على جميع الصحفيين، بداية من أول العام الجديد، ودعم الصحافة الورقية.

اقرأ أيضًا: منذ 2011.. كيف أضاعت مصر فرص تحولها السياسي والاقتصادي؟

وتوضح عضو المكتب السياسي لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي أن الصحفيين تدهورت أحوالهم الاقتصادية في الفترة الماضية بالتزامن مع ضياع الطبقة المتوسطة في مصر، وزيادة أعداد الفئات المهمشة والفقيرة التي لم تصلح معها برامج الحماية الاجتماعية رغم الزيادات في قيمة الدعم التي تقدمها الدولة بين حين وآخر.

وتحذر حنان فكري من توابع فوضى الأسواق والغلاء على الجميع، مع استمرار ارتباط الدولة باتفاقيات مع منظمات دولية لا تراعي المهمشين والفئات المعدمة، بما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية وظهور أجيال ناقمة مهددة في الانتماء والأمان، في ظل عدم قدرة أولياء الأمور على أعباء البيوت وظهورهم بمظهر ضعيف أمام أولادهم وذويهم، بما يرشح الأوضاع إلى سيناريوهات مخيفة على حد وصفها.

 ضرورة إنصاف المرأة والأسرة

"حماية حقوق المرأة بحاجة إلى تضافر كل الجهود لترسيخها بشكل عاجل في الفترة المقبلة"؛ كما تقول منى عبد الراضي، ‎أمينة المرأة وعضو الهيئة العليا بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي،‎ في حديثها لمنصة "فكر تاني"، مشددةً على أهمية أن تتصدر المرأة والأسرة المصرية قائمة خارطة الضروريات في المرحلة المقبلة.

وهي تؤكد على ضرورة أن يصدر مجلس النواب قانون الأحوال الشخصية الجديد، بما يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق النساء والأطفال بشكل خاص كما أقرها الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي وقَّعت عليها مصر، مع الأخذ بالمبادئ القائمة على العدل والمساواة والإنصاف، والآراء الفقهية المستنيرة لتحقيق قانون أحوال شخصية أكثر عدالة.

منى عبد الراضي
منى عبد الراضي

وتضيف أمينة المرأة بالحزب المصري الديمقراطي أن هناك ضرورة ملحة لأن يكون القانون عادلًا لكل أفراد الأسرة المصرية، ويركز على تحديد إنجاز مواقف واضحة في عدد من القضايا المهمة للأسرة، منها: "سن الزواج، والنفقة والحضانة، والرؤية، والمسكن للمطلقة، والطلاق الشفهي، والوصايا التعليمية، والوصايا على النفس".

وتشير إلى وجود حزمة تشريعية ذات صفة مستعجلة للمرأة المصرية، منها: "الإسراع في إنشاء مفوضية عدم التمييز التي نص عليها الدستور في 2014 وفقًا للمادة (53)، وإصدار قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة يتضمن تعريف كل أشكال العنف ضد المرأة في الأسرة، وفي أماكن العمل وفي أماكن الدراسة وفي الشارع، وختان الإناث، وكذلك إصدار قانون حماية الشهود والمبلغين في حالات التحرش والعنف وغيرها، وإصدار قانون تأمينات اجتماعية للمرأة، التي ليس لديها دخل ولا تعمل، في حالة الطلاق أو تخلي الزوج عنها.

وتطالب أمينة المرأة بالحزب المصري الديمقراطي بالبقاء على نسبة تمثيل المرأة في المجالس النيابية، والنقابات والهيئات والمراكز والأندية، بنسبة الكوتة "25%" من المقاعد، والعمل على تهيئة الظروف للعمل على زيادة نسبة التمثيل. وأيضًا الإفراج عن سجينات الرأي، والتصديق على الاتفاقية (189) التي صدرت من منظمة العمل الدولية عام 2018 والخاصة بحماية العاملات في المنازل وكذلك التصديق على الاتفاقية (190) الصادرة من منظمة العمل الدولية عام 2019 الخاصة بمناهضة العنف في أماكن العمل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة