الدورة.. حكاية أكبر من "بقعة دم"

"أول ما جتْ الدورة الشهريّة لبنتي الكبيرة كانت مخضوضة شوية من منظر الدم، لكن الأمور معاها مشيت تمام..  مفيش مغص، ولا وجع. على عكس أختها الصغيرة كانت خايفة قوي، لدرجة إنها نزلت لها بكميات غزيرة جدا  وكنا عند قرايبنا، الدم غرق هدومها والكرسي بتاعها".

تروي "نهى محمد" كيف اختبرت ابنتاها شعور الدورة الشهرية لأول مرة، وكيف كان هناك تفاوتًا واضحًا في تعامل كل واحدة منهما مع التغيرات الطبيعية التي طرأت على جسدها. "البنت الكبيرة أول ما شافت الدم جريت عليا وقالت، رغم إنها ما كانتش بتتوجع أوي، وده على عكس أختها الصغيرة اللي رغم غزارة دورتها الشهرية كان عندها قوة تحمل خليتها تكتم الألم وتخبي الخبر من الكسوف لحد ما بلت هدومها.. كنا في زيارة عائلية بره البيت، واللي عملته ده كان إشارة عشان ابدأ اتكلم معاها واحكيلها يعني ايه دورة شهرية وإنها شيء طبيعي مش لازم تتكسف منه".

تحتاج الابنة الصغيرة فوطًا صحية بمعدلات أكبر من شقيقتها، ذلك لأن دورتها الشهرية غزيرة وغير منتظمة، كما تقول والدتها "نهى" التي يهمها أن تشتري نوعًا رخيصًا من الفوط الصحية وفي الوقت نفسه جيد إلى حد ما. "بشتري للبنتين نوع ياباني بريحة المسك، سعرها معقول، العبوتين في عرض واحد بـ 65 جنيه، أرخص من المنتجات التانية. البنت الصغيرة بتحتاج العبوتين لوحدها، والكبيرة ممكن عبوة". 

الدورة والفوط الصحية والأسعار 

تعاني الكثير من الفتيات والنساء في المجتمع العربي والمصري من نقص الفوط الصحية وغلاء أسعارها، الذي زادت وتيرته كما كثير من المنتجات الأخرى، تأثرًا بالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد والمدفوعة بنقص الدولار وارتفاع التضخم.

فيتجاوز سعر بعض العبوات الـ 100 جنيه، فيما يبلغ سعر أقل فئة 45 جنيهًا ولكن بجودة متدنية، بزيادة تصل إلى ضعف ما كانت عليه قبل أشهر.

وقد بدأت هذه الأزمة منذ سنوات، وتحديدًا أواخر عام 2016، حينها، أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بزيادة التعريفة الجمركية على 364 سلعة مستوردة، وصفتها بـ”السلع الاستفزازية”، بنسب تتراوح بين 10 و60%. وكان من بين تلك السلع التي شملتها التعريفة الجمركية مستحضرات العناية بالجسم ومزيلات العرق، دون الإشارة بوضوح إلى الفوط الصحية النسائية. وعليه أصبحت الفوط الصحية “سلعة استفزازية” يرتفع سعرها في الشهر الواحد أكثر من مرة.

"يعني ايه دورة؟".. من حقها تعرف

لم تخجل "سارة مصطفى"، وهي أم لفتاتين، من التّحدث معهما عن ماهيّة الدورة الشهريّة والتغيرات الفيسيولوجيّة المُرتبطة بها قبل قدومها. تقول لـ "فكر تاني": "اتربيت على ده.. أمي كانت بتقول إن ده أمر طبيعي بيحصل لكل البنات وإن المهم إن البنت تعرف ايه اللي بيحصل وتعرف ازاي تتعامل معاه".

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

بدأت "سارة" بالحديث مع ابنتيها عن الدورة الشهريّة في سن صغيرة، وهو ما ساعدها في اختبارها آلام الطمث وصدمته. "جت لها في ثانية إعدادي.. الحمد لله لا خافت ولا اتصدمت، جِريت عليا وقالت لي، هي دي الدورة اللي كلمتني عنها، قلت لها أيوة وطمنتها، وعرفتها ازاي تحافظ على نظافتها الشخصيّة عشان ما تتعرضت لإصابات أو التهابات تناسلية، وكمان استشرنا دكتور لما حسينا إن الدورة كانت بتجيلها بغزارة في البدايات".

كيف تؤثر الدورة الشهرية على المراهقات؟

وفق مسحٍ أجرته الجمعيّة الدُوليّة لأمراض المسالك البوليّة والتناسليّة، حول المشكلات النفسيّة والجسمانيّة التي تتعرض لها الفتيات المراهقات قبل وأثناء الدورة الشهريّة؛ تبيّن أن حوالي 85% من المراهقات يتعرضنَ لمشكلات البشرة كبثور الوجه، وتساقط الشعر، وحوالي 12% يعانين من اضطرابات النوم، و68% يعانين من آلام جسديّةٍ مُزمنةٍ، و45% يعانين من نوبات صداعٍ نصفيٍّ حاد، و55% يعانين من غزارة في الطمث.

وتُؤثّر تلك الآلام أيضًا على حياتهنّ اليوميّة، فتوقف أنشطتهن اليومية من تحصيل دراسي أو ممارسة رياضية أو دينية، الأمر الذي قد يؤثر على صحتهن النفسية قبل وأثناء أيام الدورة.

اقرأ أيضًا: انقطاع الطمث.. عن “باب اليأس” المرفوض وآلامه النفسية والجسدية

مش مجرد "بقعة دم".. الدعم ضرورة وحق

"بنتي الكبيرة عدت بتجربة مؤلمة من قبل ما تجيلها الدورة. في سنة 13 بدأت تحس بتغيرات كبيرة في حالتها النفسية. تعيط فجأة، وتقولي مش عارفة مالي يا ماما".

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

مرت هذه الفترة صعبة على "نوران" وابنتها. تقول لـ"فكر تاني": "كان لازم أروح بيها لدكتور قال لي إن اللي بتحس بيه ده يجوز جدًا يكون أعراض بلوغ، بعدها فهمت إني لازم أكون جنبها أكتر من أي وقت.. فهمتها هي ليه بتحس بده وايه لازم تعمله ولو جت لها البريود في المدرسة تتصرف ازاي.. كان لازم أعالج خوفها واطمنها".

استمرت أعراض الاكتئاب المصاحبة للدورة الشهريّة لهذه الفتاة قرابة عام كامل، كما تقول والدتها. "الجيل ده لازم نصاحبه، ونتكلم معاه بجد وباستيعاب لاختلاف تفكير المنتمين ليه، مش نخجل نعرف بناتنا يعني ايه دورة شهرية. عندي واحدة صاحبتي حكت لبنتها القصة كاملة، وتكوين البويضة من البداية، وفهمتها إن دي بداية التهيئة للإنجاب وكده"؛ تقول "نوران".

متلازمة الدورة الشهرية

يشير موقع Medical News Today، إلى ما يُسمّى بـ"مُتلازمة ما قبل الدورة الشهريّة" باعتباره أحد الأسباب الرئيسيّة لحدوث الاكتئاب والاضطراب النفسيّ المُرتبطَيْن بالدورة الشهريّة عند الفتيات. ويفسر أنه عند التبويض، ترتفع مستويات الهرمونات الجنسيّة الأُنثويّة كهرمونيْ الإستروجين والبروجيسترون؛ وهذا الارتفاع المُفاجيء يُسبب تغيّراتٍ كيميائيّة في الدماغ، فيما يعرف بنقص أو اختلال النواقل العصبيّة، وهي المسؤولة عن تحسين المزاج والحالة النفسية.

وتتمثل هذه الأعراض في:

  • التعب
  • القلق
  • اضطرابات النوم والشهية
  • تغيير المزاج.
جمال فرويز
جمال فرويز

وهو ما يؤكده الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي. يقول لـ"فكر تاني": "أحد أنواع الاكتئاب الثمانية يُسمّى اكتئاب ما قبل الدورة الشهريّة- وهو مُعترَفٌ به عالميًّا؛ فلا تستطيع البنت تحديد سبب هذا الاكتئاب بينما تشعر بأعراضٍ غريبة غير مألوفةٍ لها قبل نزول الدورة الشهريّة بيومين أو ثلاثة أيام؛ من عصبية وتقلّباتٍ مزاجيّة حادة، واضطراب نوم، قلق، وغيرها من الكثير من الأعراض وبمجرد انتهاء الدورة الشهريّة وانتظام الهرمونات؛ تختفي هذه الأعراض كليًّا".

الدورة مش عيب.. دي طبيعة

لم تستطعْ "سالي"، وهي أم لفتاتيْن، أن تتحدّث بأريحيّة واستفاضةٍ معهما عن الدورة الشهريّة. تقول لـ"فكّر تاني": "لما جتلي الدورة وأنا بنت، ماما خجلت تتكلم معايا، ومقالتليش أي معلومة نهائي، واكتفت أنها ادتني فوط صحية وعملتلي حاجة سخنة، كل اللي قالته إن الوقت ده مش هصلي فيه وإني كبرت وبتحاسب على أعمالي".

هنا، يشير جمال فرويز، استشاري الطب النفسيّ، إن المجتمع الشرقي لطالما تعامل مع كل ما يخص المرأة باعتباره محظورًا وعيب لا يصح الحديث فيه، وهو أمر ارتد على الوعي الجمعي للأمهات فبدأن يتعاملن مع الدورة الشهرية لبناتهن باعتبارها وصمة ونقص، بينما هي أمر طبيعي لا مفر من حدوثه، وعدم التوعية بتفاصيله والتثقيف في شأنه أمر خطير وآثاره كبيرة.

لكن "فرويز" يشير أيضًا إلى تغير هذه الثقافة في وقتنا الحاضر بفعل التوعية والتقدم التكنولوجي والمعرفي الذي وصل إليه المجتمع وغير مفهومي الخجل والعيب عند الكثير من أفراد المجتمع وإن بقيت بعض الأمهات على حالهن من الخجل في التعاطي مع مثل هذه الأمور بفعل ما تربين عليه. 

شيرين درديري
شيرين درديري

وترى د. شيرين درديري، استشاريّة نفسيّة ومعالجة سلوكيّة، أنّ تثقيف الفتاة وإطلاعها على ما ستمر به في مرحلة البلوغ بصفةٍ عامة والدورة الشهريّة بصفة خاصةٍ من قِبَل الأم أمرٌ ضروريٌّ جدًا.

وتقول في حديثها لـ"فكر تاني": "من واقع عملي كاستشاريٍّة نفسيّةٍ، هناك العديد من الفتيات اللاتي حدثت لهنّ صدمةٌ نفسية من مشاهدة منظر الدماء للمرة الأولى؛ لعدم إخبارهنّ بها قبل حدوثها.. يجب الابتعاد عن تكريس المفاهيم المغلوطة المُتوارثَة بشأن المرأة وقضاياها".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة