بعيدًا عن الاقتراض التقليدي.. "المالية" تُقلب في دفاتر التمويل

تعتزم وزارة المالية البحث عن موارد تمويلية جديدة بعيدة عن الاقتراض التقليدي سواء محلي أو خارجي؛ لمواجهة التزايد المستمر في عبء فوائد الديون الذي كبد الموازنة العامة للدولة حاليًا نحو 60% من مصروفاتها.

تبحث الوزارة حاليًا مع سفير نيودلهي بالقاهرة إمكانية إصدار سندات بالروبية الهندية، وكذلك الأمر مع الدول الخليجية لإصدار سندات بعملاتها ما يجنبها عبئ توفير الدولار في ظل الالتزامات الدولارية الضخمة التي تعاني منها.

وزير المالية محمد معيط
وزير المالية محمد معيط

وألمح الدكتور محمد معيط، وزير المالية، في تبرير التوجه لطرح سندات بالروبية وعملات الخليج، إلى تقليص استخدام الدولار في المعاملات التجارية ما يقلل الضغط على أسعاره بالسوق المحلية.

وضرب المثل، في المؤتمر الاقتصادي السنوي الخامس لصحيفة "حابي" تحت عنوان: "استثمار الطاقات الكامنة" الأربعاء، بالباندا الصينية، قائلًا: "أعلى حجم استيراد حاليا لمصر يأتي من الصين.. لماذا لا يتم اللجوء للسوق الصينية والاقتراض بعملتهم لتغطية العمليات الاستيرادية؟".

تبلغ الاحتياجات التمويلية للعام المالي الحالي نحو 2.1 تريليون جنيه مقابل 1.6 تريليون جنيه في العام المالي السابق، بينما يبلغ العجز الكلي المتوقع في الموازنة العامة للدولة للعام الحالي 824.4 مليار جنيه، مقابل 723.1 مليار جنيه في الفترة المقارنة ذاتها.

واعترف وزير المالية بالضغط الكبير الذي تعاني منه وزارته فيما يتعلق بتكلفة تمويل عجز الموازنة العامة لدولة، قائلاً: "التمويل يشكل ضغوط كبيرة خلال الفترة الحالية، خاصة وأن أذون الخزانة أصبحت تمثل ضغطًا بشكل كبير.. وهي عبء تكلفة سريع لسداده في نفس العام المالي".

تضع أّذون الخزانة الوزارة تحت ضغط كبير، فالمستثمر الذي يقرض الوزارة مليار جنيه يحصل على عائد يتجاوز  255 مليون جنيه بعد 90 يومًا فقط، وحال أقرضها المبلغ لمدة 273 يومًا، يرتفع العائد الذي يحصل عليه إلى 272 مليون جنيه.

التمويل البديل.. كيف يختلف عن الاقتراض العادي؟

توجهت وزارة المالية أخيرًا نحو استخدام أدوات التمويل البديل واعتبرته حلًا مبتكرًا لمواجهة ارتفاع تكاليف التمويل في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية خاصة "التمويل الأخضر" الذي اكتسب زخما مع التحديات البيئية المتزايدة وجاذبًا لقطاع من المستثمرين لديهم رغبة في دعم المشاريع البيئية المستدامة.

وأصدرت مصر أول "سند أخضر" بقيمة 750 مليون دولار في سبتمبر 2020 بسعر فائدة 5.25% وهو أقل من سندات مصر التقليدية المرجعية، ما يقلل عبء التمويل.

الأمر ذاته تكرر مع "باندا" بسوق المال الصينية بقيمة 3.5 مليار يوان فالعائد عليه 3.5 سنويًا لأجل 3 سنوات، وكذلك الطرح لسندات "ساموراى" بقيمة 75 مليار ين ياباني؛ لتمويل استثمارات الصديقة للبيئة بمعدل عائد 1.5% سنويًا، بأجل 5 سنوات.

كما وصلت أيضًا إلى تأمين تمويل بحوالي 1.5 مليار دولار من البنوك متعددة الأطراف للتنمية والمؤسسات العالمية، مع التزام مصري بمستهدفات مكافحة تغير المناخ.

وقال وزير المالية إن الحصول على تمويلات بتكلفة معقولة لم يعد سهلًا، مرجعًا ذلك إلى التصنيف الائتماني لمصر والسياسة النقدية المتشددة (رفع البنك المركزي للفائدة لمواجهة التضخم يرفع فوائد الديون الحكومية).

خلال أكتوبر الماضي، خفضت وكالة "موديز" التصنيف الائتماني لمصر من B3 إلى Caa1، مع نظرة مستقبلية مستقرة، عن حجم الضغوطات التي يواجهها الاقتصاد المصري، وفي ظل أزمة العملة الأجنبية التي تهدد بتراجع قدرة البلد على تحمل الديون، وتكرر الأمر مع وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني التي خفضت التصنيف  من "B" إلى "B-" مع توقعات مستقرة.

اقرأ أيضًا: ماذا تُجني مصر من مبادلة الديون مع الصين؟

وفي نوفمبر الماضي، خفضت وكالة فيتش التصنيف الائتماني لمصر بالعملات الأجنبية على المدى الطويل من "بي" إلى "بي -" للأسباب ذاتها، لكنها عدلت نظرتها المستقبلية لمصر من "سلبية" إلى "مستقرة".

وتطرق الوزير إلى التحديات الخارجية التي تتضمن حروب وصراعات وتوترات الجيوسياسية، مضيفًا أن الحكومة لديها في الوقت ذاته مهام مستمرة بتوليد فرص عمل وخلق التنمية.

وتابع الوزير: "في هذه الأجواء المفعمة بالتحديات الداخلية والخارجية، تأثرًا بتوترات جيوسياسية، تمثل تهديدًا للأمن القومي بمفهومه الشامل والمتكامل.. تنشط مدارات البحث الذاتي عن سُبل وآليات تلبية أكبر قدر ممكن من الاحتياجات الأساسية للمواطنين محليًا؛ من أجل تقليص فاتورة الاستيراد".

التخارج من الأصول الحكومية.. وسيلة لسد الأعباء

يقول وزير المالية إن الحكومة تراهن على القطاع الخاص لتحقيق تلك الأهداف وتحرص بخطى متسارعة، على تحفيز الإنتاج؛ لتغطية الطلب المحلي، وتصدير الفائض للخارج، كاشفا عن حضور رئيس الوزراء اليوم مراسم التوقيع على عقود إحدى الصفقات المهمة بين الحكومة والقطاع الخاص ضمن برنامج الطروحات؛ تنفيذًا لوثيقة سياسة ملكية الدولة

بحسب الوزير، فإن رئيس مجلس الوزراء يكشف اليوم عن خطة طروحات حكومية خلال الفترة المقبلة تفتح آفاقًا رحبة لتعظيم مساهمات القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بجانب مشروعات المشاركة مع القطاع الخاص التي تمثل أحد المسارات المهمة الهادفة لتمكين القطاع الخاص.

العاصمة المصرية القاهرة
العاصمة المصرية القاهرة

الوزير كشف عن مفاوضات تجرى حاليًا بالتعاون مع البنك الدولي لوضع القواعد الإرشادية والآليات الخاصة بتحويل مشروعات المشاركة إلى الاقتصاد الأخضر بحيث تتوافق مع متطلبات التمويل الأخضر؛ اتساقًا مع جهود الدولة لخفض تكلفة التمويل.

بحسب إدارة إصدارات الديون الخارجية بوزارة المالية، فإن السندات الخضراء لديها قدرة على اجتذاب شرائح جديدة من المستثمرين الساعين إلى الحصول على استثمارات تتميز بالمسؤولية الاجتماعية"

والسندات الخضراء ـ وفقا للوحدة ـ فرصة مهمة لإظهار التزام الحكومة المصرية بإدماج الاستدامة في استراتيجيتها التمويلية وتحقيق أهدافها الخاصة بالمساهمة الوطنية لمكافحة تغير المناخ على النحو المحدد في اتفاقية باريس وأهداف التنمية المستدامة.

تمتاز السندات الخضراء بأنها موجه لمشروع بعينه ليتعلق بالمناخ والبيئة، وتستهدف رؤية مصر 2030 إلى زيادة نسبة المشروعات الخضراء في الموازنة الاستثمارية للحكومة من 14% في 2020 إلى 30% في 2022.

حوافز ضخمة للقطاع الخاص

وبحسب وزير المالية، فإن الفترة المقبلة ستشهد رهانًا كبيرًا على القطاع الخاص في الإنتاج والتصدير، بينما يعد  الوزير بتقديم حزم تحفيزية للإنتاج والتصنيع المحلي والتصدير، تشمل اتخاذ إجراءات إعفاء المشروعات الصناعية الاستراتيجية من بعض أنواع الضرائب لمدة خمس سنوات مع إمكانية استعادة نسبة من قيمة الأرض والتكاليف الاستثمارية تصل إلى 50% بشرط تنفيذ المشروع في نصف المدة المحددة، فضلاً على استحداث نظام "مقاصة" بين مستحقات المستثمرين، وما عليهم من أعباء ضريبية أو غيرها لصالح الجهات الحكومية، مع وضع حد زمني 45 يومًا يضمن سرعة رد ضريبة القيمة المضافة.

وقد أشارت الوزارة لإسقاط ضريبة القيمة المضافة غير المسددة على الآلات والمعدات الواردة من الخارج لاستخدامها في الإنتاج الصناعي فور بدء الإنتاج، وحوافز ضريبية وغير ضريبية للمشروعات الصغيرة تشمل أنظمة ضريبية مبسطة في شكل مبلغ مالي ضريبي مقطوع أو نسبة صغيرة جدًا من الإيراد حسب الأحوال دون الحاجة لإمساك دفاتر وسجلات وعدم الخضوع للفحص لمدة 5 سنوات على الأقل، بجانب صرف نحو 54 مليار جنيه للشركات المصدرة منذ بدء تنفيذ مبادرات سداد المستحقات المتأخرة للمصدرين خلال أكتوبر 2019.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة