تهافت أساطير دولة إسرائيل

 

في روايته "أديب" يُفكِّك طه حسين، ثنائية الغرب الحر المتقدّم، والشرق القمعي الرجعي، بأسلوب حكائي يمزج برهافة حريرية، بين الذاتي والعام، إذ يستعرض سيرة شاب مصري، سافر إلى العاصمة الفرنسية باريس لدراسة الآداب، وكان موهوبًا فذًّا، ومؤهلًا ليغدو أديبًا عظيمًا، بيد أنه ضيَّع البوصلة في "مدينة الجن والملائكة" فتدحرج إلى قيعان اللذة المادية، وشبق الغريزة، حتى أُصيب بالجنون.

كان العمل صدر في غمار كتابات متواترة، لاذت بالرواية على وجه الخصوص، شكلًا إبداعيًا، منذ بدايات حتى أربعينيات القرن الماضي، وكان الذي استنهض قرائح كتابها، ذاك الانبهار بمساحة الحريات، والروح العلمية في الغرب، والسخط من القمع، والتواكل والإيمان بالغيبيات في الشرق، ومنها: "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، و"عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، وبالطبع "أديب" لطه حسين.

لقد كانت تجربة حياة الأدباء المصريين في القارة العجوز، ومعظمهم من الطبقات المتوسطة اجتماعيًا، وينحدرون إلى بيئات ريفية متحفظة، أشبه ما تكون بصهر المعادن في النيران، حتى يعاد تشكيلها تشكيلًا جديدًا.

وفي حين تمحورت العقد الدرامية لمعظم الأعمال، على المتناقضات بين العالمين، وهي بالطبع كثيرة وعميقة، ركزت "أديب" تحديدًا على موضوع الآفاق الممتدة للحرية، وتأثيرات الاصطدام بها على قروي بسيط، لم يستطع التكيف ثقافيًا.

والحقيقة أنه ليس معروفًا ما إذا كان عميد الأدب العربي، قد أراد إدانة الحرية على الطريقة الغربية، عبر مقولات معلّبة على غرار، أن الغرب متفسخ أخلاقيًا، وحضارته المادية لا تحقق سعادة البشر، أم أن الإدانة ها هنا كانت للشرق الذي أفرز كيانًا إنسانيًا هشًا، غير مؤهل لمواجهة وتحمل مسؤوليات الحرية.

اقرأ أيضًا:مذنبون بلا جُرم.. أهالي السجناء يسددون الثمن للنهاية

آفاق الحريات في المجتمعات الغربية

أيما يكن من مآرب طه حسين، فالثابت أن بونًا واسعًا، ما زال بين الشرق والغرب في مجال الحريات، حتى إنه مما يُقال للتدليل على رسوخها في المجتمعات الغربية، إن بوسع أي إنسان، إذ ينتبذ كرسيًا على مقهى بشارع الشانزليزيه، أن يتحدث وهو يحتسي القهوة، فيما يريد متى يريد كما يريد، فلا أقفال تُغلّق أبواب الرأي، بدءً من المثلية الجنسية، وصولًا إلى التشكيك في وجود الله، ومهما يكن المنطق متطرفًا، وفيه شطط وجموح، فإن رافضًا مناهضًا لن يقمع قائله.

لكن في مفارقة بائسة للغاية، ورغم أن الحرية الغربية لا ينحسر عنفوانها، حتى أمام موضوع كالكفر بوجود الله، إلا أن لها "أنيابًا" على حد تعبير الرئيس الراحل السادات، وهذه الأنياب متحفزة دائمًا لتمزيق، كل من يدنو إلى انتقاد إسرائيل.

في فرنسا التي تنتفش طاووسيًا بمبادئ ثورتها الثلاثة، نجح اللوبي الصهيوني في استصدار قانون "غيسو" عام 1990 لتجريم إنكار محرقة النازية، وبمقتضاه، مثُلَ الفيلسوف والمؤرخ "روجيه جارودي" أمام المحكمة، بعد كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".

كان الشيخ الذي تجاوز الخامسة والثمانين قرر، أن المحرقة حقيقة دامغة، غير أنه شكَّك في رقم الستة ملايين ضحية، الذي تقول به الصهيونية العالمية، مُعتبرًا أنه ينطوي على مبالغة غير علمية: "هذه أسطورة روجتها الحركة الصهيونية، حتى يُدان الغرب، وتسكنه عقدة الذنب إزاء أكبر جريمة إبادة في التاريخ، وهذا يقتضي نسيان ضحايا الإبادة الآخرين، ومنهم 60 مليونًا من الهنود الحمر".

تلك "نتائج بحثية" قد تحتمل الصواب والخطأ، لكن في كل الأحوال لا تحتمل أبدًا "جرجرة" صاحبها إلى المحاكم، ومعاقبته بسنة سجنًا مع وقف التنفيذ، و300 ألف يورو غرامة، ومنع تداول الكتاب، بدعوى أنه يروّج لمعاداة السامية، ويتضمن أفكارًا ضد المبادئ الفرنسية.

قبل "جارودي" بسنوات، كان الصحفي البريطاني "دوجلاس ريد"، قد قرر في كتابه "بعيدًا وواسعًا" الصادر عام 1947 أي بعد الحرب العالمية الثانية بعامين، وقبل نكبة فلسطين بعام، أن رقم الستة ملايين أكذوبة ممنهجة، وهناك تمسك بعدم خدشها، بغية توظيفها سياسيًا.

كان "ريد" راجع إحصاءات عصبة الأمم التي قدَّرت عدد اليهود في العالم عام 1938 بنحو 11 مليونًا، ثم إحصاءات وريثتها منظمة الأمم المتحدة عام 1947 التي كشفت عن أن عددهم يبلغ 11 مليونًا كذلك، ما يؤكد استحالة إحراق ستة ملايين في أفران الغاز، إذ ليس معقولًا أن ينجب 11 مليونًا، فيهم المسنون والأطفال والمرضى 6 ملايين خلال 9 أعوام.

بهذه الحسبة، استقر يقينه على أن الضحايا، يشكلون الزيادة الطبيعية في المواليد، مع الأخذ بنسبة الوفيات الطبيعية، وكذلك الموت جراء الحرب، بعين الاعتبار.. وبعدما دقق الإحصاءات ارتأى أن الضحايا لا يزيدون عن 400 ألف، فإذا بالكتاب يختفي من الأسواق، وإذا بمؤلفه الذي كان مراسلًا ذائع الشهرة، في الحرب العالمية، يمضي ما تبقى من عمره، مدفونًا في ظلمات النسيان.

الأمثلة أكثر من كثيرة، ومنها طرد أستاذ الأدب "روبير فوريسون" من جامعة ليون الفرنسية لإنكاره الهولوكوست، وكذلك المؤرخ الأمريكي "هاري بارنز" صاحب كتاب "تاريخ الكتابة التاريخية"، الذي اتهمته دوائر اللوبي الصهيوني بالعمالة للنازية، و"مارك هيل" أستاذ الإعلام الذي فصلته شبكة "سي إن إن"، لتأييده إقامة دولة فلسطينية، بل إن سقف الحريات انخفض إلى حد حرمان الحائز على جائزة الأوسكار مارلون براندو، من الأدوار، لمجرد انتقاده سيطرة المال اليهودي، على صناعة السينما في هوليوود.

تضافر الأساطير السياسية والدينية

هكذا تأسست دولة الاحتلال، على حماية الأسطورة، أو بالأحرى على حماية أسطورتين: أسطورة تلمودية وأسطورة المظلومية، وكثيرًا ما تتبادلان الأدوار، بلعبة كراسٍ موسيقية، وفحواهما أن فلسطين كما تقول أدبيات الحركة الصهيونية: "أرض بغير أصحاب منحها الرب لآل إسرائيل المضطهدين".

أولئك المضطهدون بالطبع، هم أحفاد الستة ملايين الذين يشكلون ضحايا هولوكوست النازية، ومن ثم لا تسامح مع المساس بالرواية، نقدًا وتفنيدًا ومراجعةً، بل إن مفردة هولوكوست في الأصل ذات دلالة لاهوتية، وتعني القربان الذي تأكله النيران، علامةً على قبوله من الرب.

خداع الوعي الإنساني الجمعي، والتشويش على الحقيقة، لحماية سطوة الأسطورة، كان هدفًا لم يغب عن الحركة الصهيونية منذ تأسيس دولة الاحتلال، وهو هدف محوري حتى الآن.

ولعل هذا التزييف والتشويش، هو الذي يحدو شبكة "فيسبوك" مثلًا إلى التضييق على الرأي والخبر، إذا ما تعلق بجرائم الاحتلال، وذلك تلبيةً لما تسميه "معاييرها الأخلاقية" فتغلق حسابات وتقيّد أخرى، في حين تغض "المعايير الأخلاقية" ذاتها الطرف، تطفيفًا للميزان، عن صفحة المتحدث العسكري للاحتلال "أفيخاي إدرعي"، إذ تنضح تطرفًا وتحريضًا وقبحًا.

اقرأ أيضًا:مساواة؟.. على حسب

التنكيل بالرأي الآخر

وعلى خطى "فيسبوك" تسير كبريات الصحف الغربية، حتى إن صحفية نيويورك تايمز "جازين هيوز" لم تسلم من الأذى، بعد أن وقَّعت رسالة "مراسلون ضد حرب غزة"، فإذا بالمؤسسة الأمريكية العريقة تفصلها لأنها "خالفت المعايير المهنية".

كذلك انتفضت وزارة الخارجية الأمريكية، ضد موظفة من أصول مصرية تدعى "سيلفيا يعقوب" لأنها كتبت على موقع التدوينات "إكس": "إن إدارة الرئيس بايدن تقدم مساعدات لإسرائيل، لتقترف جرائم إبادة جماعية"، فنالت تقريعًا رسميًا من رؤسائها، بدعوى أنه ليس لائقًا، أن تطرح آراءها على الشبكة العنكبوتية، في حين أن مسؤولي الخارجية، مستعدون دائمًا لمناقشة جميع الآراء.

أما "بادي كوسغريف" الرئيس التنفيذي لقمة "الويب" فقد استقال أو أُجبر على الاستقالة، جزاءَ تصريحات قال فيها: "جرائم الحرب هي جرائم حرب حتى لو ارتكبها الحلفاء".

بعدها مباشرةً، سارعت شركتا "جوجل" و"ميتا" المالكة لـ"فيسبوك" إلى إعلانهما مقاطعة القمة، التي عقدت الشهر الماضي في العاصمة الإسبانية مدريد، ورغمه اعتذاره: "آسف لأني تسببت في أذى عميق"، إلا أن أغلب الظن أن مستقبله المهني قد ذهب أدراج الرياح.

معاقبة الذين يتجرؤون على نقد جرائم إسرائيل، في الماضي والحاضر، لا بد أن تتسم بالغلظة والفظاظة والقسوة، بحيث يصيروا عبرة لمن يفكر بعدهم في خدش "ديمومة الأسطورة.

نكبة فلسطين بدأت هكذا، شنت المنظمات الصهيونية الإرهابية، على غرار الهاجاناه والأرغون وشتيرن حربًا على الأرض، فلم تتوان عن ارتكاب أفظع جرائم التطهير العرقي، في حين شنت الصهيونية العالمية حربًا موازية لحماية الأسطورة، فاستهدفت الوعي وعمدت إلى التدليس والزيف والأباطيل، ولم تتوان بدورها عن التنكيل الخشن بكل من تجرأ على إعمال عقله.

وبعد 75 عامًا من النكبة، ها هي إسرائيل تخوض الحربين ذاتهما، كأن الزمن توقف بها عند مشهد البداية، مشهد المجرم الذي لا يستطيع اقتراف جرائمه إلا في جنح الظلام، فيسفك الدماء، ويطفئ الأنوار بالتوازي.

على أي حال، إذا كانت الصهيونية العالمية، قد انتصرت في الحربين الأوليين، فإن تكرار ذلك ليس ممكنًا اليوم، فأنوار الحقيقة تتسرب ولو عبر شبابيك التعبير الضيقة، والسيطرة على الفضاء الإلكتروني هي المستحيل بعينه، والتطبيقات الإخبارية تتناسل من بعضها البعض، كما لو كانت أرانب تخرج من قبعة ساحر.

لقد صار الضمير الإنساني يسمع ويرى ويتكلم، بل ويخرج في مظاهرات في عواصم ترعى الاحتلال منذ نشأته، رفضَا للباطل الإسرائيلي، ما يعني أن الأساطير تتهافت تراكميًا، وهذه خسارة ستكون أفدح لإسرائيل، من أية خسائر عسكرية أو سياسية، في تاريخها القصير جدًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة