“واحد زيي عنده 3 أطفال ومرتبه يا دوب 4 آلاف في الزمن الصعب اللي عايشيه ده يعمل ايه لما حد من عياله يتعب.. احنا بنتعامل بمبدأ اللي معهوش ميلزموش.. طب ده ينفع في حاجات تانية مش في الصحة”.
قبل أيام، حمل “شريف” طفلته ذات الخمسة عشر عامًا بعد أن اشتد عليها المرض ليلًا، وهرع بها إلى أحد مستشفيات الصدر الحكومية الكائنة جوار محل سكنه. قلقًا طلب “شريف” إسعاف ابنته من طبيب الطوارئ، الذي بدا هادئًا وكأنه للتو استيقظ من غفوة يعتادها في مثل هذه الأوقات من اليوم.
“بنتك كويسة.. نزلة بسيطة هتاخد العلاج ده وهتبقى أفضل”؛ أخبر الطبيب “شريف”، مؤكدًا أن حالة الطفلة لا تستدعي أكثر من ذلك.
الفقراء.. العلاج بالديون
عاد “شريف” بابنته أملًا في أن تتحسن حالتها حسب وصفة طبيب الطوارئ: “بعد ما اشتريت الأدوية ورجعت البيت تدهورت حالة بنتي مرة تانية.. الحرارة زادت وتنفسها بقى صعب، شيلتها تاني يوم ورجعت المستشفى بس رد الدكتور كان غريب: طالما بنتك مش مسنة ومعندهاش أمراض مزمنة مقدرش أحجزها خدها وروح.. اخدها واروح ازاي هو لازم نبقى بنموت عشان نتعالج”.
يعمل “شريف” صاحب الـ 40 عامًا، فرد أمن في إحدى الشركات الخاصة. وهو كغيره من أصحاب الدخول المنخفضة في مصر كانت المستشفيات الحكومية (أو الجامعية) ملجأهم الوحيد في علاج آلامهم وأمراضهم، رغم كل المساوئ والنقص الطبي، ورغم طوابير المرضى والبيروقراطية القاتلة في هذه المرافق في مقابل رسوم العلاج المنخفضة نسبيًا بالمقارنة بغيرها من المستشفيات الخاصة.
“بعد ما مرض بنتي زاد ما كانش قدامي غير إني أستلف كشف الدكتور الخاص اللي أكد لي إنها أصيبت بمتحور كورونا الجديد وده سبب لها التهاب رئوي حاد ولازم تتحجز في مستشفى كام يوم”.
عالج “شريف” ابنته على نفقته الخاصة بالاستدانة بعد أن فشلت محاولاته في علاجها بالمستشفى الحكومي.
الفقراء والإنفاق الحكومي على الصحة
الموازنة العامة للدولة 2024 التي أعلن عنها تستهدف زيادة مخصصات الموجهة للقطاع الصحي بنسبة 92,5 مليار جنيه عن العام الماضي، لتصل إلى 397، بمعدل نمو 30%، لكنها نسبة لا تزال ضئيلة بالنسبة إلى معدل التضخم الرسمي البالغ 35%.

فما هو أثر تضخم الدين العام على الإنفاق على الصحة؟
يقول الدكتور محمد حسن خليل المقرر المساعد للجنة الصحة بالحوار الوطني، في تصريحات صحفية في مايو الماضي، إن هناك فارقًا بين الإنفاق الصحي، وهو الإنفاق المباشر على عناصر الصحة الأربعة، (والوقاية والتشخيص والعلاج والتأهيل)، وبين الإنفاق على ما يسمى بالمحددات الاجتماعية للصحة، وتشتمل المياه النقية والصرف الصحي، وعناصر أخرى مثل جودة الغذاء، ومرافق الكهرباء، والطرق والنقل والمواصلات، والاتصالات وغيرها.
ويضيف أنه رغم الأثر البالغ لهذه العوامل على الصحة، إلا أن لا أحد فى العالم يضمها إلى الإنفاق الصحي. ويشير إلى أن ذكرها في موازنة الصحة غير دقيق، مضيفًا أن الإنفاق “الحقيقي” على الصحة لا يتجاوز 1.4% من الناتج القومي الإجمالي، وهي نسبة لم تتغير تقريبًا خلال الموازنات الخمس السابقة، على حد قوله.
وجاء في تقرير البنك الدولي في عام 2018 أن جودة الصحة العامة في مصر ضعيفة غالبًا، وأن الكثير من المصريين يفتقرون لتأمين صحي أو لا يستفيدون منه نتيجة مخاوف من جودة الرعاية في المنشآت الحكومية.
أجيب منين تمن العلاج.. شكاوى الفقراء في مستشفيات الدولة
تروي سيدة محمود تجربتها مع أحد المستشفيات الجامعية التي ظلت في استقبالها لمدة ساعتين قبل أن يأتي إليها طبيب الدكتور ليستمع لشكواها.
تقول السيدة الخمسينية: “الاستقبال كان زحمة جدًا ومليان بالمرضى وما فيش دكاترة كفاية. كشفت بعد ساعتين تقريبًا.. جات لي دكتورة طلبت مني شوية فحوصات ومشيت”.
تضيف المرأة الخمسينية والتي كانت تعمل في مجال بيع الملابس قبل أن تقرر الاعتماد على معاش زوجها: “عملت الفحوصات ورجعت للطوارئ واستنيت ساعتين تاني لحد ما الدكتورة جت ونصحتني بالحجز في العيادة الخارجية عشان أعرف أجيب العلاج المناسب وبسرعة”.
انتظرت السيدة “سيدة” لصباح اليوم التالي في الشارع أمام المستشفى للحجز في العيادة الخارجية، فهي من سكان منطقة بعيدة عن المستشفى.
تتابع: “كشفت في العيادة الخارجية، وكتب الدكتور روشتة العلاج لصرفها من بره.. العلاج كان بـ 600 جنيه ولحد دلوقتي بحس بنفس الألم وما أقدرش اكمل على نفس العلاج عشان سعره كبير وأنا ما معيش فلوس كفاية”.
لا مستشفيات للفقراء في مصر
في الفترة بين عامي 2005 و2018، أغلقت الحكومات المصرية المتعاقبة -عبر سلسلة قرارات- 476 مستشفى حكوميًا، فضلًا عن خروج 60 مستشفى “حميات” أو ما أطلق عليها اسم “مستشفيات الفقراء” من الخدمة، فبين عاميْ 2005 و2019، انخفض عدد المستشفيات الحكومية في مصر بنسبة 40.7%، بعدما تقلَّص عددها من 1167 إلى 691 مستشفى فقط. في المقابل زاد عدد مستشفيات القطاع الخاص من 652 إلى 1157 مستشفى، بنسبة 77.4%، وفق تحقيق نُشر في 2020 بمؤسسة “أريج“.
إلى جانب هذا، تعاني مصر من “هجرة الأطباء“. وبحسب بيانات وزارة الصحة المصرية يصل عدد خريجي كليات الطّب سنويا نحو 9 آلاف طبيب، لكن أكثر من 60% منهم يعملون خارج مصر.
طبيب: الضغط علينا كبير وعددنا قليل
ويقول عبد الرحمن السيد، طبيب امتياز يتواجد يوميًا في طوارئ أحد مستشفيات الجامعة، إن العجز في عدد الأطباء هو ما يسبب الازدحام داخل غرف الطوارئ والاستقبال في المستشفيات، وبالطبع يؤدي هذا إلى زيادة الضغط على الطبيب، ما يعني انتظار المريض لساعات حتى يتم الكشف عليه، وغالبًا لا يتم تقديم خدمة طبية جيدة له نظرًا للعجز الموجود بالأطقم الطبية مقابل الأعداد الكبيرة التي تستقبلها طوارئ المستشفيات العامة.
وتحتل مصر المرتبة 84 من بين 89 دولة في مؤشر الرعاية الصحية الذي تُوفره لمواطنيها، وفقاً لبيانات مجلة CEOWORLD للرعاية الصحية لعام 2019.
وينص الدستور المصري في المادة 18: “لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التى تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافى العادل. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3 % من الناتج القومى الإجمالى تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.. وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين فى القطاع الصحي”.
