خمس وسبعون عامًا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأي مدى أسهم هذا الإعلان وما تبعه من اتفاقيات ومواثيق على توفير مجتمعات آمنة ومستقبل أفضل للأفراد من مجتمع الميم عين؟
يحتفل العالم اليوم الموافق العاشر من ديسمبر باليوم العالمي لحقوق الإنسان حيث اعتمدت الجمعية العامة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس في عام 1948 بموجب القرار (217 أ) والذي يعد المعيار المشترك الذي تصبو إليه كافة الشعوب والأمم وهو ما يحدد حقوق الإنسان الأساسية التي يجب حمايتها عالميًا.
تنص المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن ” لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع، لا سيما التمييز بسبب الأصل، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيًا كان أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد أو أي وضع آخر.”
مساحة لحقوق “الآخرين”
هاتان الكلمتان الأخيرتان من المادة الثانية “وضع آخر” قد تم استخدامهما لضم وحماية أشخاص آخرين، لم يتم ذكرهم تفصيلا وقد كان لهما أثرا كبيرا في صياغة العديد من الاتفاقيات والمواثيق مثل الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وقد وضعت الأمم المتحدة مجموعة من الحقوق في عدد من المعاهدات تستند إلى المادة الثانية، لحماية المجموعات والأفراد التي تواجه الاضطهاد حتى تلك غير المذكورة بشكل صريح ومحدد في الاتفاقيات.
لقد تأسست الأمم المتحدة أساسًا لمكافحة التمييز في العالم وعندما تم صياغة الإعلان العالمي لم يكن هناك توافق على العديد من النقاط ولكنه أكد على عدم التمييز بين جميع البشر ودعم الأقليات ومنع التمييز بما فيها مجتمع الميم عين حيث أن الميول الجنسية والهوية الجندرية جزء لا يتجزأ من هوية الفرد ورؤيته لذاته وتعبيره عن نفسه، لذلك كان من الضروري وضع مجموعة من المعايير الدولية الخاصة لحقوق الإنسان تدعم الفئات المهمشة والمضطهدة قائمة على أساس منع العنف والتمييز واحترام الحقوق في حين ترفض العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل مصر والبحرين والعراق والأردن ولبنان وليبيا أي توصيات خاصة بإنهاء العنف والتمييز على أساس الميول الجنسية والهوية الجندرية ولا تعترف بالمصطلحات الواردة في هذه التوصيات وتتجاهل مسؤوليتها بحماية حقوق الأفراد من مجتمع الميم عين حيث يواجه بعض الأفراد انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من حيث عدم المساواة، عدم وجود رقابة، الانتهاكات الطبية خاصة صعوبة الحصول على هرمونات للعابرين أو إجراء جراحات التأكيد الجندري ( مصطلح يقصد به إجراء العمليات الجراحية التي تغير جسم الشخص ليتوافق مع هويته/ا الجندرية)، التمييز في التوظيف والإسكان والعنف الاقتصادي والافتقار إلى الأمن المالي المرتبط بسوق العمل التمييزي، العنف الأسري مع عدم وجود ضوابط قانونية للحماية الذي قد يسبب افتقار الأفراد إلى الثقة والشعور بأن اللوم سيقع عليهم بسبب عدم نمطية هوياتهم الجندرية والعنف المجتمعي الذي قد يصل أحيانا إلى التعذيب والقتل.
إن وجود قوانين وسياسات تحمي كرامة جميع الأفراد والأقليات لهو بداية عالم يتمتع فيه الجميع بكامل حقوقهم وأساس بناء مجتمعات صحية تنعم بالسلام خالية من مظاهر التمييز والنبذ إلا أن هذه الدول تستخدم ألفاظا مثل حماية الآداب العامة وحماية الاستقرار الاجتماعي بهدف السيطرة على الأفراد الكويريين والعابرين (مصطلح يشمل كافة الميول الجنسية والهويات الجندرية اللا معيارية) و تعزيز القيم الاجتماعية والمفاهيم الأبوية الرجعية القائمة على الوصم المجتمعي ورهاب المثلية .
أحد مظاهر العنف أيضًا ضد مجتمع الميم عين والتي انتشرت مؤخرًا هو الاستهداف الرقمي حيث يتم استهداف الأفراد سواء من خلال تطبيقات المواعدة أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي قد تعد وسيلة أكثر حرية للتعبير عن أنفسهم ويكون لهذا الاستهداف عواقب وخيمة ما بين التهديد والتحرش والابتزاز والقرصنة الإلكترونية وقد يتفاقم الوضع في بعض الدول للتعرض لأعمال قتل واختطاف وتعذيب وعنف جنسي.
الأمر لا يقتصر فقط على التهديد الإلكتروني، فإن أفراد مجتمع الميم عين يخضعون أنفسهم لرقابة ذاتية مراعاة للسياق المجتمعي لتحقيق أمنهم الشخصي ومحاولة عيش حياتهم اليومية دون التعرض للخطر ولكن هذا يكون بإخفاء ميولهم وهوياتهم الجندرية اللامعيارية (مصطلح يقصد به السلوك أو المظهر الذي لا يتطابق بشكل كامل مع التوقعات المجتمعية المبنية على الجنس البيولوجي المنسوب للفرد)
ماهي مبادئ يوغيكارتا؟؟
هي مجموعة مبادئ حول الميول الجنسية والهويات الجندرية المختلفة للأفراد تم تبنيها في اجتماع لخبراء حقوق الإنسان بمدينة “يوغيكارتا” الإندونيسية عام ٢٠٠٦ والتي تؤكد على المعايير القانونية التي ينبغي على الحكومات الالتزام بها وتنفيذها لإنهاء العنف والتمييز ضد أفراد مجتمع الميم عين وضمان المساواة التامة لهم وتنص مبادئ يوغيكارتا على أنه “لا يُعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المهينة، وما يتصل منها بالتوجه الجنسي أو هوية النوع” كما تحث هذه المبادئ على اتخاذ كافة إجراءات الحماية للأفراد ومنع التحريض ضدهم لضمان جميع حقوق الإنسان دون تمييز على أساس جندري بما فيها الحق في السكن، العمل، التعليم، والحق في توفير أعلى مستوى ممكن من الصحة وحل قضايا الهجرة للاجئين والمشاركة والدمج المجتمعي وتبشر بمستقبل مختلف يستطيع فيه جميع الناس الحياة أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق دون التعرض لانتهاكات أو مخاطر أو اعتداء أو اقتحام خصوصية وتؤكد الأمم المتحدة على أن الدول ملزمة بتوفير الحماية للأفراد الكويريين والعابرين ضد التمييز إلا أن الاستجابة الدولية عادة ما تكون مجزأة وغير متسقة مع حقيقة وجود هذه الفئة وهذا أحد أسباب صياغة مبادئ” اليوغيكارتا”
إن دعم حقوق الأفراد من مجتمع الميم عين وحفظ حقوقهم الأساسية في العيش بكرامة والاستقلالية الجسدية والترقي الاقتصادي والاجتماعي والتأمين الصحي وحرية التعبير وتكوين الجمعيات ليس رفاهية بل هو ركن أساسي في حقوق الإنسان وإبقاء هذه الفئة مهمشة بحجة المصلحة العامة يعد إخلالا واضحا بكل المعاهدات والمواثيق .
