العنف السيبراني ضد النساء والفتيات.. ليس نهاية الحياة

يعد العنف السيبراني ضد النساء والفتيات أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان شيوعًا وانتشارًا، وهو مشكلة ناشئة لها تأثير خطير على الأفراد والمجتمعات، تعاني الناجيات منه عواقب صحية ونفسية مدمرة إن لم يخضعن للدعم اللازم، ويلاحق منتهكي حقوقهن.

هناك العديد من الشكاوى التي تصلني من خلال نشاطي في إحدى المؤسسات النسوية حول العنف السيبراني. أغلبها إن لم يكن جميعها لفتيات وصلن إلى مرحلة قسوى من الانتهاك والشعور بالضعف وأن الحياة توقفت وشارفت على الانتهاء.

يمكن أن يكون لهذا الانتهاك تأثير طويل الأمد على الصحة العقلية لهؤلاء الفتيات، لكنه ليس نهاية الطريق. هذا ما أحاول وغيري من العاملين في هذا المجال إثباته. إذ تتضمن بعض الأساليب الشائعة للتعافي من العنف السيبراني الأنشطة التجريبية والمناقشات الجماعية (Group Therapy)؛ تقنيات تمهد التواصل المفتوح ونقل الخبرات المشتركة ومن ثم الدعم المتبادل بين الفتيات التي واجهن المشكلة ذاتها، بما يعزز النمو الشخصي والوعي الذاتي لديهن.

هذه التقنيات المختلفة في العلاج الجماعي تساعد الفتيات والنساء على تطوير مهارات التواصل الاجتماعي لما توفره من تلقي ردود فعل بناءة حول إدارة عواطفهن بشكل أفضل.

في مصر، يضم المجتمع الرقمي 37.9 مليون مستخدم، منهم 35 مليونًا لديهم حسابات نشطة على موقع التواصل "فيسبوك". بين هؤلاء يبلغ إجمالي عدد المستخدمين الذكور 22 مليونًا، بينما يبلغ عدد المستخدمين الإناث 12 مليونًا (المجموعة البحثية للإعلام والابتكار وتكنولوجيا الاتصال 2018) (MICT 2018).

وسط هذا الكم من ملايين المستخدمين لمنصات التواصل في مصر، كانت النساء من بين أكثر الأهداف عرضة للعنف السيبراني، وما يتبعه من وصم اجتماعية ومساس بالسمعة يؤثر على الحياة الشخصية للناجيات من هذه الممارسات، وبالتبعية يؤثر على قرارهن في الإبلاغ عن هذه الجرائم أو تقديم شكاوى رسمية وممارسة حقهن القضائي في ملاحقة مرتكبيها، الأمر الذي يضخم الضرر بخلق مناخ من الترهيب، يساعد في نمو جرائم العنف السيبراني.

هناك دراسة عن العنف السيبراني صدرت في العام 2019 لعينة قدرها 356 امرأة وفتاة، تشير إلى تعرض حوالي 41.6% من الفتيات للعنف السيبراني، فضلًا عن 45.3% تعرضن لهذه الممارسات عدة مرات.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي الطريقة الأكثر شيوعًا في هذه الجرائم، وكان الجناة غير معروفين بالنسبة لـ 29.6% من الضحايا. وشملت النماذج الأكثر شيوعًا تلقي 41.2% من الناجيات من هذه الوقائع صورًا أو رموزًا ذات محتوى جنسي، وتلقي 26.4% رسائل بريد إلكتروني أو رسائل مهينة، وتلقي 25.7% مشاركات أو تعليقات مسيئة أو مهينة، وتلقي 21.6% صورًا غير محتشمة أو عنيفة تحط من قدر المرأة، واستقبال 20.3% ملفات مؤذية عبر رسائل البريد الإلكتروني.

تعرضت النسبة الغالبة من الناجيات اللاتي استعرضت الدراسة حالتهن (76.9%) لآثار نفسية تمثلت في الغضب والقلق والخوف، بينما تعرضت نسبة 13.6% منهن لتأثيرات اجتماعية كالانسحاب من التواجد على الإنترنت، ونسبة 4.1% للأذى الجسدي، و2% أبلغن عن خسائر مالية. وكان حظر الجاني هو الرد الأكثر شيوعًا لمعظم الناجيات.

عند تقييم آثار الخصائص الاجتماعية والديموغرافية لمعدل التعرض للعنف السيبراني، تكشف النتائج أن عوامل العمر والتعليم ومكان الإقامة والمهنة والاستخدام اليومي للإنترنت لا تلعب أدورًا رئيسية في التعرض للعنف السيبراني.

إن ما يميز العنف السيبراني بشكل عام هو سهولة ارتكاب جرائمه استغلالًا لصعوبة "الكشف عن هوية مرتكبي هذا النوع من العنف عبر الإنترنت". وهو ما يولد إحساسًا بالإفلات من العقاب يتسرب إلى الناجيات من هذه الوقائع، فيزيد سوء حالاتهن تفاقمًا.

ومع ذلك، فإن الملاحقات لمرتكبي هذه الجرائم مستمرة وهي تستند إلى القانون رقم 175 لسنة 2018 لمكافحة الجرائم الإلكترونية وجرائم تكنولوجيا المعلومات، والتي تنص في عدة مواد منها، بما في ذلك المواد 14 و15 و16 على عقوبات اختراق الحسابات الخاصة، واعتراض المحتوى والجرائم الأخرى ذات الصلة.

تجرم المادتان 24 و25 إنشاء حسابات وهمية ومشاركة محتوى ينتهك خصوصية الأشخاص.

لكن يبقى أن حوالي ثلث الناجيات لا يبلغن بتعرضهن للعنف السيبراني لعوامل الوصم الذي قد يلحق بهن والطبيعة المحافظة للمجتمع المصري والخوف من اللوم الذي قد ينشأ بعد الكشف عن تجاربهن حتى لأفراد العائلة أو الأصدقاء. وتساعد الثقافة الأبوية في تضخيم الأزمة بإرهاق الناجيات وملاحقتهن أخلاقيًا، وفي بعض الأحيان، تحميلهن مسؤولية الجريمة التي تعرضوا لها.

لهذا كله، أرى ضرورة إطلاق برامج خاص لمكافحة العنف السيبراني ومواجهة هذه الظاهرة بدعم الفتيات الناجيات منها. وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أنه رغم حاجتنا إلى مزيد من الأبحاث المتعمقة والشاملة وجمع البيانات لفهم العنف السيبراني في مصر بشكل أفضل، إلا أن النتائج المبكرة والمحدودة بين أيدينا حاليًا عن ظاهرة العنف السيبراني في مصر، تستدعي منا أن نوليها أهمية قصوى وأن نتصدى لها بكل الأشكال العلمية والمجتمعية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة