بعد إبقاء البنك المركزي أسعار الفائدة كما هي دون تغيير، رفعت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية أسعار المحروقات باستثناء السولار، لتدور تساؤلات حول كيفية تعامل السياسة النقدية ممثلة في البنك المركزي والسياسة المالية ممثلة في وزارة المالية مع التضخم.
قررت لجنة السياسة النقديـة بالبنك المركزي، الخميس الماضي، الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند مستوي 19.25% و20.25% و19.75% على الترتيب، كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 19.75%.
سعر العائد على الإيداع والإقراض لليلة واحدة أو المعروف بـ"الكويدور" هو نظام استحدثه البنك المركزي في يونيو 2005، ويشمل وضع سعرين للفائدة في ليلة واحدة في تعامل المركزي مع البنوك الأخرى أحدهما للإيداع وآخر للإقراض. أما سعر "الخصم" فهو سعر الفائدة على الأموال التي يقرضها البنك المركزي إلى البنوك التجارية لتغطية احتياجاتها من السيولة، بمعنى آخر هو تكلفة الاقتراض من البنك المركزي.

مبررات تثبيت الفائدة
في تقريره الذي يشرح فيه البنك المركزي أسباب تثبيت الفائدة، يتحدث عن ميل توقعات الأسعار العالمية للسلع نحو الارتفاع، خاصة أسعار الطاقة في الارتفاع نتيجة ارتفاع التوترات الجيوسياسية في المنطقة (يقصد حرب غزة وإمكانية اتساعها إقليميًا. لكنه عاد وأكد أن تلك التوقعات تزامنت مع انخفاض الضغوط التضخمية العالمية بسبب سياسات التقييد النقدي "رفع الفائدة" التي تم اتباعها في العديد من الاقتصادات الرئيسية (أوروبا وأمريكا في المقام الأول).
من جهة أخرى، تحدث المركزي عن النمو، فسياسات التقييد النقدي (رفع الفائدة) والتوترات الجيوسياسية، أدت إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي العالمي، لكن على المستوى المحلي ظل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي دون تغيير مسجلًا 3.9% خلال الربع الأول من عام 2023 (يناير ـ مارس) مقارنةً بالربع الرابع من عام 2022 (أكتوبر ـ ديسمبر).
الفائدة.. 4 تثبيتات ورفع مرتين
وقال الدكتور أشرف غراب خبير اقتصادي ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية: "البنك المركزي اجتمع خلال العام الجاري ست مرات ثبت سعر الفائدة في 4 منها ورفع الفائدة في اثنين فقط، في مارس بنسبة 2% وأغسطس بنسبة 1%، وقراره كان متوقعًا يعد قيام الفيدرالي الأمريكي بتثبيت سعر الفائدة في اجتماعه الأخير".

في حال ارتفاع التضخم، تلجأ البنوك المركزية إلى سلاح رفع الفائدة أو التي تسمى "التشديد النقدي" من أجل تقليل الطلب عن العرض، أو ببساطة رفع الفائدة يغري البعض بتأجيل الشراء ووضع أموالهم في البنوك من أجل الاستفادة بالفائدة المرتفعة، ما يقلل الطلب على السلع ويزيد المعروض منها فتقل الأسعار.
اقرأ أيضًا: ماذا تُجني مصر من مبادلة الديون مع الصين؟
لكن في تلك الحال، يتأثر النمو والتشغيل. فرفع الفائدة يضر الاستثمار ويقلل من مساعي المستثمرين للاقتراض من أجل التوسع، وبالتالي التشغيل وتقليل البطالة. كما أنه يزيد من الضغط على وزارة المالية باعتبارها أكبر مقترض في السوق لمواجهة عجز الموازنة وفي مصر كل 1% زيادة في الفائدة يرفع معه فوائد الدين العام في الموازنة العامة بواقع 28 مليار جنيه، بحسب وزارة المالية المصرية.
يضيف غراب: "رفع الفائدة ليس السلاح الوحيد الذي يلجأ إليه البنك المركزي، وهو غير مجدي في تخفيض معدل التضخم وحده، إضافة إلى أن الدولة تدخلت بمبادرة لتخفيض أسعار السلع في الأسواق، ورفع سعر الفائدة يمثل عبئًا إضافيًا على الموازنة العامة للدولة في الوقت الحالي دون تحقيق فائدة مرجوة".

النمو مدفوع بالاستهلاك
البيانات التفصيلية التي ساقها البنك المركزي لتثبيت الفائدة فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي في الربع الأول من عام 2023، تشير إلى أن النشاط الاقتصادي جاء مدفوعًا بالمساهمة الموجبة للاستهلاك وصافي الصادرات، والأخير كان محرك للنمو من الربع الأول من 2022 في المتوسط ومتماشيًا مع تطورات سعر الصرف، أي بمعنى آخر زيادة قيمة الصادرات حينما يتم تحويل عائدها من الدولار إلى الجنيه المصري).
اقرأ أيضًا: التضخم وقياسه.. وكيف يمكن مواجهته؟
لكن "غراب" يقول إن تثبيت سعر الفائدة يدعم النمو الاقتصادي ويزيد جاذبية الاستثمارات، ويوازن بين مواجهة التضخم ودعم النمو والحفاظ على دعم استقرار الاقتصاد. كما أن المركزي لم يخفض سعر صرف الجنيه واستقرار سعره في البنوك أمام الدولار رغم ارتفاعه في السوق الموازية، إضافة لاتجاه المركزي لتوفير سيولة دولارية.
واستمر المعدل السنوي للتضخم العام في الحضر في اتجاهه التصاعدي ليسجل 38.0% في سبتمبر 2023 مدفوعًا بارتفاع تضخم السلع الغذائية بالتزامن مع تباطؤ تضخم السلع غير الغذائية. وجاء الارتفاع في المعدل السنوي لتضخم السلع الغذائية للشهر الثالث على التوالي، مدفوعًا باستمرار ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة الطازجة على عكس الشهور السابقة، والتي تأثرت بارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية.
الفائدة وأسعار البنزين والتضخم
بعد أربع ساعات من قرار لجنة السياسة النقدية، كانت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية التي تحدد أسعار المنتجات بشكل ربع سنوي أوصت بتعديل الأسعار لتصبح 10 جنيهات للتر البنزين 80 و 11.50 جنيه للتر البنزين 92 و12.50 جنيه للتر البنزين 95، لتقليل الفجوة السعرية بين تكلفة توفير البنزين وسعر بيعه في السوق المحلي.
وتحاشيًا، لتأثير الزيادة على التضخم، قررت اللجنة، التي تصدر قراراتها دائمًا في وقت متأخر من ليل الخميس لمنح الأسواق فرصة لامتصاص الصدمة في يومي الإجازة الجمعة والسبت، تثبيت سعر السولار عند 8.25 جنيه للتر، حتى لا يتم رفع أسعار المواصلات العامة ونقل البضائع للأسواق وتكاليف الآلات الزراعية وماكينات الري.
المالية العامة تواجه ضغوطًا كبيرة
يقول الدكتور علي الإدريسي نائب المدير التنفيذي لمركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية: "رفع سعر البنزين كان متوقع في ظل أحداث غزة وارتفاع أسعار البترول عالميًا بحوالي 10 دولارات مع توقعات بارتفاعات كبيرة مع اتساع نطاق الصراع.. مصر تستورد حوالي 120 مليون برميل سنويًا من البترول".

بحسب وزارة المالية، فإن كل دولار زيادة في البترول يكلف الموازنة الجديدة 2.3 مليار جنيه، وكل 1% زيادة في الفائدة يكبد الموازنة 32 مليار جنيه، وبالتالي، فإن الموازنة العامة للدولة تواجه تحديات كانت تستوجب تثبيت الفائدة، خاصة أن معدل البطالة إلى 7.0% خلال الربع الثاني من عام 2023 مقارنةً بمعدل بلغ 7.1% خلال الربع السابق له، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى زيادة أعداد المشتغلين بوتيرة أسرع من ارتفاع قوة العمل.
يضيف الإدريسي: "زيادة البترول الحالية ترفع تكلفة استيراد المواد البترولية بما بين 32- 33 مليار جنيه، ولجنة تسعير المنجات البترولية كل 3 أشهر بتدرس سعر الصرف وتكلفة التكرير وأسعار البترول.. وأشيد بعدم تحريك سعر السولار وتثبيت سعره حتى لا ينعكس على التضخم".
لكن البنك المركزي قال إنه لن يتردد في استخدام جميع أدوات السياسة النقدية المتاحة للحفاظ على الأوضاع النقدية التقييدية "رفع الفائدة"، بهدف تحقيق معدلات التضخم المستهدفة والبالغة 7% (± 2 نقطة مئوية) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2024 و5% (± 2 نقطة مئوية) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2026.