أنا مش مجنونة

اختلست خطواتها سريعًا، تحاول إخفاء ملامحها، مرورًا بين المتزاحمين داخل الصيدلية. أدركت أخيرًا الطبيب المنهمك خلف لوح الأدوية الزجاجي، تسأله همسًا: “لو سمحت ألاقي عندك (بروزاك)؟”. رد الطبيب: “لأ يا فندم.. بس عندي (فلوزاك).. نفس المادة الفعالة والتأثير”، فأعقبته بالرفض تعللًا بحاجتها سؤال صاحبة الشأن.

بالتأكيد، كانت تخشى أن يعلم أحد من الحضور أو الطبيب نفسه أنها صاحبة الشأن وأن هذا الدواء الذي يوصف طبيًا لمرضى الاكتئاب لها. تخشى نظرة الجميع بمن فيهم الطبيب ذاته، ويعزز خوفها هذا ما اختبرته من تجارب “الوصمة المجتمعية” التي تلاحق أصحاب الأزمات النفسية في مصر.

ربع المصريين يعانون أزمات نفسية

تُعرف منظمة الصحة العالمية الاضطراب الاكتئابي (المعروف أيضًا باسم الاكتئاب) بأنه اضطراب نفسي شائع، وينطوي على تكدّر المزاج أو فقدان الاستمتاع أو الاهتمام بالأنشطة لفترات طويلة من الزمن.

ويعاني نحو 280 مليون شخص في العالم من الاكتئاب. بينما يزيد شيوعه بين النساء مقارنة بالرجال بنسبة 50% تقريبًا. وعلى الصعيد المحلي، فإن عدد المصريين الذين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية تصل نسبتهم إلى 25%، ومنهم 43.7% يعانون من الاكتئاب، وفقًا للمسح القومي للصحة النفسية لعام 2018.

“آه أهلي خايفين قرايبهم يعرفوا إني بروح لدكتور نفسي وكأن عندي جَرب، عشان هما مسمينه دكتور المجانين. في كل مرة بروح للدكتور ببقى زي اللي مخبي سر حربي، ما بلاقيش حد غيره أحكي له اللي تاعبني”؛ تروي “هاجر” لـ”فكر تاني” عن اكتئابها الذي زادت أثاره بفعل الضغط المجتمعي الذي تعانيه حتى من أقرب المحيطين وأكثرهم صلة بها.

في تعريفها، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أعراض الاكتئاب تشتد مع الأشخاص الذين عانوا من سوء المعاملة أو الخسائر الفادحة أو غيرها من المواقف الصعبة. وأكثر هؤلاء تأثرًا هن النساء.

“النظرة دي مش بتوجه بس لأصحاب الأمراض النفسية، ده حتى المصابين بالأمراض العصبية معرضين في مجتمعنا للتنمر اللي بيتحول مع الوقت للوصم”.

“عن الخيبة اللي مش مكسوفة منها”

تقول “م.س”: “كان عندي شحنات كهرباء زائدة على المخ وكنت باخد أدوية بتأثر طول الوقت على أعصابي وعلى نومي.. طول الوقت صاحية غالبًا.. في مرة كنت بجيب الدوا زي كل مرة ومعايا حد من أهلي ما يعرفش، سألتني: لمين ده؟ رديت: ليا، وهو بيستخدم للصرع… ما لحقتش أكمل إلا ولقيت اللي بتخبطني في دراعي وتزعقلي: الناس بتداري على خيبتها وأنتي ماشيه تقولي”.

كانت هذه لحظة فارقة في ذاكرة “م.س” التي قررت مواجهة الجميع بأزمتها دون خوف من الوصم. تقول: “من يومها لو بطني مغصاني حتى بقيت أقول للكل عادي.. ايه الخيبة في أزمة بعاني منها وتستلزم تدخل طبي”.

يصطلح المصريون شعبيًا على وصف أصحاب الأمراض النفسية بالجنون. وهذا جزء من ثقافة التنمر المتجذرة مجتمعيًا، والتي أدركت الحكومة تناميها في السنوات الأخيرة، وأقرت لتجريمها مشروع قانون في العام 2020 بإضافة مادة جديدة بشأنها في أحكام قانون العقوبات المصري.

“أنا مش مجنونة”

تقول “أ.ن” وقد شُخصت باكتئاب ما بعد الولادة: “لما اتشخصت باكتئاب ما بعد الولادة جبت العلاج من الصيدلي اللي على الشارع عندي، هو عارفني أنا وجوزي.. علاقتنا بيه سطحية. قال لي بالحرف: ايه ده هوس هوس؟ فقلت له: يعني ايه؟ فشاور بإيده بحركة تشير إلى الجنون. ورديت وأنا متعصبة: ده اكتئاب، فرد: اكتئاب ايه روحي صلي واستعيذي بالله وربي بنتك”.

كان هذا طبيبًا يُفترض فيه التخصص وفهم طبيعة الاكتئاب وما يعانيه صاحبه.

تعاملت “أ.ن” وزوجها مع الأمر بتجنب هذه الصيدلية ومحيط سكنهما كله. “كنا بنجيب العلاج من مدينة أخرى بعيدة عن بيتنا عشان نعفي نفسنا من السخافات”.

خطوة مراجعة طبيب نفسي ليست سهلة بالمرة لعديد من الأسباب أهمها:

  • عدم قدرة المريض على اكتشاف مرضه من الأساس، إذ أن أغلب المرضى يعتقدون بأن ما يمرون به مجرد نوبة حزن عابرة.
  • ‏بعض الناس لا يثقون في الأطباء ولا يدركون بأن تخصص الطب النفسي فعال وضروري.
  • ‏يخشى المرضى الوصم الذي سيلحق بهم مجتمعيًا.
  • بعض المرضى لا يملكون القدرة المالية اللازمة لتحمل تكاليف التردد على الطبيب النفسي.

يوجد في العديد من الدول مشافٍ حكومية رخيصة يستطيع العديد ممن لا يمتلكون المال الكافي زياراتها. في مصر على سبيل المثال يوجد بالعاصمة القاهرة مستشفى العباسية لعلاج الإدمان والأمراض النفسية لسكان القاهرة الكبرى، يوجد أيضًا القسم النفسي بمستشفى الدمرداش بالعباسية.

وفي محافظة المنوفية، يوجد مستشفى ميت خلف بشبين الكوم. وهذه المشافٍ بمال رمزي يستطيع كل من لا يملك المال الذهاب إليها.

كما توفر الدولة خط المساعدة النفسية المجاني والمتاح 24 ساعة طوال الأسبوع: 0220816831 أو 08008880700.

الألم النفسي حقيقي حتى وإن ادعى البعض غير ذلك. عليكن/م مراجعة الطبيب عند الشعور بتغير في المزاج أو الحزن لفترة أطول من أسبوعين أو شهر على الأكثر.

1 تعليق

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة