“حرب إبادة جماعية”.. غزاويون: الاحتلال يحول القطاع إلى مدينة أشباح 

“مع شدة القصف هربت عشرات الأسر إلى ساحات المدارس والجامعات والمستشفيات.. كان الجميع يعتقد أن هذه المقرات رغم الغارات الكثيفة ستكون آمنة.. هكذا نصت كل القوانين الدولية.. لم نكن نعلم أنها حرب إبادة.. كل المباني الممنوع ضربها بأدبيات وقوانين الحرب قُصفت، وسكان غزة بمن فيهم من نساء وأطفال وشيوخ هم أهدافًا مباشرة لغارات الاحتلال”.

هكذا وصف الوضع في غزة، إياد عزام مسؤول الاتصال والتدريب لطلاب الإعلام بجامعة الأزهر في القطاع، أحد أبناء القطاع الذين تواصلت معهم منصة “فكر تاني”، وكشفوا حجم الدمار والمعاناة التي يواجهها أبناء فلسطين في هذه البقعة، التي باتت ساحة لحرب مفتوحة، قال الاحتلال إنها ستمتد طويلًا، مطالبًا السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة بنزوح جبري نحو الجنوب، إذا ما أرادوا الإبقاء على حياتهم.

غزة.. مدينة الأشباح

مدرسة تابعة لوكالة الأونروا، تؤوي أسرا نازحة في غزة، تتعرض للقصف (الأونروا)

“تدخل الحرب يومها التاسع محوّلة القطاع إلى مدينة للأشباح، فلا مياه صالحة للشرب ولا كهرباء ولا شبكات للإنترنت في معظم الأحياء، التي يخترقها الموساد في كل لحظة باتصالات ترهيب وتضليل تضرب نفسية السكان، بينما تقصف الطائرات أجسادهم”؛ يقول محمود أبو الطويل، أحد سكان غزة، الذين لجأوا إلى مدارس الأونروا فلم يجدوا طعامًا أو مياه تكفي الأعداد النازحة. 

اقرأ أيضًا: أخشى دائمًا مشاهدة التغطية الإخبارية الأمريكية للحروب.. فما بالك بكارثة غزة؟

“استكملنا نزوحنا تجاه الأقارب في مناطق أخرى.. نحاول شق سبيل في طرقات استهدفت بالغارات”.

يقيم أكثر من 250 ألفًا، من نازحي أحياء دمرتها قوات الاحتلال بالكامل، حاليًا في أكثر من 90 مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، التي تقول إن هذه المدارس ليست في منأى عن القصف.

ظلت فلسطين بحضارتها ومعاناة أهلها وخلود هويتها، أبرز محاور الإبداع في تجربة الفلسطيني المقاوم محمود درويش، الذي بقي شعره يلهج بذكرها، ويستغيث الشعوب لنجدتها. “آه يا جُرحي المكابر، وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافر، إنني العاشق، والأرض حبيبة”؛ يردد من ورائه “إياد”؛ ذلك الشاب الفلسطيني الذي رفض النزوح إلى خارج أرضه.

“لا أعرف غير غزة موطنًا. هنا أصول عائلتي في حي الزيتون الذي استهدفته الطائرات بوسط القطاع.. كان لنا هنا قبل القصف بئرًا للمياه العذبة ساعدت العائلات في البقاء على قيد الحياة بعد توقف ضخ المياه إلى المنازل بشكل شبه كُليّ”؛ يقول “إياد.

استهداف الجامعات

في روايته، يكشف “إياد” كيف أن القطاع التعليمي كله توقف بغارات متعمدة لقوات الاحتلال، استهدفت جامعة الأزهر والجامعة الإسلامية (أكبر جامعتين داخل القطاع)، وكل الطرق المؤدية إليهما.

الجامعة الإسلامية في غزة بعد القصف (الاسوشيتدبرس)

بدأ طيران الاحتلال في التاسع من الشهر الجاري، عددًا من الهجمات الممنهجة التي تسببت إلى الآن في تدمير العديد من المقار الحكومية والمصارف والمساجد، ومنها مبان كاملة داخل الجامعات (بدأت بكثافة في اليوم الثالث من الحرب)، ليصبح المشهد؛ نيران مشتعلة لا تتوقف وأحجار وركام متناثر في كل البقاع، تجعل من أي محاولة للاقتراب غير ممكنة. 

اقرأ أيضًا: لا ماء ولا كهرباء.. غزة على مشارف كارثة إنسانية كبرى

حسب الكتاب الإحصائي حول التعليم العالي في محافظات قطاع غزة للعام الدراسي 2022-2023، هناك 86 ألفًا و849 طالبة وطالبة جامعيين، مسجلين في 23 مؤسسة للتعليم العالي – لا يشمل الرقم الطلاب الجدد الذين قيدوا هذا العام – يتوزعون بين الجامعات والكليات الجامعية والكليات المتوسطة، إضافة إلى الكليات المجتمعية (جامعة الأقصى، والجامعة الإسلامية، وجامعة الأزهر، وجامعة القدس المفتوحة، وجامعة الأمة للتعليم المفتوح، وجامعة فلسطين، وجامعة غزة، وجامعة الإسراء، والكلية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا بخان يونس، والكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، والكلية العربية الجامعية للعلوم التطبيقية، وكلية الرباط الجامعية، وكلية تنمية القدرات الجامعية، وكلية العودة الجامعية، وكلية الدعوة الإسلامية، وكلية مجتمع الأقصى للدراسات المتوسطة، وكلية الدراسات المتوسطة (جامعة الأزهر)، وكلية الزيتونة للعلوم والتنمية، وكلية مجتمع غزة للدراسات السياحية والتطبيقية، وكلية مجتمع تدريب غزة (الأونروا)، وكلية تدريب خان يونس (الأونروا)”. 

كما تضم غزة، وفقًا لـ”الأونروا”، 278 مدرسة في غزة، بما يشمل مدارس المنظمة، كلها باتت غير آمنة الآن.

أزمة المياه

قبل 3 أيام، حذرّت بلدية غزة، في بيان رسمي، مواطنيها من “كوارث بيئية وصحية وانتشار للأمراض حال توقف محطات ضخ المياه عن العمل، وتوقف محطات الصرف الصحي عن العمل، وتسرّب مياه الصرف إلى البحر”.

تعتبر أزمة المياه إحدى أبرز المشكلات الدائمة في القطاع منذ العقد الماضي، وفاقمها الوضع الإنساني مع اشتداد الحرب الراهنة. فبحسب التقديرات الرسمية، تتوفر نسبة ما هو دون الـ 4% من المياه الملائمة للاستهلاك، في ظل وجود كثافة سكانية مرتفعة لكل كيلومتر مربع، ما أدى إلى تراجع إمدادات المياه العذبة الطبيعية عن تلبية احتياجات سكان القطاع – تصنف غزة التي تضم 9 محافظات كأحد أكبر الأماكن المكتظة بالسكان في العالم -. 

يمثل “الحوض الجوفي الساحلي” مصدر المياه العذبة الأساسي في غزة (وكالات)

ويمثل “الحوض الجوفي الساحلي” مصدر المياه العذبة الأساسي في غزة، حيث يعتمد عليه سكان القطاع بنسبة تقارب 98%، بينما تأتي نسبة 2% من إمدادات مياه شركة المياه الوطنية “ميكروت” التابعة لسلطة الاحتلال. 

تشير ورقة بحثية صادرة عن مركز الميزان لحقوق الإنسان – يعمل بغزة -، أن سلطة الاحتلال حفرت 26 بئرًا على طول خط الهدنة مع غزة خلال السنوات الماضية، استهدفت بها محاولة تقليص تدفق المياه إلى الحوض الجوفي الساحلي الذي يغذي القطاع. كما دشنت عددًا من السدود الصغيرة لإيقاف المياه المتدفقة إلى منطقة “وادي غزة”. 

وفي الحرب الأخيرة، ألحقت الغارات الجوية أضرارًا بـ 7 منشآت كانت توفر خدمات المياه والصرف الصحي لأكثر من مليون شخص، حتى اللحظة.

“هذا الوضع يجعل أسرًا كاملة دون زجاجة واحدة من المياه، تجعل حتى كوب القهوة رفاهية”؛ يقول “أبو الطويل”.

الكهرباء والإنترنت

تملك غزة محطة كهرباء وحيدة تعمل على تغذية القطاع بأكمله، بما يشمل قطاعات الإنتاج والخدمات والمناطق السكنية، بما في ذلك محطات تحلية المياه التي تعمل بالكهرباء وتوقفت عن العمل تمامًا، بعد خروج محطة الكهرباء عن العمل نتيجة نفاد الوقود اللازم لتشغيلها منذ الأربعاء الماضي. بعد أن كان من المقرر أن يتم تشغيل المولد الخامس، قبل الأحداث التي عطلت الأمر، وفق ما أعلنه المسؤولون المحليون. 

حصلت غزة على تمويل قطري لتشغيل المولدين الرابع والخامس لرفع الإنتاج ما بين 85 إلى 95 ميجاوات (يحتاج القطاع إلى ما يزيد على 500 ميجاوات من الكهرباء، يتوفر منها عبر المحطة الوحيدة بمولداتها الأربعة نحو 90 ميجاوات، ويصل عبر خطوط الاحتلال 120 ميجاوات، في حين يتم إنتاج كميات محدودة عبر الطاقة الشمسية).

يقول “أبو الطويل”: “في الأيام الخالية من الهجمات نحصل على الكهرباء مدة لا تتجاوز ثمان ساعات يوميًا، وهي القدرة القصوى للمولدات الكهربائية، بينما هناك عدد من الشركات الاستثمارية التي أسست بعض المولدات مرتفعة التكلفة في بعض المناطق، والتي لا يستطيع كل السكان بالطبع شرائها لارتفاع تكلفتها. لكن هناك بعض الأسر التي لديها ألواح توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية، تقرض بعض من كهربائها الآن للجيران، وهي كهرباء تكفي فقط لشحن الهواتف المحمولة، كي نظل على صلة ضئيلة بالعالم الخارجي”. 

يوم الثلاثاء الماضي، قصفت قوات الاحتلال مقر وزارة الاتصالات في القطاع، لتبدأ حالة من عدم استقرار خدمة الإنترنت بينما يهدد توقف الكهرباء والمياه بتحويل القطاع إلى مقبرة جماعية لا يعرف عنها العالم الخارجي شيئًا.

قصف معبر رفح (متداولة)

حتى الهروب إلى رفح مستحيل

تروي نضال -فضلت استخدام اسم مستعار- أنها وأسرتها حاولوا اللحاق بحافلات متجهة إلى معبر رفح في أقصى جنوب قطاع غزة؛ لكنهم لم يتمكنوا، ولم يكن أمامهم سوى الركون إلى سيارات الأجرة الخاصة. تضيف: “هناك استغلال من بعض السائقين رغم الحرب.. ثمن السيارة من غزة إلى رفح قد ارتفع من 50 إلى 500 شيكل مرة واحدة، ما يوازي 150 دولار.. مواردنا المالية شحيحة.. حتى الهروب إلى رفح بات مستحيلًا.. نحن هنا في منطقة شبه آمنة؛ أملًا في عدم قصفها حتى انتهاء الحرب وإن كان هذا دربًا من الخيال”.

اقرأ أيضًا: بعد القصف الثالث.. مصدر: مصر أرسلت فريقًا من “المقاولون العرب” لترميم معبر رفح

مثلها، تصف “أم غسان” النزوح المتكرر إلى المستشفيات بعد أن ضاقت بهم السبل في محاولة للجوء إلى مدارس الأونروا. تقول: “لجأنا إلى مستشفى الشفاء في وسط القطاع والذي قارب مخزونه من الكهرباء على النفاد. لدى المستشفى بئرًا للمياه الجوفية غير صالحة للاستهلاك؛ لكننا مضطرين إلى البقاء هنا خوفًا من عدم الحصول على رشفة ماء”.

“أبو الطويل” لا يتفق مع خطوة المقاومة لبدء الحرب التي تتسبب حاليًا في إبادة جماعية لسكان القطاع، على حد قوله، مضيفًا: “بعض المواطنين يفضلون الآن حلول انتخابات مرشح فيها أحد أبناء الاحتلال عن حكم حماس الذي ألحق الخراب بغزة، وقد فوجئنا ببدء الحرب ولم نكن نعلم عنها شيئًا، ونتيجتها أن أصبحت غزة غير قابلة للحياة، وأصبح الشعب هو الضحية”. 

أما “إياد”، الذي تعرض منزله للقصف ولم يغادر المنطقة رغم التحذيرات، فيؤيد مبادرة المقاومة، ويظهر أنه لم يكن يعلم حقيقة الوضع مع بداية الحرب وظن مثل غيره أن إطلاق الرشقات الصاروخية من المقاومة على الداخل المحتل ما هو إلا خلل في منظومة الصواريخ؛ لكنه سعيد بتخطيط المقاومة. يقول: “أنا اختار تحرير الوطن على مصلحتي الخاصة”. ويضيف: “”فكرة دخولنا إلى مصر مرفوضة تمامًا من معظمنا، ومن غير الممكن أن يغادر شعبنا القطاع نهائيًا.. جميعنا نقف خلف المقاومة وجميع الفصائل مشروع تحرري سواء أكانت فتح أم الجهاد أو حماس أو الجبهة الشعبية والديمقراطية، جميعنا معهم في خندق واحد”. 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة