في قضايا التحرش.. لماذا تهرب الضحايا من اللجوء للعدالة؟

“في النيابة تعرضت لمعاملة بشعة؛ طوال الوقت تكذيب لي وأسئلة عن حياتي الجنسية وحتى دورتي الشهرية، ولماذا لم أصرخ مثلًا؟.. وهكذا ملاحقة نفسية رهيبة دفعتني لعدم متابعة القضية. شعرت بخوف شديد من وضعي في قضية أخرى، فسق مثلًا كما حدث مع بنات تيك توك”.

“فاطمة” إحدى الناجيات من الاغتصاب بفعل الصدفة؛ تحكي كيف أنها في أغسطس من العام 2022 ذهبت لحفل مع أحد الأصدقاء، حيث شربت الكحول وفقدت قدرتها على قيادة سيارتها، ليعرض صديق لصديقها توصيلها إلى منزلها، حيث حاول أثناء هذه الفترة اغتصابها معتقدًا أنها فاقدة تمامًا للوعي قبل أن تستفيق وتمنعه وتهرب من سيارته”.

لم تجد “فاطمة” سبيلًا سوى كتابة منشور في اليوم التالي عبر إحدى المجموعات النسوية على “فيسبوك”، تطلب المساعدة في التواصل مع أحد المحامين.

استغرق الأمر يومين، وكانت النصيحة القانونية بمحاولة استدراج الجاني والحصول منه على اعتراف أو اعتذار عبر واتساب. بينما كانت معظم الردود تتشكك في ما قد تفضي إليه نتائج المحاضر.

لم يكن القائمون على الجروب الذي اعتمدت عليه “فاطمة” مهنيون. أخبروها أنهم في إجازة قانونية تهربًا من مساعدتها، بل وشككوها في معركة إثبات حقها التي ستقرر لاحقًا خوضها قضائيًا، وبعد شهر من حدوث الواقعة.

اتأخرتي ليه؟!

في حيثيات حكم قضائي أودعته الشهر الماضي بتبرئة أستاذ بكلية طب الأسنان جامعة عين شمس من 3 وقائع تحرش بطالبات، ذكرت المحكمة الإدارية العليا أن “تراخي وتأخر الشاكيات عن الإبلاغ عن وقائع التحرش التي تعرضن لها في حينها، يلقي بظلال كثيفة من الشك حول صحة ومصداقية ما ورد بالشكوى من اتهامات”.

واستندت المحكمة في حيثياتها إلى أن الشكاوى الثلاث كانت بحوادث وقعت للمجني عليهن في الفترة من 2014 إلى 2016.

وتنظم المادة 15 من قانون الإجراءات المدد القانونية المحددة للإبلاغ عن جريمة محددة كجريمة التحرش والاغتصاب وهتك العرض، وبما أن التحرش جريمة وفقًا لآخر تعديلات أقرها مجلس النواب، فإن الحق في التبيلغ عنها يسقط بعد 20 عامًا، وليس 3 سنوات كما هو في حال الجنحة.

اقرأ أيضًا: النساء في الأخبار: مصر تتصدر دول المنطقة في التحرش بالعاملين في مجال الإعلام

لماذا يرعبهن التقاضي؟

في سبتمبر من العام 2022، وبعد فترة من العلاج النفسي لمدة أسبوعين، تقدمت “فاطمة” ببلاغ أخيرًا بعد قرابة 55 يومً من واقعة التحرش بها.

تأخر محاميها في الحضور معها بالقسم فبقيت هناك يومًا كاملًا، ولم يخبرها أحد لماذا تم حبسها يومًا لحين العرض على النيابة. تقول: “بعض الضباط مارسوا علي الترهيب بإخافتي من كون المحضر الخاص به سيواجه بمحضر آخر من المدعى عليه، الأمر الذي سيحلنا معًا إلى الحبس”.

خاضت النساء حربًا لسنوات طويلة تمكن أخيرًا فيها من انتزاع مواد قانونية تحرك التحرش في القانون المصري، من كونه جنحة إلى اعتباره جناية. وتقضي المادة 306 مكرر (أ) من القانون رقم 141 لسنة 2021، بشأن تعديل قانون العقوبات، بمعاقبة الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتي ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأي وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أي وسيلة تقنية أخرى.

ومع ذلك تبقى مسألة الإبلاغ في حينه ومع وقوع الجريمة أمر صعب لأغلب الضحايا، الذي يمرون بأزمات نفسية كبيرة وضغوط مجتمعية مرتبطة بالوصم والرفض. ذلك رغم ما أقره القانون من حمايتهن بإقرار الحفاظ على سريتهن أثناء التقاضي.  

احنا أقرب للبهدلة من العدالة

طرحت منصة “فكر تاني” على عدد من النساء تساؤل: لماذا قد تتأخر الضحية في تقديم شكواها فيما يتعلق بقضايا التحرش الجنسي؟ وكانت الإجابات في معظمها تشكك في إجراءات التقاضي وطول مدتها وفرص نجاة الجناة من العقوبة، كما حدث في واقعة “فيرمونت”، التي انتهت بحفظ القضية لعدم كفاية الأدلة.  

  • -“الخوف من قلة القيمة وانعدام الأمل في النتيجة، والفرهدة اللي هتفرهدها والبهدلة مقابل الولا حاجة. لو في أيدي قوة هستخدمها وهضربه”.
  • -“التشكيك في روايتي وإن الموضوع يطول وآثاره النفسية هتبقى أكبر لأني هفضل كل يوم حاجة تفكرني، ده بالإضافة إلى رغبة الانتقام لدى المتحرش وأهله وإني بعد كل ده مش هاخد حقي بردو”.
  • – “شوفت تجارب بنات تانية ما تصدقتش، بالإضافة إلى كرهي الشديد لدخول أي قسم، والابتزاز والتهديدات اللي هاتعرضلها من أهل المتحرش”.
  • -“أنا اللي هتبهدل غالبًا وهيقعدوا يسألوني ويكدروني ويبصوا عليا ولبسي وشكلي ويحكموا عليا.. هبقى فرجة، وهبقى جايالهم بمشكلة مش مهمة في نظرهم واستاهلها، ولو تعاطفوا معايا ووصلنا لمحضر هندخل في محكمة ومحامين وليلة هتجيبلي تروما فوق التروما أصلًا”.

وفيما أقرته المحكمة الإدارية العليا في حيثيات حكمها الأخير بأن جريمة التحرش من المفترض أن تدفع الضحية، بلا أدنى ريبة، إلى المبادرة في حينه دون تراخي إلى إبلاغ السلطات المختصة لاتخاذ إجراءاتها التأديبية والجنائية ضد المتحرش، فهو أمر في حقيقته يختلف من ضحية لأخرى حسب ظروفها النفسية والضغوط التي تتعرض لها، وفق آراء الخبراء في مجال الطب النفسي.

اقرأ أيضًا: العنف الجسدي والنفسي والتحرش الجنسي.. 5 طرق لتجنب التعرض للعنف في العمل

خسرت وظيفتي

“أثناء اجتماعي مع رئيس التحرير المسؤول عن المواد والأفكار، قام من مكتبه ووقف خلف الكرسي الجالسة عليه ثم وضع يده على رقبتي في محاولة ملامستي، فانتفضت من مكاني ولم أنطق بكلمة من الرعب. سحبت حقيبتي وخرجت من المكان كله ولم أعود”.

تعرضت “ولاء” -وتعمل صحفية بإحدى المجلات العربية- لتحرش أثناء العمل من مديرها المباشر. حيث بقيت لشهرين بعد هذه الواقعة تعاني جلد الذات على الصمت والصدمة التي حبست صوتها وقتها فمنعتها من رد فعل كان يستحقه هذا المعتدي.

تقول: “فكرت بعد ذلك في تحرير محضر وأن أسلك المسار القانوني، فتحدثت مع محامية بإحدى المؤسسات المدافعة عن قضايا المرأة، وأكدت لي أنه ليس هناك فائدة لتأخري في الشكوى، ولأنه لم يصدر مني رد فعل يجعل معي شهود من المكتب، ولم يكن معنا أحد، فلم اتحرك في هذا المسار واكتفيت بالتوقف عن العمل في هذا الإصدار وهو ما تسبب في خسارتي مكان عملي، بينما المعتدي علي يكمل عمله ولا كأن شيء حدث”.

تنتظر “ولاء” إجراءات أخرى وتعامل مختلف على مستوى القانون والمجتمع مع قضايا التحرش والابتزاز الجنسي، لأن مدة تبليغ الشاكية ليس معيار، على حد قولها، لأن استقبال الضحية لهذه الكارثة يختلف من سيدة لأخرى، وعامل الصدمة النفسية هنا غير محسوب.

في 27 يونيو 2021، وافقت لجنة الشؤون التشريعية والدستورية في البرلمان المصري على مشروع تعديل المواد الخاصة بالتحرش الجنسي في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، والتي تنص على تعديل تعريف جريمة التحرش من جنحة إلى جناية، من دون تعديل كبير في العقوبة المفروضة.

فحسب قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، الخاص بالتعرض للغير والتحرش الجنسي، فإن العقوبة وفقا للمادة 306 تصل إلى سنة حبس وغرامة تعادل 10 آلاف جنيه مصري (حوالي 636 دولار)، ولكن التعديلات الأخيرة شددت العقوبات، إذ لن تقل عن سنتين ولن تتجاوز أربع سنوات مع غرامة أقلها 100 ألف جنيه مصري (6369 دولارا) ولا تزيد عن 200 ألف جنيه مصري، على أن يتم إدراج مواقع التواصل الاجتماعي ضمن وسائل التحرش.

أما إذا تكرر الفعل من خلال الملاحقة والتتبع، فتصبح العقوبة الحبس ثلاث سنوات على الأقل ولا تتجاوز الخمس سنوات مع غرامة لا تزيد عن 300 ألف جنيه مصري، كما نصت التعديلات أيضا، أنه إذا كان للمتحرش نفوذ وسلطة أسرية، دراسية أو وظيفية على المجني عليه فستضاعف العقوبة لتصل إلى الحبس مدة سبع سنوات وغرامة لا تزيد عن 500 ألف جنيه مصري.

وقفة نسائية ضد التحرش في مصر (أرشيفية)

وقد اعتبرت الحركة النسوية هذا التعديل توجهًا جديدًا من الدولة في مواجهة هذه الظاهرة التي أولتها اهتمامًا في السنوات الأخيرة، بما يشكل انتصارًا جديدًا في قضايا التحرش الجنسي في مصر، إلا أن الحكم الأخير في قضية طالبات الجامعة نظر إليه كثير من المراقبين باعتباره تراجعًا في مواجهة قضايا العنف الجنسي ضد النساء في مصر.

السلطة الذكورية تؤخر العدالة

وقالت لمياء لطفي، مديرة البرامج بمؤسسة المرأة الجديدة: “الحكم الأخير فيما يتعلق بأستاذ طب الأسنان سابقة مقلقة لأن القضايا من هذا النوع هي قضايا خاصة جدًا، قضايا فيها الجاني له سلطة على المجني عليها، والسلطة هنا لا أقصد بها مدير أو رب أسرة، أو أستاذ جامعي، السلطة هي سلطة ذكورية مارسها المجتمع لسنوات طويلة، بأن الست هي الأضعف، وقدرتها على الإثبات هي الأقل، والمجتمع سيحملها المسؤولية، ودائمًا ما يتشكك في رأيها وسلوكها، وبالتالي، فأيّ رجل له سلطة على النساء بغض النظر عن وضعه الوظيفي والاجتماعي”.

وتؤكد “لمياء”، أن هذه الواقعة تحديدًا لأستاذ جامعي يشرف على رسالة ضحيته، والتحرش الجامعي بالطالبات معلوم ومعروف للجميع، وجميع الطالبات والطلاب الجامعيين على علم بما يحدث داخل الجامعة، وهذا أحد الأشكال العنف المسكوت عنه، وهذا الحكم ربما سيجعل مساحة المسكوت عنه في هذا الملف أكبر.

تلقي “لمياء” الضوء أيضًا على ما تتعرض له الكثير من النساء من مشاكل في الإبلاغ؛ منها الإجراءات شديدة التعقيد في الأقسام والنيابات والمحاكم، ونظرة المجتمع، والحفاظ على سرية المعلومات بالنسبة لهن وللشهود، فضلًا عن عدم وجود أماكن مخصصة للنساء المعنفات بشكل خاص مما يشعرهن بالخوف، فوحدات الشكوى في مكاتب المساندة ليست جميعها لديها القدرة على مساعدة النساء أثناء عملية تقديم البلاغ أو أثناء التحقيق ومعظمها يتولى التحقيق أثناء وجود القضية في المحكمة، على الرغم من أن مرحلة تقديم البلاغ والاستماع لأقوال الضحايا في النيابة هي مرحلة صعبة جدًا، لأن  الناجية والمتهم في نفس المكان في القسم، مع وجود أهله  والضغط للتنازل.

معاملة قضايا التحرش بعامل الوقت “كارثة”

ويرى المحامي الحقوقي، ياسر سعد، أن هناك اتجاه عام على مستوى كل الجرائم في مصر باعتبار أن التأخير عن الإبلاغ يؤدي إلى الكيدية، على اعتبار أنه لابد من الإبلاغ السريع عن الجريمة، وهذا أدى لحدوث حالة رفض لفكرة استمرار الناس في استخدام حقها الدستوري والقانوني في اللجوء إلى المحاكم باعتبارها مرافق عدالة.

ويضيف سعد، أن التجارب العديدة للأحكام الصادرة باعتبار التراخي في الإبلاغ يمثل كيدية في الشكوى ومن ثم البراءة، هي أمر مرعب جدًا، يجعل الضحايا طوال الوقت أقرب إلى الهروب من اللجوء للعدالة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة