الجنة ليست تحت أقدام كل الأمهات!

حقا يفاجئني هذا العالم يوميًا بهدمه لثوابتنا؛ ثوابت ارتكزنا عليها في نشأتنا منذ الصغر وشببنا ونحن ننقش عليها كلمة “لا مساس”. يحطمها دون أن يخشى شيئًا أو يكترث لسقوطنا، فهو لا يعبأ بالبلهاء الذين وضعوا الثوابت لأنفسهم ليطمئنوا بالتحرك في حدودها، تمامًا مثلما صنع الغابرون آلهة من الحجر والعجوة ليعبدوها.

أحد أكبر هذه الثوابت وأعلاها شأنا كان “الأم”، رمز الحب غير المشروط والعطاء اللا محدود، مثال التفاني والتضحية والقدوة في الصبر والجلد، مصدر الأمان الذي لا يفنى ونبع الحنان الذي لا ينضب.. تلك التي أجمعت الأديان والأعراف والفنون والحضارات على تقديسها وتكريمها، حد جعل الجنة تحت أقدامها، نور دعواتها كفيل بإنارة طرقاتنا، والويل كل الويل لمن يغضبها، إذ أن نجاحنا في الحياة وتوفيقنا مرهون بأن يكون “قلبها راضٍ”.

أتفق تمامًا مع استحقاق الأم لهذه المكانة الرفيعة، ولكن – وهنا تكمن العلة – هل كل من أنجبت تستحق ذلك؟ هل كل من أنجبت هي حقًا “أم”؟

تابعت مؤخرًا – وبتقزز شديد – قصة البلوجر “هبة السيد” التي تطلق على نفسها – بوقاحة – “أم زياد وهبة”، وإن لم تكن متابعًا فهذه السيدة متزوجة ولديها خمسة أطفال، قررت هي وزوجها المتاجرة بهم وبسمعتهم وحاضرهم ومستقبلهم، نظير زيادة أرباحها من ارتفاع المشاهدات على السوشيال ميديا.

هذه المرأة لم تكتفِ بجعل بيتها وحياتها هي وأبنائها الصغار مشاعًا بكل دواخلها وأسرارها لملايين الفضوليين، بل وعاقبت ابنها الحَدَث إثر مشاجرة بينهما، بنشر فيديو تخبر فيه متابعيها أنها اكتشفت علاقة محرمة بينه وبين أخته الصغرى! وزادت الطين بلّة بجعل أطفالها الصغار يشهدون معها ويؤكدون كلامها برؤيتهم لأخويهم الأكبر يفعلان ذلك!، هكذا ببساطة سجلت فيديو ووثقت تدمير عائلتها وأذاعته للعالم طمعًا في مال أكثر وشهرة أكبر!

لا أستطيع أن أحصي جرائم “أم زياد وهبة” بدءًا من استخدام أطفالها في المقاطع حتى تزيد نسبة المشاهدات، مرورًا بتدمير سمعة وشرف ابنها وابنتها وهم حَدَث -15 عامًا وأقل- وحتى إشراكها الأطفال الصغار في هذا الحديث علنًا، دون مراعاة لأعمارهم ووعيهم أو نفسيتهم وما ستخزنه ذاكرتهم.. فكيف تكون هذه المجرمة أم؟!

تذكرت جميع المقولات والعبارات التي كنا نسمعها ونتعلمها، ونرددها ونحفظها ونخشاها منذ كنا صغارًا، أمك ثم أمك، إلاّ الأم، الجنة تحت أقدام الأمهات، الأم صانعة الأبطال، لا تقل لها أُفّ، دعوة الأم مستجابة، الأم مدرسة إذا أعددتها…، اللي من غير أم حاله يغُم، وغيرها من العبارات والأشعار التي صنعت من (أُم) لقبًا تطمح إليه الكثيرات، للحصول على مميزاته والاحتماء بحصانته دون التفكير في استحقاقهن له من الأساس.

نعم يوجد مثل “هبة” الكثيرات، كم من امرأة تخلت عن أبنائها طواعية وتركتهم ليواجهوا حياة لن ترحمهم؟ كم من امرأة حملت وأنجبت فقط لإثبات قدرتها على الإنجاب أو حتى لا يتركها زوجها ثم تلقي بوليدها بين مرضعة أو مربية؟ كم من امرأة تستغل أطفالها لطلب مساعدات مادية أو تسخيرهم معها للعمل أو لكسب تعاطف الناس؟ كم من امرأة صبت غضبها على بناتها  فآذت وعذبت وختنت؟ كم من امرأة أفرغت في أطفالها كامل عقدها ومشكلاتها النفسية؟ ألم نرَ أمهات يفرقون بين أبنائهم ويفضلون أحدهم على الآخر؟ ألم نسمع عن الأمهات اللاتي لا يؤثرن أبنائهن على أنفسهن؟ ألم نُصعق من الأم التي علمت بتعرض ابنتها للتحرش من زوجها الثاني وغضّت الطرف؟! هل ندرك حقًا كيف صنع كل هؤلاء أجيالًا من المجرمين والمعقدين والمرضى النفسيين؟

أن تصبحي أمًا معناه أنك ستلدين إنسانًا لم يكن ليأتي بمفرده ولم يرغب أن يكون موجودًا من الأساس، وهذا يجعل على عاتقك – مدى الحياة – مسؤولية جعل طفلك إنسانًا أفضل منك في كل شيء حتى يستطيع الاعتماد على نفسه، فما تزرعينه فيه اليوم تجنين ثماره غدًا، أما إن كنت لا تعرفين كيف تصبحين أمًا.. فأرجوكي لا تجلبي بائسًا آخر إلى هذا العالم.. فهو بالفعل مليء بالبؤساء.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة