بين زحام الإجراءات وتأجيلها.. أزمة العبور الجنسي في مصر

يُعرف العبور الجنسي لدى العامة أنه الشخص ذو الهوية المختلفة عن نوعه المسجل عند ميلاده. والعبور الجنسي موجود في المجتمعات منذ القدم وقد طور العالم الألماني ماجنوس هرشفلد مفهوم العبور الجنسي عام ١٩١٠، فعرفه أنه “عبور جنسي” وقد أنشأ مؤسسة في برلين وأجرى فيها أولى عمليات تغيير الجنس الذي لم يكن ملحوظا حتى عام ١٩٤٩ بينما ظهر مصطلح ترانسجندر عام ١٩٧١.

في يومنا الحالي وفي مصر يعاني العابرون جنسيا من التمييز سواء من المجتمع أو المنظومة الطبية أو من القانون الذي لا يعترف بالنوع الإجتماعي، فنرى المجتمع يمارس التنمر على العابرين جنسيا وتظهر عبارات مثل “يا واد يا بت” وغيرها، بالإضافة إلى متطلبات الحياة اليومية كاستخدام دورات المياه في الأماكن العامة، فقد يتم منع امرأة عابرة جنسياً من استخدام دورة مياه مخصصة للسيدات، أو منعها من الكشف لدى طبيبة أمراض نساء خاصة وإن قررت المريضات الأخريات الامتناع عن الحضور في وجود امرأة عابرة جنسياً. وفي مصر يستخدم الإعلاميون قضية العبور الجنسي كمادة للسخرية وقد يستضيف الإعلاميون العابرين جنسيا لتحقيق مشاهدات أعلى نتيجة السخرية من الضيف وليست كمادة تناقش حقوق مواطنين ذوي قضية قائمة منذ أزل التاريخ.

وفي مصر تتطلب إجراءات العبور الجنسي معاناة ووقتا يصل لسنوات بالإضافة إلى البيروقراطية وعدم احترام القائمين على الإجراءات لخصوصية الأفراد. في الأعوام بين ٢٠١٣ و ٢٠١٧ كان هناك ٣١ وافداً من العابرين جنسيا على نقابة الأطباء، ورغم ذلك ظلوا على قوائم انتظار طويلة بسبب تأجيلات مستمرة في الإجراءات وانتظار رأي الدين، بالإضافة إلى شرط العلاج النفسى لمدة عامين حتى يتم تقرير مصير الحالة، وهو الأمر الذي اعتقد البعض أن إسقاطه كان ليجعل الإجراءات أكثر سهولة، وهذا أيضاً بموجب نص توجيهات مفوضية المساواة وحقوق الإنسان على أن تغيير الصفات الفسيولوجية أو أي خصائص تتعلق بالجنس هو عملية شخصية وليست طبية. وقد كان في انجلترا بعض التكهنات مسبقاً بشأن إسقاط شرط التشخيص الطبي وأن يستند تغيير الجنس إلى التحديد الذاتي للهوية الجندرية وقد تم تمديد المشاورات لما أثارته من جدل وانتهى الأمر بتسريع وتيرة الإجراءات وتخفيض رسوم التقديم.

تنظر الدولة للعبور الجنسي على أنه تصحيح للجنس وليس تغييره، مما يؤدى إلى إشكالية جديدة فقد يقع العابر جنسياً تحت المساءلة القانونية لتغييره الجنس بدلاً من تصحيحه. وأحياناً ينتج عن بطء الإجراءات، إجراء عملية تغيير الجنس في عيادات أو مستشفيات خاصة بتكلفة باهظة وقد يتعرض الطبيب أيضا للمساءلة القانونية بموجب المادة ٢٤٤ من قانون العقوبات فيعاقب الطبيب على خلفية التسبب في عاهة دائمة مما أدى إلى قلة الأطباء القائمين على عمليات تغيير الجنس.

أما بالنسبة للعابرين جنسياً فتتم ملاحقتهم من السلطات القانونية بتهمة نشر الفسق والفجور أو الدعارة فتنظر لهم على أنهم رجالاً يرتدون ملابس نسائيه أو العكس . هنا يؤخذ بالأذهان إلى تساؤل آخر، فهل يتم إيداع امرأة عابرة جنسياً فى زنزانة نساء أم رجال؟ فهل يؤخذ بهويتها أم ببطاقة هويتها المذكرة؟ بالطبع تودعها الدولة في زنزانة رجال وتلقى مصيرا غير عادل حتى يتم الإفراج عنها.

يبدو أن المنظومة التى يضطر العابرون جنسياً اللجوء إليها مهينة ولا تحترم حقوق الفرد ولا خصوصيته، وهنا يجب أولاً تدريب كوادر على إحترام الخصوصية وتقدير الآخر مما يترتب عليه تفهم حساسية موقف المجتمع من العبور الجنسي واحترام آدمية العابرين جنسياً. من العاجل أن تبحث السلطة التشريعية نحو قوانين تعترف بالنوع الإجتماعي وتنظر إليه بجدية ينتج عنها تنظيم وتسهيل إجراءات العبور الجنسي لتشمل نوعا من التعاطف والاحتواء للعابرين جنسيا كأفراد في المجتمع بالإضافة إلى تفعيل قوانين أخرى تحميهم من العنف والتنمر. هناك دول كإنجلترا واسكتلندا قد قاموا بالفعل بتسهيل وتيرة الإجراءات وقد يجعل هذا تجربة مصر أكثر مرونة إذا تم النظر في التجارب السابقة. العابرون جنسياً مواطنون مصريون وأفراد يجب دمجهم في المجتمع عن طريق توفير فرص عمل لائقة بدلاً من عدم ترحيب المؤسسات لهم الذى ينتج عنه قلة فرص العمل المتاحة وقلة الدخل، بالإضافة إلى ضرورة دمجهم في منظومة التأمين الصحي

وأخيراً، تقول جونو داوسون – كاتبة إنجليزية – فى مقالها “لم أعد اتناقش حول حقوق العابرين”: الذعر الأخلاقي الحالى يناقض حقيقة أن الأشخاص العابرين جنسياً موجودون منذ بداية التاريخ..  لا يجب أن يضطر شخص عابر جنسياً لأن يشرح نيابة عن مجتمع كامل أنه لا يمثل خطراً.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة