الهوية الجندرية من «منظور عربي»

هوية الإنسان تتعدد فى مختلف المجتمعات البشرية، ورغم هذا التعدد والاختلاف والتنوع المتباين في الثقافات والأفكار تدل دائمًا على أن الإنسان الحقيقي هو عدو الفقر المعرفي والجهل، ويرفض أي نوع من أنواع التمييز، سواء التمييز على اختلاف العقائد الفكرية أو الدينية أو الجنسية، ولكن عندما نرى الإنسان يحدث عداوة ويمارس التطرف بكافة صوره مع كافة المختلفين معه نتأكد أن هذا هو ما يتعارض مع الإنسانية الشاملة والواضحة بمعانيها السامية.

وبناء على ذلك أوضح أن الإنسانية هي الهوية الحقيقية التي تميزنا عن كافة المخلوقات، وسوف أتناول في حديثي معكم خلال هذا المقال الهوية الجندرية من منظور عربي.

في البداية أوضح لماذا النوع الجنسي أصبح موضوع ملح في بلداننا العربية، وذلك لأنه كلما اتسعت دائرة المجتمع وزادت الأدوار بين الجنسين ازداد العمر، رغم أن كل واحد في هذا المجتمع إنسان مستقل، وأن الاصل هو وجود الترابط بين الأفراد.

ولكن نلاحظ في مجتمعاتنا التمييز والعنف ضد النساء لكونهن نساء، وهذا تطرف وعنف تتصف به هذه المجتمعات، وبالرغم من محاولات وامتيازات التمكين التي حصلت عليها النساء، سواء التمكين الاقتصادى بإتاحة فرص عمل لها ووصولها إلى مناصب قيادية بمنسوب مناسب في بداية طريق التمكين الحقيقي، لا زالت هناك تفرقة جسيمة في أغلب البيئات المجتمعية وفقًا لنوع الجسد، والنساء لهن النصيب الأكبر في تلك الفروق.

وهذا التمييز لكونها أنثى، وكأن ذلك النوع «وصمة عار» لصاحبه، رغم أن العنف والتمييز القائم على النوع الاجتماعى انتهاكًا لحقوق الإنسان، لأنه يمنع الحق في الحياة والأمان في الحياة، وهي حقوق منصوص عليها دوليًا وفقًا للمادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن: «يولد الناس أحرارًا ومتساوون في الحقوق والكرامة»، وتوفير فرص الأمان والمساواة في الحقوق وحقها في عدم الاعتداء عليها بأي وسيلة من الوسائل اللا إنسانية.

إن حقوق الإنسان تعمل على احترام كرامة الإنسان أيًا كان لونه أو عرقه أو جنسه أو معتقده، من دون أي تمييز، وبرغم ذلك نجد أن الفتيات والنساء في كافة المجتمعات وخاصة المجتمعات العربية يتعرضن للعنف القائم على النوع الاجتماعى بدرجة كبيرة للغاية، لذلك أؤكد على أن عدالة النوع الاجتماعى من أسس التنمية الإنسانية، والتي تعني توسيع اختيارات البشر وإتاحة الفرص لهم بأن يحيوا حياة مناسبة لإنسانيتهم، كالتعليم الجيد والعمل المناسب والصحة الجيدة، وأن يعيشوا في مستوى مناسب، بالإضافة إلى إتاحة فرص المشاركات السياسية بكامل الحرية في الرأي والتعبير، وغير ذلك من أمور هامة تتطلبها النفس البشرية، وبشكل خاص المرأة العربية لأنها من الفئات الأكثر عرضة للتمييز لكونها امرأة، رغم كافة المواثيق والاتفاقات الدولية والقوانين والدساتير في أغلب البلدان العربية، والتي أقرت جميعها مبدأ المساواة بين الجنسين، ولكن هنا تلعب الثقافة الذكورية السائدة في المجتمعات العربية دورًا هامًا في فرض سيطرتها من جانب اضطهاد النساء في كافة نواحي الحياة، لذلك تظل حقوق المرأة اجتماعيًا واقتصاديًا فرصًا محدودة، وتستمر في المعاناة من مواقف اضطهاد وتمييز كثيرة.

لذلك يجب توفير عدالة بين الجنسين فى المجتمعات العربية، ويجب أن تحصل المرأة على دعم مناسب لها كأمراة تمثل نصف المجتمع، وأن ترفع من عليها كافة القيود، سواء عن مشاركتها في الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، مع تعزيز تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في كافة القطاعات العامة والخاصة، وتعميم مفهوم الجندر في الخطة العامة لكل قطاع من هذه القطاعات، مع ضرورة خلق فرص عمل جيدة للنساء ودعمهن بمشروعات تمكنهم اقتصاديًا لكي تكتمل الحياة العادلة لهن، فلا توجد عدالة اجتماعية بدون عدالة جندرية.

كما يجب دمج النساء فى كافة نواحى الحياة، فالنساء كن من أوائل المطالبين بالعدالة الاجتماعية في المنطقة العربية، وكان لهن دورًا كبيرًا في كافة الثورات العربية. والنساء حرائر مثل الرجال، ولا يمكن استغلالهن فى سوق العمل من قبل السلطات الأبوية الذكورية، لذلك أقرت منظمة العمل الدولية عدة ضوابط لإتاحة مناخ عمل لائق للنساء، وتشمل استحداث فرص العمل وإعادة هيكلة المؤسسات بمعايير الحماية الاجتماعية وعدالة الحقوق في العمل، وذلك لتوفير عدالة اجتماعية وإنسانية والعمل فى بيئة آمنه مع الرجال.

أعلم أن الطريق ليس سهلًا أمام تحقيق هذه العدالة، ولكن نلاحظ ضعف الثقافة الذكورية مرة بعد الأخرى منذ أن طالبنا بتحقيق مبادىء المساواة، فأصبحنا نرى كل يوم ارتفاع مناسب في مناصرة النساء بعدد من حقوقهن وتفكيك أي خطاب ذكوري، وكل ذلك تم من خلال توعية ونقاشات مجتمعية، بالإضافة إلى تعديل عدد من القوانين والسياسات العامة التي تخص النساء في نواحي عديدة، وأيضًا دور المنظمات والروابط النقابية في تحقيق ذلك التغيير، ولكن ينقصنا التكامل والتعميم في التغيير، وذلك بتحقيق عدد من المطالب، بينها:

– ضرورة مراجعة الحكومات العربية لتشريعاتها المرتبطة بالقضاء على أشكال التمييز في النظام القانوني، بما في ذلك كافة القوانين والأحكام المتناقضة في تلك القوانين، وإدراج القواعد والاتفاقيات الدولية بشأن المساواة بين الجنسين كجزء لا يتجزأ من الإطار التشريعي الوطني، مع مراعاة وضع أسس وآليات لرصد مدى التزامها بتلك القوانين الدولية.

– ضرورة توافر الآليات المؤسسية على الصعيد العربي التي تسمح للنساء بكافة الضمانات في توفير العدالة.

– ضرورة تحديد كافة السبل التي يمكن للنساء من خلالها الاستفادة من المبادىء والأحكام المنصوص عليها في التشريعات الوطنية، لضمان حقوق النساء القانونية.

– ضرورة تعديل التشريعات الوطنية لتتوافق مع الأسس والآليات التي تحقق العدالة بين الجنسين، وإلغاء التمييز على أساس الجنس، فلابد من تطبيق المسائلة لضمان تحقيق هذه العدالة بشكل عملي، بتوفير كافة الإجراءات المطلوبة في تنفيذ ذلك بشفافية تامة، وتعزيز القدرات المؤسسية ومبدأ التكافؤ بين الجنسين باحترام سيادة القانون.

– ضرورة التصديق على اتفاقيات منظمة العمل الدولية وتوفير خطة متكاملة بآليات تطبيقها.

– ضرورة إنشاء قانون متكامل للقضاء على العنف ضد النساء.

– ضرورة العمل على توجيه المشاريع وقطاع الأعمال والنقابات بإعادة تقسيم الأدوار للسماح بإقامة علاقة شراكة بين النساء والرجال داخل المنزل وخارجه، وإتاحة كافة الفرص بالتساوي العادل، والتمكين في اختيار الأنشطة الاقتصادية من خلال سياسات وتشريعات مناسبة، مثل توفير دور حضانة لهم في أماكن العمل ومنح الرجال والنساء إجازات رعاية الطفل.

– ضرورة العمل على خطة وطنية لرفع الوعي المجتمعي العربي بقضايا المساواة بين الجنسين في كافة المجالات.         

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة