الخرس الزوجي أخطر من الشجار

“صحيت من النوم قلتله عايزة أتطلق”

كانت هذه هي الجملة التي بررت بها طلب الطلاق بعد علاقة زواج دامت 4 سنوات، وعندما سألتها “لماذا؟”، كان ردها “معرفش.. حسيت اني في المكان الغلط ومع الشخص الغلط وفي الوقت الغلط”

نهايه حوار دار بيني وبين احدي صديقاتي، التي كنت أحسب أنها تعيش أجمل أيام عمرها، كانت هي المثل الأجدر بالاتباع بين صديقاتنا، عن علاقتها بزوجها التي لا يعكر صفوها شئ أبدا، كنا نري صورها هي وزوجها علي السوشيال ميديا ونتغني بجمال هذه العلاقة، ولكن دائما ما كان هناك كواليس لا تظهر أمام الكاميرات ولا نتغني بها أمام الملأ.

قالت لي “لم نعد نتشاجر، فأنا لم أجد داعي للكلام والعتاب، وهو لم يعد يراني، صمتنا و استمر صمتنا حتي تحول إلى خرس، والخرس الي هدوء ومناقشات حول الأولاد واحتياجاتهم، وهنا تذكرتك وأنت تقولي أنا لن أحتمل أن أتزوج وأصاب بالخرس الزوجي، اذا حدث ذلك لي يوما سأغادر هذه العلاقة، فالبيوت الصامتة، قبورا صامتة، و يومها طلبت الطلاق حتي يعود لي صوتي.

بطله قصتنا اليوم هي فتاة تبلغ من العمر 32 عاما، كانت تعمل بإحدي الشركات المرموقة، ولكن كانت دوما تقول أنا لا أقوي علي فعل شيئان في أن واحد، اما العمل أو البيت، سأتزوج وأتفرغ لتربية أطفالي ولبيتي، مثل أمي، لا أشعر أني سأقوى علي تنظيم وقتي بين البيت و العمل، كانت تسكن بيت هادئ، أم مطيعة لا تتفوه سوي بكلمات الطاعة لزوجها، ووضعها له موضع الإله، وأب قوي الشخصية وفي لبيته، لا يبخل بشئ عليها هي وأمها،  أغدق عليها والدها الكثير والكثير من الدلال، دعوني أقول هنا لقد أفسدها دلاله، فكل ما كانت تتمناه كانت تجده، عندما تزوجت اختارت زوج اعتقدت أنه يتسم بصفات والدها، ولكنها هنا لم تكن تدرك أنها ستكون في موضع الأم في هذه العلاقة، لا الابنة، وهناك اختلافات بين الموضعين.

أثبتت الدراسات أن البيئة والتنشئة لكل زوج من الأزواج، تؤثرعلي علاقتهم، فكل منهم لديه لغة مختلفة للحب، وكما قيل عن أحدهم “يبدأ الحب عندما ينتهي الانبهار”.

لم أندهش من طلاقها فقد تنبأت بهذه النهاية منذ زمن بعيد، كانت متسلطة تبحث دائما عن الانتصار في شجاراتهم، وكانت دائما ما تتباهي بكونها الرابحة، أما هو فكان يأبي أن يتحول لنسخة من أبيه،  الشخص الذي تميز بخشونة طباعه مع الجميع.

 عندما انتهت من سرد ما حدث معها، قلت لها كتب الكتاب والمعالجين النفسيين عن كل شئ في العلاقات ولكنهم اغفلوا ثقافة الخلاف والخناق، أثبتت الدراسات أن العلاقات التي لا تحدث بها شجارات فهي علاقات احتمالية فشلها كبيرة، كذلك العلاقات التي تحدث بها مشاكل وخلافات كثيرة، وعليه فهنا نسال السؤال الاهم علي الاطلاق هل هناك “خناقات” بين الأزواج ايجابية وسلبية ؟

الإجابة هنا هي نعم، يوجد خناقات ايجابية وأخري سلبية، يقول الطبيب النفسي مارك بورغ “إن الغياب التام للخلافات بين الزوجين ليس ظاهرة صحية، حيث إنه يعني أن أحد الطرفين ليست لديه الثقة الكافية لإظهار اختلافاته في الرأي، لذلك فإن هذا الأسلوب ليس هو الحل المناسب، وفي المقابل، ليس من السهل الالتزام بالنقاش الهادئ والرصين، إلا أن هذه تمثل مهارة يجب أن يطورها الإنسان مع مرور الوقت”.

وعليه فان الخلافات بين الازواج هي أساس يجب البناء عليه، تفريغ الطاقة السلبية تبني جسور جديدة للعلاقة، الا أنه بشكل عام كلا الطرفين يهتمون أكثر بمدى ربح أحد الطرفين، وهنا يكمن جوهر كل علاقة، من منا مستعد أن يخسر جوله ولكن يربح شريك حياة؟! ، من منا لديه ثقافة الخلاف؟!، ليس بالضرورة أن نكون شخصين متطابقين، ولكن الضرورة أن نكون متفاهمين.

للشجار الايجابي العديد والعديد من الميزات، علي سبيل المثال لا الحصر:

دليل للنضج

دليل علي الاهتمام

يخفف الاستياء

يقرب وجهات النظر

ينجح العلاقة

يرسخ ثقافة الاعتذار

ولكن لكي نصل لفكرة الخناق الايجابي يجب أن نركز علي فكرة أننا شخصين مختلفين تجمعنا علاقة، ليس بالضرورة أن يتشابه طرفيها، وإن كلا منا طرف في معادلة مختلفة عن غيرها، وناتج لمعادلة أخري سابقة متمثلة في والدين مختلفين وبيئة مختلفة.

 وهنا أنا لا أدعو للخلافات وأحلل وجودها، ولكن بعيدا عن أسس اختيار العلاقات والأزواج، وأن يكون بين الطرفين تفاهم ومناطق تفكير مشتركة، الأهم علي الإطلاق أن تجد شخص يمكنك الاختلاف معه وتظلوا معا، لا يؤذيك عمدا في الخصام. أن تكون طباعه وخصاله يمكن التعامل معها.

 الجميع الأن علي دراية بفحوصات ما قبل الزواج الطبية، التي علي الأغلب يتم عملها كنوع من أنواع الورقيات الخاصه بعقد الزواج، لكن رغم كونها مهمة إلا أن الأهم علي الإطلاق هو الخضوع لاختبارات نفسية، للتأكد من مدي توافق الزوجين وخلفيات النشأة والبيئة، التي أتي منها كل فرد، الحب والتوافق الاجتماعي والمادي لا يظهرون العقد النفسية التي تستتر خلف حلاوة البدايات، وفي الواقع سأستخدم مصطلح “الريد فلاج” هنا كعلامة علي تجاهلنا لعلامات تدل علي أن هذه العلاقات لن تنجح ولن تؤتي ثمارها.

علي سبيل المثال، شخص أعجب بفتاة، اجتماعية متكلمة ذات شخصية قوية، ليحولها لشخص انطوائي بكثرة نقده لتصرفاتها أمام العلن، ووصفها بالجهل بعض الأحيان، ينتج عن هذا التصرف تدمير ثقتها بنفسها واحساسها باحتمالية صواب رأيه وتتحول هنا لخاضعة. علي العكس فتاة متسلطة تقترن بشخص نشيط حيوي متعاون تحوله لشخص اتكالي يعتمد عليها في كل شئ، حتي إنه لا يستطع أن يجد قناته الرياضية بدون أن تجدها هي، في البدء كانت معجبة باعتماده علي نفسه، لكنها هنا جاءت من معادلة لأبوين أحدهم متسلط ومسيطر والأخر اتكالي.

 هذه العلاقات لن تنجو، وإذا بحثنا سنجد العديد والعديد منها حولنا، ربما كنت أنت نتيجة معادلة مختلفة أثرت بك بشكل أو بأخر، اضافة خصال أو إزالة خصال في شخصيتك. لن نعلم نحن ذلك، لكنك الأن تعلم،  فاذا كنت لم تخطو تجاه شخص أخر خطوة الارتباط،  فعليك أن تقترح أن تناقشوا معادلاتكم سويا، ليعلم كل منكم الأخر، وأنا سأقترح أن تختلفوا بصوت عال، ليعبر كلا منكم عن نفسه حتي يراه الأخر، وإذا لاح في الأفق لون أحمر، يمكننا هنا الهرب سريعا، قبل أن نوجد أطفال لا ذنب لهم، غير أنهم نتاج معادلات أخرى.  في حالة وصلنا لمرحلة الصمت والخرس الزوجي سنجد الكثير والكثير منا يستيقظون علي كلمة “طلقني”.  

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة