الفضل لديونيسيوس الصغير

0
228
Google search engine

عندما احتُلت مصر من قبل الإمبراطورية الرومانية استفاد الرومان من علوم المصريين القدماء الفلكية، فأمر الإمبراطور يوليوس قيصر بتعديل التقويم الروماني القديم بالتقويم اليولياني، وذلك بمساعدة عالم الفلك السكندري سوسيجنيو. وجاء التعديل بجعل السنة العادية 365 يومًا، والكبيسة 366 يومًا، وتكون سنة كبيسة كل أربع سنوات، وهو ما يعادل طول السنة الشمسية، وجعل عدد أيام الأشهر الفردية 31 يومًا، والزوجية 30 يومًا، ماعدا شهر فبراير، فيكون في السنة العادية 28 يومًا، وفي الكبيسة 29 يومًا.

تم العمل بذلك التقويم اليولياني عام 45 قبل الميلاد، وتم تعديله مرة أخرى حيث سمي الشهر السابع باسم يوليوس قيصر، فصار اسمه يوليو، ثم في سنة 33 ق.م سمي الشهر الثامن باسم القيصر أغسطس «أكتافيوس»،  وحتى لا يكون شهر يوليس «يوليو» أكبر من شهر أغسطس «أكتافيوس» تم إضافة يوم  للشهر الثامن على حساب شهر فبراير، ثم تم تعديل شهر سبتمبر من 31 يومًا إلى 30 يومًا، حتى لا تتوالى ثلاثة أشهر بنفس الطول – يوليو وأغسطس وسبتمبر-  فأصبح سبتمبر 30 يومًا، وأكتوبر 31 يومًا، ونوفمبر 30 يومًا، وديسمبر 31 يومًا.

ولكن في الواقع إن السنة تتألف من 365 يومًا و5 ساعات و49 دقيقة، بمعنى أنها تقل فعليًا عن السنة في التقويم اليولياني «11دقيقة»، ويعني هذا أن يتقدم التقويم اليولياني عن الواقع يومًا واحدًا كل 131 سنة تقريبًا، ويتقدم 3 أيام كل 393 سنة. ولذلك قرر بابا الفاتيكان جريجوريوس الثالث عشر أن يتبنى رؤية عالمي الفلك أليسيوس ليليوس وكريستوفر كلافيوس، وخاصة بسبب تخوفاته من تغير موسم عيد الفصح الذي يجب أن يكون في الربيع، وبناءً عليه أصدر مرسومه البابوي بتعديل التقويم اليولياني، على أن تحذف 10 أيام من التقويم، ويتقدم التقويم من يوم 4 أكتوبر 1582 إلى يوم 15 أكتوبر 1582، ويضاف يوم كل 4 سنوات لكل سنة يقبل رقمي الآحاد والعشرات فيها القسمة على 4، تمامًا كما هو الحال في التقويم اليولياني، ويستثنى من ذلك السنوات المئوية التي لا تقبل القسمة على 400، مثل 1700 و 1800 و1900 و2100، حيث تكون كلها سنوات بسيطة، في حين تكون السنوات المئوية القابلة للقسمة على 400 هي فقط السنوات الكبيسة، مثل 1600 و 2000 و 2400.  ولولا مكانة البابا الدينية ما كان سيتم رفض ذلك التعديل من قبل جموع المواطنين، ولذلك قاومت الدول غير الكاثوليكية هذا التقويم، حتى استقر الأمر عليه في القرن العشرين، فقبلته كل الدول مدنيًا، ولكن القيادات الدينية لم تقبله في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنائس الأرثوذكسية الرومية، واستمروا على استعمال التقويم اليولياني الذي أصبح الفرق بينه وبين التقويم الجريجوري حاليا 13 يومًا، لذلك فحسب التقويم الجريجوري المستعمل يعيد المسيحيون الشرقيون في 7 يناير، مع أن الجميع يعيد في 25 ديسمبر.

وفى القرن السادس الميلادي نادى الراهب الإيطالي ديونيسيوس أكسيجونوس «ديونيسيوس الصغير» بحتمية أن تكون السنة – وليس اليوم- التي ولد فيها المسيح هى سنة واحد، وكذلك بتغير اسم التقويم الروماني ليسمى بالتقويم الميلادي، باعتبار أن المسيح ولد عام 754 لتأسيس مدينة روما بحسب نظريته، وفي عام 532 ميلادية – أي 1286 لتأسيس روما- بدأ العالم باستخدام التقويم الميلادي بجعل عام 1286 لتأسيس مدينة روما هي سنة 532 ميلادية، وإن كان العلماء قد اكتشفوا فيما بعد أن المسيح ولد حوالي عام 750 لتأسيس مدينة روما وليس عام 754، ولكنهم لم يغيروا التقويم حفاظًا على استقراره بعدما انتشر في العالم كله وقتها، وهكذا أصبح التقويم الميلادي هو السائد في العالم.

ومصر من أول الحضارات التي استخدمت التقويم، لما له علاقة بمواسم الزراعة والحصاد وتنصيب الملوك وغيرها من المناسبات، وبدأ العمل بالتقويم المصري من سنة 4241 ق.م، حتى جاء عهد يوليوس قيصر الذي كلف الفلكيين السكندريين – حوالي سنة 45 ق.م-  بضبط التقويم الروماني على حسب التقويم المصري، وسمي بالتقويم اليولياني. وبداية من سنة 284 ميلادية اعتمدت الكنيسة المصرية التقويم المصري، وهي سنة الشهداء المسيحيين، وسمي التقويم باسم «تقويم الشهداء»، وبعد دخول العرب مصر سمي بالتقويم القبطي، وفي عهد محمد علي باشا سنة 1839 ومع تحديث الإدارة صدر قرار باعتماد التقويم المصري أساس لأعمال الحكومة، ولكن تحت مسمى «التقويم التوتي»، نسبة لأول شهر من شهوره «توت»، وفي نهاية عهد الخديوي إسماعيل وبسبب تراكم الديون وتحكم وسيطرة الإنجليز في الإدارة المالية في مصر أصروا على إلغاء التقويم التوتي، فصدر سنة 1875 قرار اعتماد التقويم الميلادي، واعترض الموظفين وقتها بشكل كبير كاد أن يصل لثورة على تغيير التقويم، وكان الاعتراض ليس تمسكًا بالتقويم الوطني، إنما كان السبب أن قبضهم نقص شهرًا كاملًا لأن التقويم التوتي من 13 شهر، بإضافة الشهر الصغير «5 أيام» يقبض عليه قيمة شهر كامل، فراوغوهم الإنجليز وصرفوا لهم مكافأة تعويض أول سنة، حتى هدئت الاعتراضات وتم العمل بالتقويم الميلادي في مصر من وقتها وحتى الآن.

مصدرشادي العدل
المقالة السابقةصورة على الحيطة (أب ولكن)
المقالة القادمةهل يتم تفريغ الحوار الوطني من مضمونه؟!

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا