شعاران في احتجاجات المحامين

0
202
Google search engine

هناك شعاران مرفوعان في حراك المحامين الرافض لرقمنة الفواتير، وفقًا لقانون الإجراءات الضريبية الموحد الصادر سنة 2020، يستحقان النقاش، وهما: (أنا محامي مش تاجر) و(المحاماة رسالة).

أختلف مع الشعار الأول، لكن الشعار الثاني أجد فيه وجاهة، خاصة في سياق الحديث عن الضرائب والرسوم. أختلف مع الشعار الأول لأن أي شخص يقدم خدمة هو مثل التاجر الذي يبيع سلعة، فكل أصحاب المهن الحرة يبيعون الخدمات للناس٬ ويكسبون دخولهم من بيعها، لا يوجد فرق هنا بين المهني الذي يبيع خدمة مستندًا إلى مهاراته الذهنية وتعليمه الجامعي٬ والصنايعي الذي يبيع سلعة أو خدمة مستندًا إلى عمله اليدوي، وتعلمها في مدرسة للتعليم الفني أو على يد أسطى٬ والتاجر الذي يبيع سلعة اشتراها أصلًا من عامل أو فلاح أو تاجر آخر.

لهذا كلنا مطالبون بدفع ضريبة على الدخل، لكن يجب أن تتسم ضريبة الدخل بالعدالة، فقانون ضريبة الدخل وتعديلاته يفتقر للعدالة، خاصة مع ازدياد صعوبة ظروف المعيشة، وضئالة الحد الأدنى للإعفاء من ضريبة الدخل في ظل ظروف المعيشة (30 ألف)، والفرق بين أعلى شريحتين ضئيل أيضًا (22.5٪ لمن تتراوح دخولهم بين 200 ألف و400 ألف سنويًا) و(25٪ لمن يتجاوز دخله 400 ألف). ويعني هذا أن الفرق في سعر الضريبة بين من يكسب 16 ألف في الشهر (200 ألف في السنة)، ومن يكسب 83 ألف في الشهر (مليون جنيه في السنة) بسيط جدًا. وتتحقق العدالة هنا بتصاعدية الضرائب ومعقولية تحديد شرائحها، بحيث لا يتساوى المحامي أو الطبيب محدود الدخل بالمحامي أو الطبيب شديد الثراء٬ ونفس الأمر بالنسبة لباقي الفئات.

أما الشعار الثاني فله وجاهة ومن وجهة نظري٬ لأن هناك بالفعل مهن ترتبط بتمتع المواطنين – مستهلكي السلع والخدمات- بحقوقهم الدستورية، أو ترتبط بأهداف التنمية، أي برسالة ما كما يقول الشعار، ومن هذه المهن المحاماة. لا يعني هذا المطالبة بإعفاء المحامين من ضريبة الدخل بالطبع، وإنما بإعادة النظر في فرض ضريبة القيمة المضافة على خدمات المحاماة

قانون ضريبة القيمة المضافة الذي تم تبنيه عام 2016 وحل محل قانون ضريبة المبيعات فرض ضريبة على الخدمات بنسبة 10٪، وعلى السلع بنسبة 14٪. يرفع هذا القانون سعر الخدمة والسلعة على المستهلك، ولا يدفع مقدم الخدمة الضريبة – على عكس ضريبة الدخل- فهو مجرد مرسال بين المستهلك والدولة – يحصلها من المستهلك ويوردها للدولة- لكنه يتأثر بهذه الضريبة أولًا، لأنه يتحمل عبء إداري إضافي، وثانيًا لأن خدماته تصبح أغلى، وبالتالي سيقل الطلب عليها.

يتعلق العبء الإداري بضرورة تقديم مقدم الخدمة إقرارًا شهريًا بمعاملاته وحصيلة القيمة المضافة منها – حتى لو كانت صفرًا- وتوريد الحصيلة الشهرية للمصلحة، وهناك غرامات ضخمة في حالة التأخير٬ في حين أن أصحاب المهن الحرة كان مطلوب منهم سابقًا تقديم إقرار ضريبة الدخل السنوي فقط. أما بالنسبة لارتفاع تكلفة الخدمة ومن ثم التأثير على مكسب مقدمها٬ فالأمر لا يتعلق بسعر ضريبة القيمة المضافة على الخدمات فقط (10٪)، وإنما بعدم وجود حد أدنى لخضوعها للضريبة، وبالتالي٬ مطلوب من المهني الذي يقدمها أن يضيف 10٪ لأي فاتورة يقدمها لعميل أو زبون، من دون حد أدنى لقيمة حصيلته السنوية٬ في حين أن التاجر الذي يبيع سلع لا يتم تسجيله في ضريبة القيمة المضافة إلا لو بلغت مبيعاته السنوية 500 ألف جنيه.

وقد حققت ضريبة القيمة المضافة للدولة هدفين: الأول هو مبلغ الضريبة نفسه، والثاني تسهيلها لمكافحة التهرب من ضريبة الدخل، حيث يمكن لمصلحة الضرائب المقارنة بين إقرار ضريبة القيمة المضافة الشهري وإقرار ضريبة الدخل السنوي ورصد أي تباينات، لكن هذا بالطبع أنجح بالنسبة لمن يبيعون خدماتهم لجهات مسجلة هي الأخرى في منظومة القيمة المضافة يطلبون منهم فاتورة٬ لكنه غير مفعل تقريبًا بالنسبة لفئات من المهنيين يندر أن يطلب منها الزبون فاتورة أصلًا، مثل الأطباء والمحامين.

توسع القانون في فرض ضريبة القيمة المضافة على الكثير من الخدمات، بعضها محل جدل كبير ويحتاج إلى نقاش، وبالفعل تعرضت قائمة السلع والخدمات المعفية من الضريبة – أو تخضع لكن بنسبة 0٪- إلى عدة تعديلات منذ إصدار القانون٬ ومن الخدمات المعفاة من تطبيق ضريبة القيمة المضافة: الخدمات الطبية ما عدا التجميل، وتصدير الخدمات تشجيعًا للتصدير وجذبًا للعملة الأجنبية٬ وخدمات التأمين والنقل، عدا النقل السياحي٬ وخدمات التعليم٬ وخدمات إنشاء وصيانة دور العبادة٬ وخدمات المكتبات٬ وخدمات المتاحف٬ وخدمات الفنون التشكيلية٬ والتأليف الأدبي والفني٬ والخدمات الزراعية٬ وخدمات دفن الموتى. ومن بين السلع المعفاة مستلزمات الإنتاج الزراعي.

وبالنسبة للأندية الرياضية٬ تعفى الاشتراكات السنوية من ضريبة القيمة المضافة، لكن اشتراكات الأعضاء الجدد تخضع لها. وقد كان هذا محل جدل كبير داخل البرلمان والأندية، وبين الأندية ووزارتي المالية والرياضة، وأظن – والله أعلم – أن جزءًا كبيرًا من شعبية مرتضى منصور بين الأعضاء الجدد في نادي الزمالك الرياضي – رغم ممارساته السيئة مع الأعضاء – هو إعلانه رفض تطبيق الضريبة على اشتراكات الأعضاء المنضمين بعد سنة 2016 وطعنه على هذا.

خدمات ترجمة الكتب والمقالات العلمية والثقافية والدينية مثلًا معفاة أيضًا من ضريبة الدخل، وفقًا لقانون الضريبة على الدخل٬ لكنها تخضع لضريبة القيمة المضافة. لم يكن هذا الأمر واضحًا بالنسبة للكثير من المترجمين في البداية٬ فلم يبادر الكثيرون بتسجيل أنفسهم، وفوجئوا بأنهم أصبحوا مسجلين في منظومة ضريبة القيمة المضافة.

قد يرى البعض أن الانضمام إلى نادي رياضي أو قراءة كتاب مترجم ليس أمرًا مرتبطًا بالتمتع بالحقوق الدستورية٬ لكن لا يمكن أن يجادل أحد أن المحاماة ليست مرتبطة بحق دستوري هو التقاضي، وبالتالي٬ تبدو المناداة بإعفاءها من ضريبة القيمة المضافة منطقية تيسيرًا على المواطنين أن يتمتعوا بالحق في التقاضي. وبالفعل تقدم عدد من المحامين بالطعن عليها، وما زال الأمر منظورًا أمام القضاء. لكن بصراحة لا أتوقع لهذه المسألة حلًا قضائيًا، وفقًا لما رصد في السنوات الأخيرة من رفض الطعون المتعلقة بالقضايا الاقتصادية التي من شأنها أن تكلف خزينة الدولة أموالًا كثيرة.

وعلى أي حال مسألة الضرائب بشكل عام هي مسألة سياسية وتحتاج إلى حل سياسي، لكن للأسف في بلدنا السياسة مكبلة ولا يوجد فيها تجميع وتمثيل للمصالح بالشكل الذي نراه في الدول الديمقراطية، كما لا يوجد لدينا احترام للحق في التجمع السلمي أو التنظيم أو التعبير.

لذلك٬ وبرغم التحفظات الوجيهة على بعض الشعارات التي يرفعها المحامون في حراكهم مثل (أنا مش تاجر)، أو المغالاة في رفض الالتزام بالفواتير تمامًا، بدلًا من رفض التكلفة الباهظة للتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية٬ فحراكهم هام جدًا لأنه طرح قضايا جوهرية مرتبطة بالعدالة على النقاش العام في مصر.

الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني هي مجرد أداة لتحسين التحصيل ومكافحة التهرب وليست ضريبة جديدة. هي فقط أظهرت عدم رضاء فئات كثيرة عن منظومة الضرائب ورفضهم تفعيلها ورغبتهم في التهرب منها، وأظن إن هذا سبب الاعتراض الأساسي عليها، بالإضافة إلى اعتراضات أخرى وجيهة مثل ارتفاع تكلفتها بشكل غير مبرر، وأمور أخرى مرتبطة بممارسة المهنة، مثل صعوبة تسجيل المصروفات ليتم اقتطاعها من الدخل الخاضع للضريبة.

هناك أمور كثيرة تتغير في مصر لأسباب عالمية ومحلية٬ وأنشطة وثروات كثيرة لم تكن خاضعة للضرائب وتعمل الدولة – أو ستعمل في المستقبل- على إخضاعها، لأن مساهمتها في الإيرادات كانت محدودة تاريخيًا، وبالمقارنة بدول أخرى في ظروف شبيهة، ومن ذلك العقارات والأطيان الزراعية، ودخول أصحاب المهن الحرة.

وبالفعل ارتفعت حصيلة الإيرادات الضريبية في مصر في السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا. من حيث المبدأ من مصلحتنا كمواطنين أن تمول الدولة الموازنة العامة من الضرائب، بدلًا من أن تلجأ لمزيد من الاستدانة، التي سندفع ثمنها نحن حاليًا، وستدفعها معنا الأجيال القادمة. لكن لكي يحدث هذا نحتاج إلى مجال سياسي ديمقراطي واحترام لحقوق الإنسان، فتكون لكل فئة أو جماعة مشتركة المصالح من الناس تنظيمات نقابية تعبر عن مصالحها، وتتكون أيضًا أحزاب سياسية تقدم برامج وتصورات متكاملة لكيفية إحداث التوازن بين مصالح الفئات المختلفة وفق توجه سياسي واقتصادي معين.

أتذكر مثلًا في 2017 حين شاركت في الحملة الشعبية لمناهضة سياسات الإفقار (عايزين نعيش)، والتي تشكلت بعد التعويم، أنه حدث خلاف بين العمال، وكان مطلبهم زيادة الأجور لمواكبة ارتفاع الأسعار، والمزارعين، وكان مطلبهم زيادة سعر طن المحصول، وقتها كان رأي العمال في الحملة أن زيادة سعر أي محصول زراعي ستنعكس عليهم سلبًا، حتى لو كان المزارع يبيع للحكومة، فالمتوقع هو أن الحكومة ستحمل المستهلك هذه الزيادة لاحقًا.

ذكرني هذا بتعليقات بعض العمال والموظفين على احتجاجات المحامين وغيرهم من أصحاب المهن الحرة، كالأطباء والصيادلة والسينمائيين، وشعورهم بالاستفزاز منهم، على اعتبار أن الموظف مهما كان دخله محدود يدفع الضرائب صاغرًا كل شهر، فهي تقتطع من مرتبه من دون أن يراها.

لم يعد ممكنًا أن تدعي السلطة التي تتحكم في الدولة أنها تمثل مصالح الجميع، وتوفق بشكل أمين ونزيه بينهم٬ وعليها أن تتركهم يعبروا عن أنفسهم ويكونوا تشكيلات تمثلهم نقابيًا وسياسيًا. تضع السلطة أعينها على دخول ومدخرات الطبقة الوسطى، ونسبة كبيرة منهم صاروا من أصحاب المهن الحرة، بعد انسحاب الدولة من مسؤولية تشغيلهم. تلك الطبقة تضغط عليها الظروف الاقتصادية يوميًا، وتدفعها لأسفل.

تقول السلطة إن نسبة كبيرة من أًصحاب المهن الحرة هؤلاء متهربون من دفع الضرائب، وهذا حقيقي، لكن لا يمكن إقناع الناس بأن يدفعوا الضرائب طواعية إلا لو كان النظام معقولًا وعادلًا وسلسًا، ويجب أن يجدوا ردودًا مقنعة على أسئلة مطروحة تخص العدالة، مثل لماذا تم تأجيل تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية على البورصة منذ عام 2014 عام بعد عام حتى وصلنا لعام 2022؟ ولماذا تشجع السلطة الشركات الكبرى على التبرع لصندوق تحيا مصر، وهي التبرعات التي تخصم من الوعاء الضريبي لهذا الشركات؟ وهل ذلك أفضل لإيرادات الدولة من دفعهم ضرائبهم كاملة؟ ولماذا قامت السلطة بتوريط المجتمع في هذا الكم الهائل من الديون الذي يبتلع الموازنة وتريد الآن أن يمولها الناس من دخولهم؟!

قرأت تعليقا لمواطن متذمر من احتجاجات المحامين على أحد المواقع قائلًا: (ما زعلوش على قتل زميلهم في القسم وزعلانين من الفواتير). نعم هذا هو حال الدنيا، الضرائب مسألة ديمقراطية، لتفرضها على الناس عليك أن تتفاوض معهم، فلا يمكن أن تضربهم جميعًا بالرصاص أو تلقيهم كلهم في السجن! هذه مسألة لا يجدي معها القمع مهما بلغت شدته.

أما المغالاة في المطالب والشعارات المستفزة التي يرفعها المحامون أو غيرهم من أصحاب المهن الحرة فأمر متوقع في أي حراك احتجاجي. ومع الممارسة الديمقراطية يمكن أن نتعلم جميعًا كيف نصيغ شعارات غير شعبوية للاحتجاجات، وكيف نصيغ مطالب قادرة على كسب تضامن فئات أخرى في المجتمع وتعظيم المشتركات معها.  

مصدرالهام عيداروس
المقالة السابقةحصاد ملف حقوق الإنسان بمصر 2022.. علاء عبد الفتاح وأيمن هدهود ومطالبات بوقف الانتهاكات
المقالة القادمةفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان وبعد عام من أطلقها .. الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. تحديات وآمال

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا