يابلد ” السيستم واقع ” 

0
161
Google search engine

مع دعوة لإعادة السند الورقي لشهادة البنك

الكاتب كارم يحيى  

بعد التعويم الأخير للجنيه المصري والإعلان عن شهادات جديدة في بنكي “الأهلي” ومصر”، ذهبت إلى فرع البنك الأقرب الذي أودعت فيه كل مدخراتي.  ولعل وعسى أن يسترني عائدها الشهري مع المعاش الهزيل بعد الستين. 

الزحام يفوق ما عرفت وعشت طوال علاقتي مع هذا البنك منذ مطلع التسعينيات، صغار المودعين كحالي في حيرة صحيح الجميع مذهولين “مخضوضين” من انخفاض قيمة الجنيه، ومعه ارتفاع جديد لأسعار السلع الضرورية الأساسية. لكنهم حيارى تائهين بين سحب مدخراتهم وشراء ” أي شيء” على أمل أن يحفظ القيمة وبين تغيير الشهادات ذات العائد الشهري الأقل ذات الثلاث سنوات بالجديدة شهريا أيضا، لكن لعام واحد، ولا يعلم أي كان : وماذا بعده ؟. 

  الكل في مواجهة المجهول مع الغلاء ولا أحد في قراره هذا أو ذاك عنده قدر من اليقين بالآتي،  لكن البيانات الرسمية تعلن بفخر وارتياح وثقة عن بيع بمليارات الجنيهات كل يوم للشهادات البنكية الجديدة ذات العائد السنوي الأعلى، وإلى 18 في المائة وهي في كل الأحوال، لا تقول كل المعلومات وما تبقى من حقائق، فلا أحد يعلم ـ وربما لايحق له أن يعلم ـ ماهي قيمة الشهادات التي قام أصحابها بكسرها لشراء الجديدة؟ وكم من المبالغ تم سحبها من البنوك بعد التعويم الأخير؟.  

   كنت بدوري قد اتخذت قراري وتوكلت على الله أن أكسر الشهادات التي لم يمر على شرائها سبعة أشهر فقط، وأجل استحقاقها هو ثلاث سنوات بعائد سنوي 11 في المائة. هكذا حسبتها قبل أن اتوجه إلى البنك في الصباح الباكر، ليفاجئني كل هذا الزحام. واكتشف أمام موظف البنك بأنني سأخسر 70 في المائة من عوائد السبعة أشهر السابقة. أي إنني سأفقد من مدخراتي في هذه الشهادات مبلغا أنا في غنى عن ضياعه، وسأقنع بفائدة لا تتجاوز 3 في المائة سنويا عن الفترة السابقة مقابل احتباس ما ادخرت لسنوات ما بعد الستين العجاف.  

أربكني هذا الاكتشاف،  لكن ” ما باليد حيلة”. فعلتها كغيري “كسرت واشتريت”، وبأفق عام واحد ليس إلا، و”الله أعلم بماذا بعد؟ ” ولفت نظري اعتذار موظف البنك بأن ” السيستم واقع “. وهكذا فهمت منه أن ” سيستم ” البنك للشراء معطل، وأن علينا إتمام عملية شراء  الشهادات الجديدة عبر حسابي الشخصي الإلكتروني على موقع البنك، وهو الذي غالبا لا يفتح عندي. ربما بسبب أعطال الموقع ذاته، أو ضعف الإنترنت في منزلي. 

وعلى أي حال، فقد كنت محظوظا وفق ماقال الموظف فتمت العملية وبسرعة عبر حسابي الإلكتروني. ومن باب “برو العتب” مع النفس، سألته قبل أن أغادر هل يعطيني سندا ورقيا بالشهادات الجديدة؟، فأجابني وكما توقعت :” ما حضرتك عارف يا أستاذ ما بنطلعش ورق للعملا من سنتين وزيادة”. 

وحتى لا أهدر وقت عملاء كثيرين آخرين في الانتظار، امتنعت عن محاججته بأهمية السند الورقي كدليل مادي على شراء الشهادة البنكية بالنسبة للمتقدمين في  العمر من أمثالي ولورثتهم، وبأن البنك نفسه يتعامل معنا بأوراق لا نحتاجها يخصم مقابلها مبالغ غير مناسبة ومغالى فيها كمراسلاته بالبريد بشأن بحركة حساباتنا كل شهر أو ثلاثة أشهر، وكما يرى ويشتهي.

 كما كان بإمكاني أن أكرر على مسامع موظف البنك حججا بلا نهاية عن عدم الثقة في ضمان الحقوق المالية لدى البنوك بالتعويل على بيانات إلكترونية في بلد كمصر. وهكذا وصولا إلى ماقاله هو بلسانه لي للتو عن أن ” السيستم واقع”.  

ولأنه بالأصل لا فائدة في أي محاججة أو مطالبة أو جدال، فقد غادرت في صمت الزحام والبنك، و” العوض على الله”. غادرت وأنا أمشى مع حلم يقظة بأنني أنشر في الجريدة التي كتبت وعملت بها منذ منتصف الثمانينيات داعيا لإعادة السند الورقي على شهادات بنوك الدولة رحمه بصغار المودعين وورثتهم. 

واتجهت إلى مكتب شركة الهاتف المحمول لأجدد الباقة الشهرية، وهناك ردني عامل الاستقبال قائلا :” معلش يا أستاذ السيستم واقع”. ولما كنت أحمل معي في هذا الصباح جوابا موجها إلى هيئة حكومية أريد إرساله كبريد مسجل، فقد توجهت بعدها إلى مكتب هيئة البريد المصري. لكن الموظف أخبرني بعدما قمت بكل الإجراءات المطلوبة وأضواء شاشة كمبيوتر المصلحة الزرقاء تنعكس على وجهه عدسات نظارته بأن ” السيستم واقع ” وقنعت بالنتائج . وهذا لأنه بالأصل لا فائدة من مراسلة هذه الجهة الحكومية ولا أمل في أن ترد أو تستجيب، لكن هكذا أفعالنا تأتي أحيانا وكأنها “برو عتب” مع النفس، وكما قلت سابقا.  

.. إلا أنني وجدتني أقول للموظف هذه المرة مبتسما :  

ـ ” صحيح .. يا بلد السيستم واقع .. بس ما تقولش لحد”.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة 

مصدركارم يحيي
المقالة السابقةما هو مرض «الحبسة» الذي دفع نجم التسعينات بروس ويليس للاعتزال؟
المقالة القادمةمن السياسة ترك السياسة.. سيرة التحولات لدى السلفيين في مصر( 2-2)

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا