الدولة المتوحشة 2

0
289
Google search engine

عبد المجيد الخطيب

بالعودة مجددًا إلى الشأن السوري، وما نقلته عن شهادتي كوني أحد الشهود/ الناجين، حاولت أن أنقل تجربتي كما حدثت بالفعل، مجردة من أية مشاعر أو أجندة إلى القارئ غير السوري، ولكن هذه المرة بعيدًا عن الأحداث الميدانية وما جرى من تطورات وتداعيات في الداخل.

سنبتعد قليلًا لكي نقترب من فهم حقيقة ما حدث، وكيف وصلنا كسوريات/ سوريين إلى هذه الحالة من التشتت والعبثية الفجة بالبطش الذي يتعامل به العالم اليوم، ويمكن أيضًا اعتبار ما سيأتي في هذه المادة من أحداث ووقائع – رغمًا عن قساوتها- وثيقة للمستقبل ولكل شعوب المنطقة والشرق الأوسط تحديدًا، إذا ما فكروا بالانتفاضة أو الثورة مجددًا، فالثورة دومًا ممكنة، ممكنة جدًّا، بل هي ردة فعل طبيعية للتاريخ، تعيد نفسها كلما اشتد الظلم وزاد البطش وكثرت الدماء و ابتعدت المسافة بين طبقات المجتمع وكممت الأفواه.

لا تدعوا أحدًا أيًّا كان يخيفكم بما حدث لسوريا والسوريين، وكأننا المثال المسخ الحاضر دائمًا في مخيلة أي جلاد لإيهام الضحية أن التمرد عبث والثورة خراب والانتفاضة مستحيلة والحرية حلم والعيش الكريم وهم.
حسنًا، من المؤكد أننا كسوريين لم نتمكن من صناعة مظلة سياسية تمثلنا وتمثل رغباتنا وحقوقنا المشروعة بإنشاء نظام سياسي ديمقراطي بديل لنظام الأسد الفاسد غير القادر على الإصلاح، بالرغم من كثرة المحاولات والمبادرات، لكن انتظر عزيزي القارئ فأسباب هذا كثيرة، سأبتعد عن البديهي منها، مثل أننا كشعوب الشرق الأوسط محكومون منذ نصف قرن من قبل أنظمة استبدادية شديدة البطش، فكنا مغيبين كليًّا عن أي تجربة سياسية حقيقية، سواء كأفراد أو كحركات،
فهذه نصف الحقيقة، أو ربما حتى أقل.

كما لعبت الخلافات الداخلية بين أطياف المعارضة السورية، التي كان مطلوب منها ألا تفرط في تضحيات الشعب في الداخل، وأن تستثمر بها سياسيًّا في جميع المحافل الدولية دوراً أساسيَّا، ففي منتصف عام 2012، أي بعد اختراق أجسام المعارضة السياسية من قبل جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات التي كانت تنفذ أجندات خاصة بها، وتستثمر المعاناة السورية لحسابها الخاص، بدأت الرؤية تصبح أكثر ضبابية، فهذا التشرذم أحدث شرخًا بات من الصعب إغلاقه، واستفاد منه نظام الأسد في الدرجة الأولى، ومن ثم بعض الدول سواء دول الجوار أو الأبعد قليلًا، وكأن سوريا أصبحت ساحة “لعب” دولية لكل من لديه حسابات يريد تصفيتها مع دولة أو كيان آخر، وكلما ازدادت هذه الحالة اللانهائية من العبث، انتعش النظام أكثر، وزادت وحشيته بطبيعة الحال في صورة انتهاكات للمعتقلين وتصفيات جماعية وقصف هستيري على المدن والقرى السورية، وكأن العالم منشغل عن دماء السوريين بقضايا أكثر أهمية وحساسية.

فيما يلي أمثلة حية عن بعض التطورات التي زادت المشهد تعقيدًا، وجعلت خيوط الحلول أكثر تشابكًا، أولها التدخل الروسي الميداني منذ مطلع عام 2015، والذي قلب كفة موازين القوى لصالح النظام ضد المعارضة، التي لم تستطع بكافة أشكالها ومكوناتها مد جسور تواصل سليمة تؤدي إلى حوار حقيقي وفعال مع الروس لفهم الغاية الروسية وراء التدخل العسكري وإطالة عمر النظام أكثر، فمن المؤكد أن المصالح هي التي دفعت روسيا لذلك، ليس حبًّا شخصيًّا لبشار الأسد أو نظامه، بل على العكس تمامًا، اتجهت بعض الشخصيات المحسوبة على معسكر جماعة الإخوان المسلمين إلى تخوين كل من يطرح هذا الطرح، سواء من النشطاء السوريين في الداخل، أو من الشخصيات السياسية في الخارج، وبطريقة أو بأخرى أمد ذلك من عمر النظام سنوات ما كان يحلم بها لولا هذه السقطات التاريخية.

لروسيا مصالح عديدة في المنطقة، أهما حقول الغاز المكتشفة حديثًا قبالة السواحل السورية، وهذا ما دفعها بشكل علني لبناء قواعدها العسكرية هناك، ومن أهمها قاعدة “حميميم” الجوية جنوب شرق محافظة اللاذقية، والتي استعملتها روسيا كثيرًا لشن الهجمات الجوية على السوريين،
ومصالح أخرى مثل التصدي للنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط من خلال بناء هذه القواعد والأساطيل.

كان من الممكن لو أننا نمتلك جسمًا سياسيًّا حقيقيًّا يناضل ويعمل من أجل السوريين وتضحياتهم أن يتفاوض مع الروس ويوصل لهم رسالة مفادها أنه مهما كانت مصالحها مع نظام الأسد فهو نظام زائل لا محال، وأنه على الروس أن يصنعوا علاقات طيبة مع أهل البلد لأنهم هم الباقون.

ليس لدي القدرة على التنبؤ إلى متى سيستمر التواجد العسكري الروسي في سوريا، أو بمعنى أدق إلى متى سوف تبقى روسيا تدعم نظام الأسد وتساعده على البقاء ولو شكليًّا كما هو الحال الآن، لكن حسب تقديري الشخصي ونتيجة المعطيات الواردة أستطيع القول إن الروس سيتخلون عنه في أقرب فرصة يجدون فيها أن مصالحهم لن تكون معه، وأن إعادة الإعمار وأمواله التي يحلم بها النظام لن تأتي في حالة بقاء بشار الأسد على رأس السلطة هو ونظامه، وهذه شروط متفق عليها بشكل حازم من قبل الدول المانحة.

وبالعودة لموضوعنا الأساسي والتعقيدات الأخرى التي لم تنجح المعارضة السورية في الاستفادة من تناقضاتها، مثل الصراع الخليجي الإيراني، الذي يمكننا اعتباره في مرحلة ما وتحديدًا بعد عام 2011 – أي بعد تدخل قوى الحرس الثوري الإيراني في سوريا لمساندة النظام ومحاربة الثوار- صراعنا أيضًا، لكن دول الخليج لم يكن لديها خطة حقيقية أو نية فعلية لمحاربة إيران التي تسعى إلى زيادة نفوذها في الشرق الأوسط، فيما دعمت الدول الخليجية وعلى رأسها المملكة بعض فصائل الجيش الحر المحسوبة عليها بالعتاد من أجل محاربة النفوذ الإيراني، لكن هذا الدعم لم يكن دعمًا نوعيًّا، وإنما مجرد ذخائر تقليدية من أجل إطالة عمر الصراع، وهذا ما نقصده بأن المملكة لم تكن جدية في حربها ضد إيران.

أما عن المعارضة أو “الائتلاف الوطني لقوى الثورة” في وقتها برئاسة أحمد الجربا، فلم يتمكنوا من تقدير الموقف جيدًا، ولم يستطيعوا التعامل مع هذا التناقضات بشكل مناسب، أو لم تكن لديهم علاقة شراكة أو ندية مع أصحاب هذه التناقضات، وإنما أمر ومأمور، وهذا فشل آخر.

لا شك أن كل هذه التناقضات والحسابات أطالت من عمر النظام، وبالتالي أطالت من عمر الصراع والمأساة اليومية للمواطن السوري في الداخل والخارج على حد سواء، وفي ظل كل هذه العبثية والخراب والفوضى اللانهائية يزعم نظام بشار الأسد أنه منتصر، لكن ما طبيعة هذا الانتصار ؟
عزلة دولية مفروضة من جميع أنحاء العالم باستثناء داعميه الفاشيين، وجرائم حرب مروعة ارتكبت بحق السوريين على مدى العقد المنصرم، سواء في السجون والمسالخ البشرية التي فتكت بحياة ربع مليون سوري قتلوا تحت التعذيب على يد وحوش بشرية، وكل ذلك موثق بوثائق “قيصر” أو بوثائق “Z30”، أم يكمن انتصاره في مخيمات اللاجئين التي تكاد تملأ العالم يومًا بعد يوم؟ وهل انتصاره سيشبع بطون السوريين في الداخل في ظل تردي الأوضاع المعيشية إلى حد لم تشهده بلاد الشام كافة من قبل؟

هل بيع النظام المرافئ البحرية إلى الروس مقابل إنقاذه واستمراره في الحكم حتى مئة عام قادمة، والديون التي وضعها على الدولة السورية مستقبلًا يُعتبر نصرًا؟ وكيف يكون منتصر وهو يشارك جغرافيًّا (سيادته) مع قرابة العشر دول، سواء في الشمال السوري أو في حلب أو الساحل أو العاصمة دمشق؟

لا بد من عدالة. لابد من عدالة. من أجلنا ومن أجل التاريخ ومن أجل الإنسانية كافة، حتى لا يجرؤ أحد على تكرار أفعاله بحق شعبه، ومن ثم ينجوا من العقاب، وكأن العالم كله مزرعته الخاصة.

مصدرعبد المجيد الخطيب
المقالة السابقةمهرجان الرياض.. عندما يخضع الفن لسطوة رأس المال
المقالة القادمةسيد القمني.. سيرة مفكر مشاغب تثير شهية الفاشية الدينية

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا