الأزمة السودانية.. مآلات ضعف توازنات القوى بين طرفي المعادلة السياسية

0
218
Google search engine

كريم فرحات

مثّلت الأحداث التي جرت في السودان بعد الانقلاب المباغت الذي قام به عبد الفتاح البرهان، ذروة الخلاف بين الشق المدني والعسكري، الأمر الذي فاقم حالة الاحتقان القائمة بين مكونات المعادلة السياسية السودانية. وبدلاً من تصفية حالة الاستقطاب القصوى والوصول للاستقرار السياسي، وإنهاء المرحلة الانتقالية، وفقاً لما جاء في الوثيقة الدستورية الموقعة عام 2019، اتسعت الفجوة بين كافة الأطراف، بينما اندلعت احتجاجات هائلة بين قوى المجتمع المدني، رفضاً للمسار القسري الذي تم فرضه.

وفي ظل الأوضاع الاجتماعية المعيشية والاقتصادية المأزومة، حيث تسجل أسعار البنزين وعدد من السلع الحيوية والأساسية قفزات متكررة، احتشد تجمع المهنيين السودانيين في تظاهرات عنيفة، وقد استجاب للدعوات الصادرة من لجان المقاومة بخصوص تنفيذ العصيان المدني. إذ إن الأزمة الحادة التي تسبب فيها البرهان في أعقاب قراراته نهاية الشهر الماضي، تحديداً في 25 أكتوبر، دفع القوى الثورية إلى الاصطفاف لمواجهة هيمنة المكون العسكري على السلطة. وقد فرض البرهان بعد اعتقال رئيس الحكومة عبد الله حمدوك وآخرين، حالة الطوارئ، وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، وإعفاء الولاة، واعتقال قيادات حزبية ووزراء ومسؤولين، ناهيك عن حل كافة مجالس إدارات الشركات الحكومية والمشاريع الزراعية القومية.

تشهد السودان حملة قمعية وتعبئة واسعة في المقابل. وثمة محاولات جمة لجهة قطع الطريق على المتظاهرين من استكمال ومواصلة احتجاجاتهم. بل إن ثمة تقارير صحفية أجنبية تشير إلى استخدام الرصاص الحي، لا سيما بعدما سقوط قتلى بين المتظاهرين، منتصف الشهر الحالي، الأمر الذي اضطر الشرطة السودانية لإصدار بيان توضح فيه: “وقد قامت الشرطة بواجب التأمين لمؤسسات الدولة ولجموع المتظاهرين كعادتها في مثل هذه الأحداث إلا أنها قوبلت بالعنف غير المبرر تجاه أفرادها ومركباتها حيث تم حرق عربة دفار ونهب محتوياته، فضلاً عن الإتلاف الكامل لعدد (3) دوريات بمحليات الخرطوم، جبل أولياء، أمبدة”.

ووفق البيان الرسمي من الشرطة السودانية فإنه “على الرغم من ذلك استخدمت الشرطة الحد الأدنى من القوة والغاز المسيل للدموع ولم تستخدم السلاح الناري مطلقاً وبمراجعة جميع أقسام الشرطة وسجلاتها بالولاية تبين لنا أن هنالك حالة وفاة واحدة لمواطن في محلية بحري، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بقسم شرطة الصافية فضلاً عن إصابة 89 من رجال الشرطة بعضها إصابات جسيمة، كما تبين لنا إصابة 30 شخص من المواطنين نتيجة الإختناق بالغاز المسيل للدموع، تؤكد قوات الشرطة حرصها على أداء واجبها القانوني في حماية الأمن والسلم المجتمعي مهما كلفها ذلك من تضحيات”.

ودان وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، مقتل المتظاهرين نتيجة “القمع الأعنف للاحتجاجات منذ انقلاب الشهر الماضي” في السودان، وطالب العسكريين بضرورة السماح بالتظاهر السلمي. وقال، أثناء مؤتمر صحفي، في أبوجا، إن “الجيش يجب أن يحترم حقوق المدنيين بالتجمع سلميا والتعبير عن آرائهم”.

لا تعدو الأزمة المحتدمة في السودان، مؤخراً، أمراً مباغتاً أو عرضياً، بل إن ثمة سوابق عديدة قد أشارت إلى احتمالية وقوع ما جرى، وقد تعددت الأحداث التي تؤشر إلى حدوث صدام ما أو بالأحرى انسداد في الأفق السياسي. فقبل قرارات البرهان بنحو ثلاثة أيام، كانت شركات الطيران قد علقت رحلاتها للعاصمة السودانية الخرطوم. ويعود الخلاف إلى لحظة تدشين الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري برئاسة البرهان، وقوى الحرية والتغيير التي ضمت النقابات والأحزاب، مثل تجمع المهنيين، وذلك في أعقاب الإطاحة بعمر البشير، حيث نتج عن ذلك المجلس السيادي المشترك، والذي يحوز صلاحيات رئيس الجمهورية، ويقود فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، ومن ثم، تجري بعدها انتخابات عامة.

بيد أن المجلس السيادي وقع تحت وطأة أزمة مفصلية، تمثلت فيمن يقود أو يملك بوصلته، وهو الصراع الذي خاضه العسكريون والمدنيون. وبينما انخرط الطرفان في مفاوضات انتهت في ١٩ مايو ٢٠١٩، دون حسم نهائي، عملياً، فإن قوى الحرية والتغيير اعتمدت على حاضنتها المجتمعية، ولجأت لضغط الشارع الذي جرى تعبئته، فانطلقت المسيرات لمقر القيادة العامة للجيش، وقد تم الإعلان عن اعتصام مفتوح في 3 يونيو العام ذاته، لكن تم فضه بعنف، ما تسبب في وقوع إصابات، وبالتالي، انتهى الأمر بإصدار الوثيقة الدستورية بعد شهرين. إذ منحت المكون المدني حق رئاسة المجلس السيادي، ولكن بعد عامين من تولي الطرف العسكري هذه القيادة.

وتبعاً لهذا الوضع الذي تبدو فيه المسافة بين الأطراف وبعضها تتباعد، جاءت خطوة البرهان الذي حرك إحدى قطع الشطرنج على رقعة السياسة، والتي ما تزال تختبر قدرتها على تحقيق الاستقرار، الأمر الذي يواجهة عاملين أساسيين، الأول يتمثل في مواجهة حالة الرفض الإقليمي والدولي للانقلاب. وقد أصدرت القاهرة والرياض وأبوظبي بيانات أدانت فيه الانقلاب، بالإضافة للمواقف المباشرة والحاسمة من جانب الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي. والثاني، في كيفية التعاطي على المستوى الداخلي، وحلحلة العديد من الإشكاليات المرتبطة بالأوضاع الصعبة، الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن أزمة شرق السودان، والأخيرة تلعب دوراً مؤثراً على استقرار الدولة وأمنها القومي، خاصة وأن غلق ميناء بورتسودان عدة مرات، على مدار العام الماضي، تسبب في خسائر اقتصادية فادحة، وتوترات أمنية، كما وضع أحد بنود اتفاق جوبا المرتبط بتلك القضية على المحك.

إذاً؛ شكلت اتفاقية جوبا للسلام أساساً للتعاون العسكري بين القوات المسلحة السودانية وبعض التنظيمات العسكرية غير النظامية في السودان، حيث نصت الاتفاقية على عمليات دمج لهذه التنظيمات داخل القوات المسلحة الرسمية، وذلك طبقاً لإجراءات محددة. لكن قوات الدعم السريع لم تكن طرفاً في هذه الاتفاقية، وهى أكثر أنماط التنظيمات العسكرية غير النظامية وزناً على الأرض حالياً. وربما هذا ما يفسر رفض قائدها حميدتي عملياً الدمج مؤخراً، على نحو بات يفرض مشكلة بالنسبة لمستقبل الاستقرار السياسي في السودان، خصوصاً أن قواته شريكة في الترتيبات الأمنية المتعلقة بسلام دارفور.

وبحسب مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فإن موقف حميدتي مؤسس على حالة استقواء قامت بها قوات الدعم السريع على المؤسسة العسكرية في أعقاب الثورة مباشرة بدعم من قوى الحرية والتغيير، سواء كانت أحزاباً سياسية أو منظمات مجتمع مدني، وهى القوى المتخوفة من سيطرة القوات المسلحة على الحكم، خصوصاً أن عناصر المكون العسكري الرسمي تنتمي بالأساس للجنة الأمنية التي كانت معنية بما أُطلق عليه سياسياً وقتذاك “الهبوط الناعم”، أي إزاحة البشير مع استمرار نظامه.

كما أن هذه التوازنات السياسية دفعت حميدتي لأن يكون نائباً لرئيس المجلس الانتقالي عبد الفتاح البرهان، حسبما يوضح التقدير الاستراتيجي للمركز، بالإضافة إلى أن يتم الحديث عن إدماج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، وأن تكون قوات حفظ السلام في دارفور المعنية بتنفيذ اتفاقية سلام جوبا عبارة عن قوى أمنية مشتركة من الجانبين. وقد سمحت هذه الوضعية لحميدتي بوجود سياسي في كافة الملفات الداخلية، لاسيما ملفات السلام السوداني. وقد شكلت هذه الحالة استفزازاً للمؤسسة العسكرية وللرأى العام معاً لاعتبارات عديدة، أبرزها أن قوات الدعم السريع قد صادرت ثروات معدنية لحسابها، وأن عناصرها غير مؤهلين عسكرياً طبقا لمعطيات المؤسسات العسكرية المعروفة على المستويين الأكاديمي والفني.

وبالتالي، فإن تصاعد التوتر بين كل من البرهان وحميدتي بدا ملحوظاً لدى الرأى العام والمراقبين الخارجيين وذلك في ضوء خطوتين: الأولى، الإفراج عن عم حميدتي، موسى هلال، والذي كان مسجوناً بأوامر من البشير، ولم يفرج عنه بعد الثورة، وهو أحد أهم قيادات القبائل العربية في دارفور، ويملك نفوذاً عليها ينافس به حميدتي نفسه. والثانية، إصدار البرهان أمراً بعدم سفر أى من أعضاء المجلس خارج البلاد دون إذن. ويبدو أن هذا القرار جاء في سياق هندسة شاملة لتقليص نفوذ حميدتي، ومنعه من ممارسة أدوار سياسية خاصة في ملفات السلام السودانية، حيث تتفاوض الحكومة حالياً مع حركة عبد العزيز الحلو في جبال النوبا، وينتظر أن يفتح ملف السلام مع أحد أهم حركات دارفور المسلحة بقيادة عبد الواحد نور.

مصدركريم فرحات
المقالة السابقةفكر تاني .. إنطلاقة جديدة
المقالة القادمةهل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان انفراجة حقيقية؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا