تبحث لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، في أول فبراير المقبل، سعر الفائدة على الجنيه المصري، في اجتماع يحتاج لحسبة "برما" -مثل يضرب على الحيرة في حل مشكلة- مع عودة التفاوض بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، حيث يتزايد الحديث عن ضرورة التعويم، وارتفاع سعر الدولار بالسوق السوداء لمستويات قياسية، وتخفيض النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري، وتزايد فوائد الديون على الموازنة العامة.
تميل التكهنات، حاليًا، حول الفائدة على الجنيه المصري. خاصة، بعدما أصدر بنكا الأهلي ومصر شهادات إدخار بعائد 27% سنويًا تصرف بنهاية مدة الشهادة، أو23.5% سنوياً مع صرف العائد شهريًا، والتي جاءت لامتصاص السيولة التي صاحبت حلول موعد صرف شهادات الـ 25% السابق إصدارها قبل عام من البنكين.
اضطرت البنوك الخاصة، هي الأخرى، إلى إصدار أوعية إدخارية بعائد أعلى للحفاظ على عملائها من إغراءات البنكين الحكوميين، ليرفع البنك التجاري الدول سعر الفائدة على شهادات الادخار الثلاثية إلى 22%مع صرف العائد شهريًا، وكذلك "المصري الخليجي" الذي أصدر شهادة "ثروة بلس" بمعدل فائدة ثابتة 23%، بينما تدرس بنوك أخرى إصدار شهادات مماثلة.
ورغم حمى التسابق على الشهادات، لا يزال سعرا عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند مستوي 19.25%، و20.25%، و19.75% على الترتيب، بينما استقر سعر الائتمان والخصم عند مستوى 19.75%.
التضخم لم يعد محركًا أول
يقول مسؤول مصرفي، طلب عدم ذكر اسمه، إن تحديد سعر الفائدة حاليًا أصبح أمرًا معقدًا. ذلك لأن التضخم لا يزال مرتفعًا، وأعلى بكثير من مستهدفات برنامج الحكومة مع صندوق النقد، الذي يطالب أيضًا بتحريك سعر الصرف لمواجهة ارتفاع أسعار الدولار بالسوق السوداء.

قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، تشابكت العلاقات أكثر بين التضخم وسعر الصرف والفائدة. خاصة، مع استئناف التفاوض مع صندوق النقد. فـ"جولي كوزاك"، مديرة التواصل بالصندوق، تؤكد أن المؤسسة الدولية تعمل مع السلطات المصرية على مجموعة من السياسات، من بينها وجود سياسة مرنة لسعر الصرف، وضبط التضخم، وتشديد السياسة النقدية (رفع الفائدة).
وتجري بعثة صندوق النقد التي تزور القاهرة، حاليًا، برئاسة إيفانا فلادكوفا هولر، نقاشًا حول قرض من الصندوق قيمته ثلاثة مليارات دولار مشروط ببرنامج إصلاحات. وقد سبقتها زيارة لجهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالصندوق، قبل أسبوع، شهدت لقاءات مع جهات رسمية إلى جانب ممثليّ الصناع والتجار.
الجنيه وسمسرة القروض
يشير المسؤول المصرفي، في حديثه لـ"فكر تاني"، لنقطة أخرى تتمثل في الفارق الكبير بين عائد الشهادات 27% والفائدة على القروض 20.25%، وقد أقبل البعض على الأخيرة وأعادوا توظيفها في ودائع مرتفعة العائد للاستفادة من الفارق بينهما.
ويلفت إلى أن رفع الفائدة على القروض مطلوب لمنح بنكي الأهلي ومصر فرصة توظيف المبالغ التي جمعاها من الشهادات الجديدة، التي استهدفت التضخم وامتصاص السيولة التي خرجت مع حلول أجل شهادات الـ 25%، خاصة أن البنكين جمعا خلال أسبوعين اثنين فقط 380 مليار جنيه للشهادات الجديدة التي تم إصدارها.
وأظهرت بيانات نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن معدل التضخم السنوي في المدن تراجع إلى 33.7% في ديسمبر من 34.6% في نوفمبر، مواصلًا التراجع عن أعلى مستوى سجله على الإطلاق في سبتمبر الماضي حين بلغ 38%.
وتستهدف الدولة تحقيق استقرار الأسعار وخفض معدلات التضخم إلى 7% (±2%) بنهاية عام 2024، وإلى 5% (±2%) بنهاية عام 2026، مع إبقائها أقل من 5% بحلول عام 2030، وفقًا لتقرير أبرز التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري للفترة (2024-2030).
على "المركزي" رفع الفائدة
ويؤيد طارق حلمي، العضو المنتدب لبنك المصرف المتحد سابقًا، الرأي السابق، مشددًا على ضرورة رفع سعر الفائدة في حدود 2%. خاصة بعد قرار البنوك زيادة سعر الفائدة على القروض المضمونة، بحيث لا تقل نسبة عن 24% أخيرًا، لتجنب تلاعب بعض البنوك الخاصة بالعملاء من خلال التربح بهامش شهادات الادخار 27% والحصول على قرض بسعر فائدة أقل.
اقرأ أيضًا: «فورين بوليسي»: هل يستطيع السيسي حل الأزمة الاقتصادية بمساعدة صندوق النقد؟!

وقرر البنك المركزي رفع الفائدة على القروض المضمونة بشهادات أو ودائع، والذي كان يتراوح بين 20% و21%، تحاشيًا للجوء بعض العملاء إلى تدوير القروض بضمان أوعيتهم الادخارية، سواء في البنوك الخاصة أو بنكي الأهلي ومصر، بإعادة استثمارها في الشهادة 27%، والاستفادة من فارق سعر الفائدة بينهما.
ويضيف "حلمي"، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن المركزي رصد إساءة استخدام القروض بضمان الشهادات في بعض البنوك الخاصة، بعد قيام عملاء بالاقتراض بضمانها وتوظيف المبالغ التي حصلوا عليها في شراء الودائع ما أدى إلى خسائر ببعض هذه البنوك.
سعر الصرف حاضر في سياسة اللجنة

منذ بدء زيارة بعثة صندوق النقد الدولي لمصر انتعشت السوق السوداء للدولار، ليكسر مستوى 62 جنيهًا للمرة الأولى، وسط شائعات تملأ السوق حول إمكانية حدوث تعويم جديد.
ويؤكد الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي الأسبق، أن التعويم السبيل الوحيد لغلق السوق الموازية، موضحًا أن الوضع الحالي لا يمنح المواطن الأمن في الأسعار. وأضاف: "عدم التعويم سبب في زيادة الأسعار، لأن السلع تم تسعيرها وفقًا للسوق الموازية".
يقول بهاء الدين إن اتساع الفجوة بين الجهاز المصرفي والسوق الموازي، يؤثر على جذب الاستثمار الخارجي. كما أن وجود سوق الموازي أثر سلبًا على نسبة تحويلات المصريين العاملين في الخارج.

رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، فخري الفقي، لا يذهب بعيدًا، مقترحًا أن يكون التعويم بأعلى سعر للدولار في السوق الموازي لجذب كل الأموال خارج الجهاز المصرفي، مع إمكانية فتح الاعتمادات في البنوك بالسوق الموازي للدولار لجذب المليارات من الدولار المتواجدة خارج الجهاز المصرفي، والتي تقدر بـ 10 مليارات جنيه.
وتوجد بالسوق المصرية، حاليًا، أربعة أسعار للدولار أولها الرسمي، والثاني بالسوق الموازية، والثالث بسوق الذهب، والرابع مرتبط بسوق السيارات، وكل منها مرتبط بتقييم التجار وتوقعاتهم لسعر الدولار مستقبلًا.
يرى "الفقي"، الذي كان مسؤولًا سابقًا بصندوق النقد، أن تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار، يتطلب تحقيق شرطين؛ أولهما توفير حصيلة كافية من النقد الأجنبي والآخر استمرار انخفاض معدل التضخم.
وبالنسبة للحصيلة المفترض توافرها، يرى "الفقي" ألا تقل عن 5 مليارات دولار، وألا يزيد التضخم عن 25%. ويتوقع أن يستقر سعر الدولار عند 40 جنيهًا في الجهاز المصرفي والسوق السوداء بعد 6 أشهر من الآن، حال تطبيق عملية التعويم ووجود حزمة دولارية كافية.
الدولار والجنيه والديون.. توقعات متضاربة
استهدفت وثيقة التوجهات الحكومية للدولة (2024 ـ 2030) أن يكون سعر الدولار رسميًا 33.45 جنيه في 2024، و35.5 جنيه في 2025، و37.12 جنيه في 2026، و38.45 في 2027 و39.61 جنيه في 2028.

اقرأ أيضًا: “أجيب لكم منين”.. شعار المرحلة
لكن وائل عنبة، نائب رئيس شركة تايكون لإدارة الصناديق، يقول إن سعر الصرف حددته الوثيقة وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أكتوبر الماضي. وهو يضيف عليه 1% زيادة لسعر الصرف لفترة ما بين 2024 و2028 ليتراوح بين 35 و39 جنيهًا.
ويضيف، في حديثه لـ"فكر تاني": "سعر الصرف حاليًا أمر غير قابل للتحديد، لأن محدداته كبيرة، ولا يمكن توقعها إلا بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي". ويعتبر المستهدفات الحكومية في الوثيقة الخاصة بالموارد الدولارية خاصة تحديد 300 مليار جنيه كعوائد دولارية غير واقعية، فنحن حاليًا نحقق ما بين 90 و100 مليار دولار.
وتستهدف الوثيقة مضاعفة المصادر المعتادة من قناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج والاستثمار وإيرادات قناة السويس 3 مرات تقريبًا في 6 سنوات فقط. ومعروف أنه كلما زادت الموارد الدولارية وتمت تلبية طلبات المستوردين والصناع استقرت العملة.
النظرة السلبية للاقتصاد والجنيه

ومع تزايد أزمة سعر صرف الجنيه، خفضت وكالة "موديز" نظرتها المستقبلية لتصنيف الإصدارات الحكومية المصرية إلى "سلبية" من "مستقرة"، كما أكدت تصنيف الإصدارات بالعملات الأجنبية والمحلية على المدى الطويل عند "Caa1".
وذكرت الوكالة إنه حتى مع الزيادة المتوقعة في تمويل صندوق النقد الدولي واستمرار التزام الحكومة بتحقيق الفوائض الأولية، فإن مؤشرات الدين ضعيفة للغاية في مصر، كما تتصاعد مخاطر الصرف الأجنبي وأسعار الفائدة.
ومع سعي لجنة السياسة النقدية للتعامل مع التضخم توجد مشكلة أخرى تتعلق بالدين العام، فمدفوعات الفوائد على الدين الحكومى تزيد على تريليون جنيه خلال النصف الأول من العام المالي الحالي.

وتشكو وزارة المالية من الفائدة وتغير سعر الصرف باستمرار. إذ أكد الدكتور محمد معيط، وزير المالية أن كل 1% زيادة في الفائدة يكبد الموازنة العامة للدولة بين 30 إلى 32 مليار جنيه، وأنه لولا تغير سعر صرف الجنيه أمام الدولار لانخفض الدين إلى الناتج المحلي هذا العام لأقل من 80% في العام المالي 2022/2023.
إلا أن الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، لا يرى ضرورة حتمية التعويم.
ويقول: "مصر محتاجة تثبيت سعر الصرف 10 سنوات.. سعر الصرف المرن لن يؤدي إلى امتصاص الصدمات.. الاقتصاد المرن هو الذي يحقق ذلك". ويضيف أن مشكلة اقتصاد مصر ليست في الديون ولكن في القدرة على الوفاء بالالتزامات والاحتياجات الخاصة بالدولة.