يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، عقب انتخابات التجديد النصفي، أمام كونجرس تغيرت موازين القوى داخله لصالح الديمقراطيين، الذين حصدوا 54 مقعدًا في مجلس الشيوخ و231 في مجلس النواب، مقابل 44 و139 للجمهوريين، فيما شملت الانتخابات أيضًا مناصب حكام 36 ولاية. وتمنح هذه الأغلبية الديمقراطيين نفوذًا أوسع داخل المؤسسة التشريعية، حيث تصبح قرارات الإدارة المتعلقة بالحرب والإنفاق العسكري والعلاقة مع إسرائيل عرضة لمساءلة وضغوط لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل، وهو ما يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز حدود الصراع الحزبي في واشنطن إلى مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وتتجاوز دلالة هذا الفوز إعادة توزيع القوة داخل المؤسسات الأمريكية، إذ يفتح أمام الديمقراطيين فرصة للتأثير في قرارات الإدارة خلال النصف الثاني من ولاية ترامب، سواء عبر التحقيقات والمساءلة السياسية أو التحكم في الاعتمادات المالية اللازمة لتمويل العمليات العسكرية. لكن امتلاك هذه الأدوات لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير توجهات الرئيس، وهو ما يجعل ملفات الشرق الأوسط ساحة رئيسية لاختبار حدود الأغلبية الجديدة.
حضور عربي وإسلامي في الكونجرس
شهدت الانتخابات منافسة نحو 51 مرشحًا من أصول عربية وأفريقية يدينون بالإسلام، توزعوا على انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب والمجالس التشريعية والمحلية في 23 ولاية، وتمكن 8 منهم من الوصول إلى مقاعد الكونجرس.
وجاء هذا الحضور في انتخابات لعب فيها المال دورًا متزايدًا في تشكيل موازين المنافسة، مع اتساع نفوذ المليارديرات وشبكات المصالح السياسية في تمويل الحملات. وكان رجل الأعمال إيلون ماسك من أبرز الداعمين للمرشحين الجمهوريين ولجانهم السياسية، بعدما ضخ 445 مليون دولار، قبل أن يستقبل هزيمة الحزب بسخرية عبر منصة "إكس" التي يملكها، قائلًا "يبدو أن أشعة الليزر الفضائية التي تستخدم للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة".
وبلغ الإنفاق على الحملات الدعائية للجمهوريين نحو 5.12 مليار دولار، فيما أعلن ترامب تخصيص 400 مليون دولار من أموال لجانه السياسية لدعم مرشحي الحزب.
وكشفت بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن قرابة 50 جهة مانحة قدمت دعمًا ماليًا بقيمة 2.77 مليار دولار، ذهب منها 1.67 مليار دولار للجمهوريين مقابل 832 مليون دولار للديمقراطيين.
وعلى الجانب الآخر، أنفق الديمقراطيون نحو 5.52 مليار دولار، فيما بلغت إنفاقات المرشحين والمجموعات المستقلة نحو 1.3 مليار دولار، لترتفع الفاتورة الإجمالية لانتخابات التجديد النصفي إلى 11.94 مليار دولار.
وفي مواجهة هذا النفوذ المالي، اعتمد المرشحون من الأصول العربية والإسلامية استراتيجية مختلفة، ارتكزت على التبرعات الفردية الصغيرة والتمويل الجماعي ونشاط اللجان السياسية، مستفيدين من تصاعد الاهتمام الشعبي بقضايا العدالة الاجتماعية ورفض سياسات التمويل العسكري لإسرائيل، بالتزامن مع تراجع دخل الفرد ومستوى معيشته.
ويبرز الدكتور عبد الرحمن السيد، المعروف باسم "عبدول"، مثالًا على هذا النهج، إذ حظيت حملته بدعم 65 ألف متبرع فردي، بلغ متوسط مساهمة الواحد منهم 36.74 دولارًا، كما انضم إليها نحو 29,602 متبرع جديد، وهو ما ساعده على التقدم في الانتخابات التمهيدية والفوز بمقعد مجلس الشيوخ عن دائرة ميشيجان.
الشرق الأوسط تحت تأثير موازين الكونجرس
لا تقف آثار نتائج الانتخابات الأمريكية عند حدود الوضع الداخلي، وإنما تمتد إلى ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والحرب في غزة ومستقبل القضية الفلسطينية، واستمرار تدفق المساعدات العسكرية إلى إسرائيل، فضلًا عن توجهات واشنطن تجاه حلفائها وخصومها.
ويتوقع الدكتور خالد شينكات، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والجامعة الهاشمية ورئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، أن تفتح سيطرة الديمقراطيين المجال أمام تحول في أولويات السياسة الأمريكية، قائلًا لـ"فكر تاني"، إن "برامج المساعدات الخارجية ستتجه إلى الصحة والتعليم في الولايات المتحدة".
ويطرح شينكات إمكانية تشكيل لجان تحقيق في السياسات التي انتهجها ترامب طوال العامين الماضيين، مشيرًا إلى أن الديمقراطيين يتبنون توجهات لوقف الحرب، وأن "جميعهم شباب يؤمنون بالسياسات التقدمية المعارضة للنهج السياسي السائد وسيعملون لتغيير السياسة الداخلية والخارجية".
وتتجسد هذه التوجهات في موقف عبد الرحمن السيد، الذي يتبنى سياسات للإصلاح الداخلي الأمريكي ووقف تقديم المنح العسكرية لإسرائيل، إذ قال في حديث متلفز عبر شبكة CNN، "أعارض المساعدات العسكرية غير المشروطة لأي دولة سواء إسرائيل أو غيرها، ولا أرغب في تمويل جيش أجنبي يرتكب جريمة إبادة جماعية".
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها في ضوء حجم الإنفاق الأمريكي على إسرائيل والعمليات العسكرية المرتبطة بالحرب في المنطقة. فبحسب دراسة صادرة عن معهد كوينسي للدراسات، أعدها ويليام د. هارتونج، وتناولت المساعدات العسكرية الأمريكية ونقل الأسلحة إلى إسرائيل خلال الفترة من أكتوبر 2023، مع بدء الحرب على غزة، حتى سبتمبر 2025، بلغت قيمة هذه المساعدات 21.7 مليار دولار خلال إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب.
وتشير الدراسة إلى أن الولايات المتحدة أنفقت مبلغًا إضافيًا يصل إلى 12.07 مليار دولار على العمليات العسكرية في اليمن والمنطقة الأوسع، التي اندلعت بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية أو دعمًا لها منذ 7 أكتوبر 2023. وبذلك يتراوح إجمالي الإنفاق الأمريكي على الحرب خلال عامين، وفق الدراسة، بين 31.35 و33.77 مليار دولار، مع استمرار الإنفاق العسكري.
من جانبها، تتوقع الدكتورة هبة البيشبيشي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تراجع المنح العسكرية المقدمة لإسرائيل خلال الفترة المقبلة، بما قد يدفع الديمقراطيين إلى مواجهات قوية مع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.
كما ترى أن فوز عبدول بمقعد مجلس الشيوخ قد يفتح أمامه طريق المنافسة على الرئاسة الأمريكية، مضيفة في حديثها مع "فكر تاني"، أن "عبدول نجح بشكل مبهر في حملته الانتخابية وتنطبق عليه سمات الديمقراطية التي تتبناها أمريكا".
صلاحيات الحرب وثغرات المواجهة
تملك الأغلبية الديمقراطية أدوات تشريعية ورقابية يمكن استخدامها للضغط على إدارة ترامب، ويأتي في مقدمتها قانون صلاحيات الحرب الأمريكي الصادر عام 1973، الذي ينظم استخدام الرئيس للقوات المسلحة في غياب إعلان الحرب، ويلزمه بإخطار الكونجرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأمريكية في أعمال عدائية أو ظروف تنذر باشتباك وشيك، مع توضيح الأساس الدستوري والتشريعي للعملية العسكرية.
ويمنح القانون الكونجرس دورًا في مراجعة استمرار العمليات، إذ يلزم الرئيس بإنهاء استخدام القوات خلال 60 يومًا، ما لم يصدر تفويض تشريعي أو يتحقق أحد الاستثناءات المنصوص عليها.
لكن الهجمات المتقطعة التي توجهها الولايات المتحدة إلى إيران قد تمثل ثغرة تسمح لترامب بتفادي ضغوط الكونجرس والاستمرار في عملياته العسكرية. ويرى الدكتور رسول زالي، المحلل السياسي الإيراني والمحاضر بجامعة كوين ماري في لندن، أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ ستمنحهم القدرة على التحكم في الاعتمادات المالية، بما يتيح لهم الضغط لإنهاء الحرب الإيرانية الأمريكية ووقف الصراعات في المنطقة.
ويقول زالي في حديثه مع "فكر تاني"، "أتوقع أن يكون تقييدًا فعليًا، لا تراجعًا كاملًا عن السياسة الحالية، إذ سبق أن أبدى قادة ديمقراطيون تحفظات بشأن وقف تمويل الحرب".
ولا تقتصر أدوات الضغط المتاحة أمام الديمقراطيين على الإنفاق العسكري، إذ تتوقع المحللة الجيوسياسية والمعلقة السياسية الأمريكية إيرينا تسوكرمان أن يضيقوا الخناق على ترامب عبر فتح تحقيقات بالاستعانة بالأجهزة الفيدرالية، وفي مقدمتها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).
وتضيف في حديثها مع "فكر تاني"، أن "سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ تمكنهم من منع ترشيح ترامب لأي مناصب وزارية وقضائية مدى الحياة".
صدام مرتقب مع ترامب
مع بدء الكونجرس الجديد عمله في يناير المقبل، تبدو المواجهة بين ترامب والأغلبية الديمقراطية مرشحة للتصاعد، بعدما تظل أمام الرئيس فترة لمواصلة سياساته قبل دخول التشكيل الجديد حيز العمل وممارسة صلاحياته.
ورغم توقع بعض المحللين حدوث تحول في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، يرى آخرون أن تغيير هذه السياسات سيواجه صعوبات بسبب طبيعة شخصية ترامب وعلاقته بالمؤسسات الأمريكية.
ويصف الكاتب والباحث التاريخي بمؤسسة الأهرام إيهاب عمر ترامب بأنه "متمرد بطبعه على المؤسسات الأمريكية"، متوقعًا أن يقود هذا النهج إلى صدام مباشر بين الرئيس والكونجرس.
ولا يستبعد عمر أن تتصاعد المواجهة إلى حد عزل ترامب، وتولي رئيس مجلس النواب صلاحيات رئيس الدولة لحين إجراء انتخابات رئاسية.
وسيكون الاختبار الحقيقي للأغلبية الديمقراطية في قدرتها على استخدام أدوات الرقابة والتمويل لتغيير قرارات الحرب والإنفاق العسكري، لا مجرد فرض مواجهة سياسية مع ترامب. فامتلاك الأغلبية داخل الكونجرس يمنحها مساحة أوسع للضغط، لكنه لا يحسم وحده ما إذا كانت واشنطن ستغير سياساتها في الشرق الأوسط.