"الطفولة حق.. اتركوا للأطفال مساحة للعب والأنشطة دون ضغوط لتجنب التعرض للأذى"، بهذه العبارة لخصت وزارة الصحة رسالتها إلى الرأي العام، عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، في مقطع فيديو ضمن مسلسل قصير يرصد معاناة الأطفال والأمهات بين الدراسة والواجبات والتمارين، من دون فسحة للراحة، اختُتم رسالته بدعوة إلى احترام الطفولة، ومنح كل صغير فرصة لاكتشافها والشعور بها، وتخصيص وقت يعيش فيه حياته من دون أذى نفسي أو اكتئاب.
لكن الرسالة وجدت طريقها إلى عنوان آخر غير الذي قصدته وزارة الصحة، بعدما أعاد أولياء الأمور توجيهها، عبر تعليقات المئات على صفحتها، إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، وكأنهم يقولون له "هل استوعبتها؟". ولم يخلُ الأمر من مطالبة صريحة بأن توجه الوزارة نصيحتها إلى الوزير نفسه، فإلى من تتحدث عن حق الأطفال في الراحة واللعب، وهم يقضون أيامهم تحت وطأة الضغوط والرهبة، متنقلين بين مدرسة صباحية خارج المنزل وأخرى مسائية داخله، حتى لم يعد يتبقى لهم وقت يكفي لعيش طفولتهم؟ هنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا، ماذا لو أصغى وزير التعليم إلى نصيحة زميله خالد عبد الغفار؟ فوزارة الصحة، من دون أن تسميه أو تخاطبه مباشرة، وضعت أمامه جوهر المعضلة التي تتجاهلها سياساته، وهي أن منظومة التعليم التي لا تترك للصغار وقتًا للعب والراحة وممارسة الأنشطة واكتشاف ذواتهم، قد تتحول متطلباتها اليومية إلى عبء يهدد الغاية التي يفترض أن تخدمها.
وجاء في رسالة وزارة الصحة، خلال حديثها عن مخاطر تجاهل الصحة النفسية للأطفال "وسط كل اللي مطلوب من طفلك، ما تنسوش تسيبوله مساحة يعيش طفولته. اللعب والضحك والراحة مش رفاهية، دي احتياجات أساسية لصحة طفلك النفسية. رسالة لكل أم وأب، مش مطلوب من طفلك ينجز طول الوقت، ادّوه فرصة يلعب ويستمتع بطفولته، ويحس إنكم بتحبوه لشخصه، مش بس لإنجازاته".
ولم يكن هذا التأويل بعيدًا عن مضمون الرسالة، فقد قرأ فيها المتابعون اعتراضًا على منطق تعليمي يختزل قيمة الطفل فيما يحققه من نتائج، ويجعل إنجازه الدراسي معيارًا للحكم عليه، فيما تتراجع احتياجاته النفسية إلى مرتبة ثانوية. ومن هذه الزاوية، بدا التحذير الصحي تذكيرًا بكلفة لا تظهر في دفاتر الدرجات ولا تكشفها نتائج التقييمات، وإنما قد تظهر لاحقًا في صورة اضطرابات نفسية تتجاوز قدرة الطفل على الاحتمال.
لكن ما التقطه المتابعون من رسالة وزارة الصحة يصطدم بموقف معلن لوزير التعليم، لا يبدو مستعدًا للتنازل عن الأعباء التي تفرضها منظومته على الطلاب وأسرهم، من المناهج والتقييمات والامتحانات إلى الواجبات المنزلية والأداءات الصفية، وهو ما تجلى ذلك خلال جلسة التعليم في منتدى مصر 2026، حين واجه مطالبات التخفيف مراعاة لظروف الأسر والأطفال بالتحفظ والرفض، مبررًا موقفه بـالقول "سهل جدا نخفف المناهج ونلغي التقييمات ونقلل عدد الدراسة، لكن ده مش تعليم جيد، وإحنا عايزين الأهالي وولادهم يتعبوا معانا شوية علشان ياخدوا تعليم جيد".
وفي التوقيت نفسه، كانت وزارة الداخلية تعلن عبر صفحتها الرسمية العثور على طفلة تبلغ 9 سنوات، تغيبت عن العودة إلى منزلها بعد انتهاء اليوم الدراسي، خوفًا من مواجهة أمها بسبب عدم حصولها على درجات مرضية في الامتحان الدوري، وهي واقعة أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكثر إيلامًا عن مقدار الخوف الذي يمكن أن تزرعه التقييمات في نفس طفل بهذا العمر، بعدما أثارت غضبًا واسعًا وتساؤلات عن الضغوط التي جعلت الابتعاد عن الأسرة، في نظر طفلة لم تتجاوز 9 سنوات، أهون من مواجهة نتائجها الدراسية.
وتكشف المفارقة بين التحذير الذي أطلقته وزارة الصحة والواقعة التي تعاملت معها وزارة الداخلية عن فجوة في النظر إلى احتياجات الأطفال، تتجلى بوضوح في فلسفة وزير التعليم نفسه، الذي يبدو متمسكًا بمقولة "اللي يتعب النهارده هيرتاح بكرة"، فقد ترجم هذه القناعة إلى موقف معلن حين طالب الأهالي وأبناءهم بأن "يتعبوا معانا شوية" من أجل تعليم جيد، وكأن المشقة اليومية ثمن لا مفر منه للحصول على تعليم أفضل، من دون أن يحدد هذا المنطق أين تنتهي متطلبات التعلم، وأين تبدأ الأعباء التي تنتقص من حق الطفل في أن يعيش طفولته.
وباتت نزهة الطفل، حتى في أيام الإجازة الأسبوعية، أقرب إلى المستحيل، تحت وطأة المهام الدراسية المطلوبة منه في المنزل، حيث تنتظر أسر كثيرة يوم الإجازة للمذاكرة مع أبنائها، بعدما استهلكت الواجبات المنزلية والأنشطة والقصاصات والاستعدادات للتقييمات الأسبوعية ليالي أيام الدراسة، فلم يعد هناك وقت كاف للراحة أو الخروج. والمفارقة أن الشكوى التي تتردد على ألسنة أولياء الأمور ليست "ليس لدينا وقت للراحة"، وإنما "ليس لدينا الوقت الكافي للمذاكرة".
أي تعليم هذا الذي يتمسك به وزير التربية والتعليم؟ وهل صار مطلوبًا من الأهالي أن يبعثوا باستغاثات إلى المجلس القومي للأمومة والطفولة كي يتدخل، بأي صيغة ممكنة، ويدفع إلى مراجعة عاجلة للسياسة التعليمية، تستند إلى تقييم الحالة النفسية والمزاجية التي وصل إليها الصغار في مصر، وما قد يترتب على استمرارها من آثار على المراهقين، فضلًا عن انعكاساتها على الاستقرار الأسري والمجتمعي؟
وبصرف النظر عن نصيحة وزارة الصحة الداعية إلى وقف الضغوط المؤذية للأطفال، أو واقعة الطفلة التي هربت من منزلها قبل أن تعثر عليها وزارة الداخلية، يظل هناك تناقض آخر يستحق التوقف أمامه. فبأي منطق يريد وزير التعليم التوسع في المدارس المصرية اليابانية، استنادًا إلى أنها تعتمد على الأنشطة التي تساعد الطلاب على اكتشاف ميولهم واتجاهاتهم، بينما لا يجد الطفل في المدرسة الحكومية الحد الأدنى من هذه الأنشطة، لا داخل المدرسة ولا في المنزل؟ وهل بات على الأسرة التي تريد لطفلها بيئة تعليمية تراعي احتياجاته النفسية أن تلحقه بمدرسة مصرية يابانية، بمصروفات تتجاوز 20 ألف جنيه، فيما يظل الأطفال الذين لا تملك أسرهم هذه القدرة محرومين من المساحة نفسها في المدارس الحكومية؟
ويستند الوزير في تبرير هذا التوجه إلى أن الدراسة في المدارس المصرية اليابانية تقوم على يوم دراسي كامل، ينتهي في الساعة 3 والنصف عصرًا، وهو ما ألمح إلى إمكانية تعميمه قريبًا على المدارس، بعد إنهاء الفترات المسائية، بحيث يتيح اليوم الممتد وقتًا لتنفيذ الأنشطة التي تساعد الطلاب على التعبير عما بداخلهم والتخفف من الكبت والغضب والضغوط. غير أن المعضلة تكمن في أن تعميم هذا النظام لن يتحقق قريبًا، إذ حدد الوزير عام 2029 موعدًا لإنهاء الفترات المسائية في عموم المدارس، تمهيدًا لتطبيق اليوم الدراسي الممتد.
ما يعيشه الصغار تحت غطاء التعليم مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فلا أثر يذكر لمتعة التعلم، لا في الواقع ولا حتى في الخطاب الرسمي. في المدرسة يعاني الطفل حتى الساعة 2 ظهرًا، وفي المنزل تستمر الضغوط إلى أن يحين موعد النوم، بينما تتولى الأم استكمال ما تبقى من واجبات ومهام وتقييمات، فيدور الاثنان في حلقة واحدة لا يبدو أن وزير التعليم يراها أو يقتنع بوجودها. يحدث ذلك سواء تحدثت وزارة الصحة عن المخاطر النفسية، أو ألمحت وزارة الداخلية إلى تداعيات الضغوط الدراسية، أو تحول الأمر إلى حديث شعبي يتردد بين مختلف فئات المجتمع، بما فيها نواب في البرلمان وفنانون من أولياء الأمور.
لماذا لا تتحدث الحكومة مع نفسها؟ لماذا لا ينقل وزير الصحة إلى وزير التعليم رسالة المخاطر المرتبطة بالحالة النفسية للأطفال؟ وماذا لو تكررت وقائع هروب الصغار من منازلهم بسبب الخوف من الدراسة والتقييم، على غرار ما حدث مع طفلة السنوات الـ9؟ وما الذي سيجنيه المجتمع من نظام تعليمي يترك كل هذه الآثار النفسية لدى طلابه؟ أسئلة ربما لم تُطرح، ولم تجد طريقها إلى النقاش في منتدى مصر، الذي يفترض أن يكون مظلة لشكاوى الناس والاستماع إليهم، والرد على أعبائهم بوعود تخففها، فإذا بجلسة التعليم فيه تكرس المزاج السيئ الذي يعاني منه الطلاب وأسرهم.