الأسطوات على حق.. بنات يحملن إرث العائلة بين الخشب والرخام والحلوى

في أرض اللواء بالجيزة، لم تكن ورشة النجارة التي تركها الأب للأختين سما وميرفت مجرد تركة مادية ينبغي الحفاظ عليها كما هي، وإنما مشروعًا يمكن توسيعه وتطوير منتجاته، مستفيدتين من خبرة شقيقيهما الأصغر في التصنيع، بينما تتوليان إدارة العمل وتنظيمه.

لم تنظر سما، البالغة من العمر 32 عامًا، وشقيقتها ميرفت (29 عامًا)، إلى الورشة باعتبارها مكانًا يقتصر عمله على صناعة الأبواب وغرف النوم، وقررتا توسيع نشاطها ليشمل أثاث الأطفال والأدوات التعليمية، رغم اختلاف دراستهما عن طبيعة المهنة، فسما خريجة حقوق، وميرفت طبيبة تغذية، ولكل منهما عملها الخاص.

وتفتح تجربة الشقيقتين بابًا على قضية تتجاوز حدود الورشة، وتتعلق بمن يُمنح حق إدارة ميراث الأسرة، وعلى أي أساس تُقاس أهليته، فما زالت مسألة توريث النساء وإشراكهن في إدارة ممتلكات الأسرة موضع خلاف مجتمعي، خاصة في قرى الدلتا والصعيد، حيث يستند رفض بعض الرجال تسليم الميراث الشرعي لأخواتهم أو نساء العائلة إلى اعتقاد بأن المرأة لا تستطيع إدارة الأملاك أو الحفاظ على إرث الأسرة وتنميته، وبعد عقود من دخول النساء مجالات التعليم والعمل، تضع تجارب نساء تسلمن مشروعات عائلية وأعدن تطويرها هذا الاعتقاد أمام اختبار عملي، وتكشف ما قد تخسره الأسرة حين تُحسم أهلية إدارة الميراث على أساس كون الوارث امرأة أو رجلًا.

تقول سما لـ"فكر تاني"، إن والدهما توفي قبل 9 أشهر، وترك الورشة لأبنائه الأربعة، بنتين وولدين، موضحة أن والدها علم شقيقيها يوسف (20 عامًا)، وياسين (14 عامًا)، أصول المهنة والتصنيع، حتى أصبحا "أسطوات شاطرين جدًا"، لكنه كان يدرك أن إتقان الحرفة وحده لا يكفي لضمان استمرار المشروع وتطويره، لذلك أوصى سما وميرفت قبل وفاته بالوقوف إلى جانب شقيقيهما والعمل على توسيع الورشة.

وتضيف أن وفاة والدها دفعتهما إلى تخصيص اهتمام أكبر بالمشروع العائلي، رغم اختلاف مجال دراستهما وارتباط كل منهما بعملها الخاص، فقررتا تطوير المنتجات بعدما كانت الورشة متخصصة في الأبواب وغرف النوم، وبدأتا التوسع في صناعة أثاث الأطفال وأدوات الحضانات والألعاب بنظام الـ" مونتيسوري"، وهو أثاث وألعاب تعليمية معدة لتنمية قدرات الأطفال.

واستعانت الشقيقتان بالسوشيال ميديا للإعلان عن المنتجات الجديدة، وتمكنتا خلال فترة قصيرة من تلقي 200 طلب، بحسب سما، التي تأمل أن تتمكنا من تصدير منتجاتهما إلى الخارج خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أن نجاح التجربة يقوم على تكامل مهارة شقيقيها في التصنيع مع قدرتهما على إدارة المشروع والحرص على تنفيذ وصية والدهما.

مصنع الرخام بين أزمة المهنة ومسؤولية الميراث

من ورشة النجارة في أرض اللواء إلى مصنع الرخام في قليوب، تتغير طبيعة العمل وتظل مسؤولية الحفاظ على المشروع العائلي حاضرة، لكنها قد تبدأ في ظروف قاسية، حين يجد الورثة أنفسهم مطالبين بالوفاء بالتزامات قائمة قبل أن تتاح لهم فرصة الاستعداد لتولي الإدارة.

واجهت منار شديد (33 عامًا) وشقيقتها ندى (32 عامًا)، هذا الاختبار بعد مرض والدهما، إذ كان عليهما مواصلة العمل في مصنع الرخام وتسليم الطلبات في مواعيدها، مع وجود مبالغ حصل عليها العملاء مقابل منتجات لم يتسلموها بعد، ولم يكن تأجيل المسؤولية ممكنًا حتى تستقر أحوال الأسرة.

لم تكن علاقة الشقيقتين بالمصنع وليدة لحظة الميراث، فقد اعتاد والدهما اصطحابهما إليه منذ الطفولة، وأصبحت تفاصيل العمل جزءًا من ذاكرتهما العائلية قبل أن تتحولا إلى مسؤولية مباشرة على عاتقهما.

تستعيد منار تلك الفترة قائلة "لما والدي تعب ودخل المستشفى لقينا نفسنا فجأة في وش المدفع، فيه فلوس واخدينها من الناس وطلبات لازم تطلع، والعمال مستغلين إننا بنات وجداد، وكان لازم ننزل بنفسنا نشتغل لأن محدش هيخاف على حاجة صاحبها مش موجود".

وتوضح أن والدتهما ساعدتهما في توفير احتياجات العمل، فذهبت لشراء الرخام من منطقة شق التعبان، بينما تولت منار وندى تقطيع الأحجار اعتمادًا على ما تعلمتاه من والدهما، الذي لم يكن يعتمد على شقيقهما سعد كثيرًا بسبب مرضه، وتمكنتا من تجهيز أول طلبية وتسليمها.

وتضيف منار أن والدهما وشقيقهما توفيا تباعًا خلال فترة زمنية قصيرة، لتصبح وشقيقتها المسؤولتين عن المصنع، رغم اعتراضات من رأوا أن المهنة تحتاج إلى الرجال، وتقول إنهما تمسكتا بالاستمرار "لأن مينفعش نضيع شقى بابا وتعبه، ولأن كانت أمنيته طول الوقت إن الورشة اللي عملها بشقاه وضيّع فيها سنين عمره كلها تفضل عليها اسمه ومفتوحة".

لم تقتصر العقبات على صعوبة تعلم تفاصيل المهنة أو الوفاء بالتزامات العملاء، فقد واجهت الشقيقتان تشكيكًا في قدرتهما على الإدارة، إلى جانب مواقف حاول فيها بعض العمال استغلال حداثة خبرتهما أو المطالبة بأجور مبالغ فيها، ومع ذلك واصلتا العمل حتى تمكنتا من إنجاز عدة طلبيات، وهو ما ساعد على تعزيز ثقة العملاء بهما وباسم والدهما الحاج شديد.

وبينما توضح تجربتهما كيف يمكن أن تنتقل مسؤولية المشروع العائلي إلى الابنة في لحظة أزمة، فتجد نفسها مطالبة بتعلم المهنة وإدارة العاملين والتعامل مع العملاء في الوقت نفسه، حفاظًا على مشروع صنعه الأب على مدى سنوات، فإنها تمتد إلى حرف أخرى ارتبطت بذاكرة الأحياء المصرية القديمة، حيث يصبح الحفاظ على المهنة جزءًا من الحفاظ على تاريخ الأسرة وعلاقتها بالمكان.

حلوى عمرها 90 عامًا

في حي الجمالية بالقاهرة، عملت إيمان لكلوك على الحفاظ على مهنة عائلية ارتبطت بذاكرة المكان، بعدما قررت العودة إلى محل والدها والمشاركة في إدارته، بدلًا من تركه يتراجع مع تغير أنماط الاستهلاك وتراجع الإقبال على بعض المنتجات التقليدية.

لم تكن "البالوظة" بالنسبة إلى إيمان مجرد صنف حلوى، وإنما جزءًا من تاريخ الأسرة وعلاقتها بأهالي الجمالية، وهو ما دفعها إلى تطوير المنتجات وتقديمها بما يناسب أذواق الزبائن اليوم، مع الحفاظ على طابعها التقليدي.

تقول إيمان إن والدها مرض عام 2019، وكان وحيدًا في المحل بعدما تراجعت قدرته على العمل بسبب ظروفه الصحية، بينما كان أشقاؤها منشغلين بوظائفهم، فتوضح "مكنتش مستحملة أشوف والدي حزين ووحيد في دكانه بعد ما صحته اتأثرت ومبقاش يقدر على الشغل زي زمان، وده اللي خلاني أسيب التدريس وأقرر أفتح الدكان مع بابا وأشغله".

وتوضح أن عمر المحل يصل إلى 90 عامًا، فقد ورثه والدها عن والده، وظل مرتبطًا بذكريات أهالي الجمالية الذين اعتادوا منتجات الأسرة ووثقوا بها، لذلك بدأت تطوير الأصناف التي يشتهر بها المكان، فأدخلت الصوصات والنكهات الجديدة على البالوظة والأرز باللبن وغيرها من الحلويات، مع الاستمرار في إنتاج الأصناف التقليدية، ومنها الزبادي.

وتؤكد إيمان أن وجودها إلى جانب والدها أسعده، وأنها لم تكن قادرة على إغلاق المحل وترك اسمه يختفي من الجمالية، لذلك قررت مواصلة العمل فيه، كما علمت ابنها عبد الله (15 عامًا)، أصول المهنة، على أمل أن يصبح امتدادًا للمحل في الجيل الجديد، ويواصل تطوير منتجاته وتجديدها.

الخروب زاد العائلة

قد يصبح الميراث مصدر الدخل الأساسي الذي تعتمد عليه الأسرة في مواجهة ظروف الحياة، إلى جانب ارتباطه بالحفاظ على اسم العائلة ومهنتها، كما حدث مع الحاجة فايزة عبده، صاحبة محل العصائر الشهير باسم "محل عبده بتاع الخروب" في منطقة الصاغة بالحسين، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 80 عامًا.

ورثت فايزة المهنة عن والدها، وواصلت العمل في المحل الذي اشتهر بالخروب والعرقسوس، ثم وسعت قائمة منتجاته لتشمل عصائر أخرى، مثل الرمان والمانجو، فظل المكان مصدرًا للرزق ومساحة ارتبطت بتاريخ الأسرة وذكريات أبنائها منذ طفولتهم.

تقول ابنتها هند (40 عامًا)، وهي مرشدة سياحية، إنها قضت أكثر من 34 سنة في المحل، منذ أن كانت في السادسة من عمرها، وتعلمت من والدتها وصفة الخروب التي ورثتها بدورها عن والدها، فتوضح "أمي ورثت الشغل من أبوها، وكانت بتعمل العصاير بوصفة جدي، وكانت الحاجة فايزة عبده صاحبة أحلى كوباية خروب في الصاغة، ورغم إننا 6 أخوات، أنا اللي كنت غاوية أقف مع أمي زي ما هي كانت بتقف مع والدها، واتعلمت منها وصفة جدي وسر طعم الخروب اللي اشتهرنا بيه لسنين طويلة".

ارتبط استمرار المحل بظروف فايزة الشخصية أيضًا، فبعد وفاة زوجها، وكانت ابنتهما هند في الثالثة من عمرها، أصبحت مسؤولة عن تربية أبنائها الستة، 4 أولاد وبنتين، وتوفير احتياجاتهم من دخل المهنة التي ورثتها عن والدها.

وتستعيد هند إصرار والدتها على تحمل المسؤولية، قائلة "أمي مكنش عندها إخوات صبيان، وكانت بتحب أبوها أوي، ولما عرفت إنه زعلان إنه مخلفش صبيان، قررت تحل محل الرجالة، ومكنتش عايزاه يحس إنه عاجز أو إن مفيش حد هيشيل الشغل من بعده أو يساعده في كبره".

وتضيف أن والدتها استطاعت تربية أبنائها وتوفير التعليم العالي لهم من دخل المحل، بعدما أصبحت الأم والأب لهم عقب وفاة زوجها، فيما تواصل هند العمل فيه اليوم فخرًا بسيرة والدتها وحرصًا على بقاء المشروع العائلي، الذي لم يكن مصدرًا للكسب المادي فقط، إذ اعتادت فايزة توزيع العصير مجانًا على الناس في أوقات كثيرة، وهو ما جعل كثيرين يذكرونها بالدعاء حتى بعد وفاتها.

وتؤكد هند أنها تنوي مواصلة العمل الذي بدأه جدها وحافظت عليه والدتها، حتى يظل المحل مفتوحًا وتستمر المهنة التي ارتبط بها اسم العائلة في منطقة الصاغة.

من يقرر .. ومن يصلح

لا تعني حكايات سما وميرفت، ومنار شديد وندى، وإيمان لكلوك، والحاجة فايزة عبده أن كل مشروع تديره امرأة سينجح بالضرورة، أو أن الحفاظ على المشروعات العائلية مهمة سهلة، لكنها تكشف أن استبعاد النساء من إدارة الميراث لمجرد كونهن نساء قد يحرم الأسر من قدرات تسهم في استمرار مشروعاتها وتطويرها.

وتكتسب هذه التجارب دلالة أوسع عند مقارنتها بالبيانات المتعلقة بملكية المنشآت في مصر، إذ تظهر المؤشرات فجوة بين مشاركة النساء الفعلية في إدارة المشروعات العائلية وحجم ملكيتهن للمنشآت، بما يعكس جانبًا من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه مشاركتهن في النشاط الاقتصادي.

ووفق بيانات درسة اأجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا العام، استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لم تتجاوز نسبة المنشآت التي تمتلك النساء أكثر من نصف حصصها 4% في قطاع التصنيع خلال عامي 2022 و2023، فيما بلغت النسبة 10% في قطاع الخدمات السوقية غير المالية.

وتشمل هذه الأرقام المنشآت الرسمية وغير الرسمية، مع استبعاد المشروعات الفردية التي لا تضم موظفين، كما بلغت نسبة المشروعات الأسرية التي تُنسب ملكيتها إلى النساء 19% عام 2023، في مقابل سيطرة الرجال على أكثر من 81% من ملكية هذه المشروعات.

وفي تقرير منفصل استند إلى دراسة ميدانية، أشارت المنظمة إلى انتشار حرمان النساء من الميراث، خاصة الأراضي، في المناطق التي شملتها الدراسة، وسجلت نسبة 95% في مناطق محددة بالمحافظات الحدودية وصعيد مصر.

وتكشف هذه البيانات، إلى جانب تجارب النساء اللاتي تحملن مسؤولية مشروعات عائلية وطوّرنها، أن الميراث لا يتعلق فقط بتوزيع الممتلكات بعد وفاة أصحابها، وإنما يمتد إلى تحديد من يحصل على فرصة إدارة ما تركوه، ومن يُمنح الثقة للاستمرار فيه، وحين تُستبعد النساء على أساس الاعتقاد بأنهن أقل قدرة على الإدارة، قد تخسر الأسرة حقًا من حقوقهن، إلى جانب فرصة الحفاظ على مشروع قائم وتنميته.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة