لا تتوقف أزمة حبس الصحفيين في مصر عند حدود النصوص القانونية، إذ تكشف حالات إخلاء السبيل بعد فترات طويلة من الحبس الاحتياطي، من دون إحالة أصحابها إلى المحاكمة، عن فجوة بين الضمانات الدستورية وممارستها الفعلية. ومع تجدد مطالبة نقابة الصحفيين بتشريع ينهي الحبس في قضايا النشر، يتجاوز النقاش حدود تعديل القانون إلى تفسير اتهامات الإرهاب، ومسؤولية المؤسسات الصحفية عن أوضاعها القانونية، وحدود التفاوض مع السلطة من دون التفريط في حرية الصحافة.
وتتباين الرؤى بشأن سبل الخروج من الأزمة بين من يركز على تفسير القوانين وتطبيقها، ومن يشدد على مسؤولية المؤسسات الصحفية عن تنظيم أوضاعها وإدارة علاقتها بالدولة، فيما يظل دور النقابة موضع خلاف بين أولوية الدفاع عن الصحفيين وضرورة التفاوض مع السلطة، وكلها قضايا كانت محور الجلسة الحوارية التي نظمتها "فكر تاني" وأدارتها الزميلة صفاء عصام الدين محررة القسم السياسي بالموقع، بمشاركة المحامي بالنقض والحقوقي نجاد البرعي، ووكيل نقابة الصحفيين محمد سعد عبد الحفيظ، ورئيسة تحرير موقع "الرئيس نيوز" شيماء جلال، على خلفية أزمة حبس فريق تحرير "متصدقش".
الحبس الاحتياطي حين لا تصل القضايا إلى المحاكمة
ويرى محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، أن استمرار حبس الصحفيين احتياطيًا لفترات طويلة، ثم إخلاء سبيلهم من دون إحالتهم إلى المحاكمة، يثير تساؤلات بشأن الأدلة التي تستند إليها الاتهامات منذ البداية، لا سيما مع تكرار هذه الوقائع.
ويستشهد عبد الحفيظ بحالات صحفية انتهت بإخلاء سبيل أصحابها بعد فترات من الحبس الاحتياطي، من بينها خالد داود، الذي أشار إلى قضائه نحو 19 شهرًا محبوسًا، وعادل صبري، رئيس تحرير موقع "مصر العربية"، الذي استمر حبسه قرابة عامين، والصحفي سامح حنين، الذي وُجه إليه اتهام بالانضمام إلى جماعة إرهابية.
ويرى أن هذه الحالات تثير تساؤلات بشأن جدوى إبقاء الصحفيين محبوسين لأشهر أو سنوات، قبل أن تنتهي القضية من دون إحالتهم إلى المحاكمة. ويشير إلى أن بعض الاتهامات قد ترتبط، بحسب تقديره، بموضوعات صحفية أثارت استياء أطراف داخل السلطة.
ولا يرى عبد الحفيظ أن وجود نص دستوري يضمن حرية الصحافة كافٍ وحده لحماية ممارستها، إذ لا تتحقق الضمانات بمجرد النص عليها، ما دامت إجراءات القبض والتحقيق والحبس قد تستمر فترات طويلة من دون أن تنتهي إلى محاكمة.
قانون الإرهاب وهل يتحول النقد إلى اتهام بالمساعدة؟
يرفض نجاد البرعي اختزال أزمة حرية التعبير في الصحفيين وحدهم، معتبرًا أن المشكلة تشمل حق المواطنين عمومًا في التعبير عن آرائهم، سواء عبر الصحافة أو مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها من الوسائل.
ويضع البرعي تفسير نصوص قانون مكافحة الإرهاب في صلب الأزمة، خصوصًا ما يتعلق باتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية أو مساعدتها، ونشر أخبار من شأنها الإضرار بالسلم العام.
ووفقًا لقراءته، قد يؤدي التوسع في تفسير مفهوم المساعدة إلى اعتبار النقد المنشور شكلًا من أشكال دعم جماعة إرهابية، رغم أن التعبير عن الرأي قد يستهدف الإصلاح أو انتقاد أداء الحكومة، من دون أن تكون له صلة بدعم أي تنظيم.
ويوضح البرعي موضع الإشكال بقوله إن تحديد نية الكاتب يصبح بالغ الصعوبة إذا أمكن تفسير مجرد نشر انتقادات للسلطة باعتباره وسيلة لمساعدة جماعة تسعى إلى إسقاطها.
ويضيف أن عمل الصحفي في مؤسسة تتلقى تمويلًا من جهة معينة قد يُستخدم، في بعض التفسيرات، أساسًا لتوجيه اتهامات تتعلق بالتمويل أو المساعدة، حتى لو لم يكن الصحفي على علم بمصدر الأموال أو بطبيعة العلاقة التي تستند إليها تلك الاتهامات.
وبالنسبة إليه، لا تتعلق المشكلة بالضرورة بصياغة مواد قانون العقوبات وحدها، وإنما تمتد إلى التفسير الذي تمنحه جهات التحقيق للنصوص القانونية، في ظل عدم وجود عدد كافٍ من أحكام محكمة النقض التي تفصل في صحة هذه التفسيرات وتضع حدودًا واضحة لها.
ويدعو البرعي إلى مراجعة قانون مكافحة الإرهاب وقانون الكيانات الإرهابية، بما يضمن عدم التوسع في اعتبار النشر أو تداول المنشورات والكتب شكلًا من أشكال مساعدة الجماعات الإرهابية، ما لم تتوافر أدلة تسوغ هذا التكييف قانونيًا.
وتتفق شيماء جلال معه في أن جوهر الأزمة يرتبط بطريقة تطبيق القوانين والمفاهيم المستخدمة في تفسيرها. وترى أن مفهوم مساعدة جماعة إرهابية واسع وقابل للتأويل، وأن الخلاف لا يُحسم بمجرد المطالبة بإضافة نصوص قانونية جديدة.
بين حرية الصحافة وشفافية المؤسسات من المسؤول عن إدارة العلاقة؟
تطرح شيماء جلال زاوية أخرى للأزمة، إذ تميز بين حرية الصحافة في اختيار سياستها التحريرية، ومسؤولية المؤسسات الصحفية عن تنظيم أوضاعها القانونية والإدارية وإدارة علاقتها بمؤسسات الدولة.
وترى أن إدارة مؤسسة صحفية في مصر لا تقتصر على اتخاذ قرار بالنشر وتعيين المحررين، وإنما تتطلب وضوحًا بشأن هوية المؤسسة، ومسؤوليتها القانونية، وهيكلها التحريري والإداري، وطبيعة وجودها في السوق الصحفية.
وتوضح أن العلاقة بين الصحافة والسلطة لا تُدار بالنوايا وحدها، مشيرة إلى ضرورة أن تكون المؤسسات الصحفية واضحة في هويتها وتعاملاتها، حتى لا يصبح العاملون فيها عرضة لمخاطر مرتبطة بغموض وضع المؤسسة أو طبيعة نشاطها.
وتؤكد أن دعوتها لا تستهدف فرض وصاية على المحتوى المنشور أو مطالبة الصحفيين بتغيير آرائهم، وإنما تركز على إدارة العلاقة بين المؤسسات الصحفية وأجهزة الدولة، بما يساعد على حماية العاملين عند نشوب خلاف أو حدوث تصادم.
في المقابل، يعترض عبد الحفيظ على تحميل الصحفيين مسؤولية التكيف مع مناخ يحد من حرية العمل، ويشدد على أن الدور الأساسي للصحافة يتمثل في مراقبة مؤسسات السلطة وكشف التناقضات بين تصريحات المسؤولين والوقائع والأرقام المتاحة.
ويرى أن ذلك يستدعي أيضًا النظر في مدى احترام حق الصحافة في ممارسة دورها الرقابي، والتحقق من استناد الاتهامات الموجهة إلى العاملين في المؤسسات الصحفية إلى أدلة واضحة.
وبالنسبة إليه، ينبغي أن تعمل الصحافة وفق الدستور والقانون، وأن تتمكن من نشر المعلومات ومساءلة المسؤولين من دون أن يتحول ذلك إلى مبرر لملاحقة العاملين فيها.
السوشيال ميديا تربك حسابات السلطة
يربط نجاد البرعي جانبًا من الأزمة بالتحولات التي شهدها المجال الإعلامي منذ عام 2011، مع صعود السوشيال ميديا وانتقال جزء من تداول الأخبار والمعلومات إلى منصات لا تخضع بالضرورة لآليات الإعلام التقليدي.
فبعدما كانت الصحف والقنوات التلفزيونية المحدودة تمثل المنافذ الرئيسية للأخبار، أصبح المواطنون أنفسهم يوثقون الوقائع ويتداولونها قبل وصولها إلى المؤسسات الصحفية، ما أتاح لهم أداء دور أقرب إلى دور الصحفيين، من خلال تصوير الأحداث ونشرها وتبادل المعلومات عنها. وقد غير ذلك طبيعة العلاقة بين المجتمع والإعلام والسلطة.
ويرى البرعي أن أحداث عامي 2011 و2013 أسهمت في تشكيل تصورات أمنية بشأن تأثير الإعلام الجديد، باعتباره قادرًا على تحريك الرأي العام والتأثير في استقرار السلطة. ومن هذا المنطلق، يفسر اتساع استخدام مفاهيم مثل "حروب الجيل الرابع" باعتباره جزءًا من المخاوف المرتبطة بتداول المعلومات.
ومع ذلك، يرفض البرعي اختزال الصراع في مواجهة بين الدولة وجماعات تسعى إلى إسقاطها، مشيرًا إلى وجود صراع آخر بين من يريد كشف الحقيقة ومن يسعى إلى إخفائها، مع إقراره بأن الجماعات الإرهابية تمثل تهديدًا حقيقيًا.
ويحذر من أن إغلاق منافذ تداول المعلومات لا يمنع الجمهور من البحث عنها، وإنما قد يدفعه إلى الاعتماد على مصادر أخرى، بما فيها منصات لا يثق بها العاملون في الإعلام المصري أو يختلفون مع توجهاتها السياسية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع انتقاد عبد الحفيظ لتراجع ثقة الجمهور في وسائل الإعلام المحلية، إذ يرى أن ابتعاد الناس عن الصحافة المصرية يرتبط بتراجع دورها في نقل معاناتهم ومراقبة أداء السلطة.
ويحذر عبد الحفيظ من أن فقدان الجمهور لا يضر المؤسسات الصحفية وحدها، وإنما يحرم الدولة نفسها من أداة تكشف مواطن الخلل والاحتقان، وتساعدها على فهم ردود الفعل تجاه سياساتها وقراراتها.
دور النقابة بين الدفاع والتفاوض
يدافع محمد سعد عبد الحفيظ عن تحركات النقابة للمطالبة بالكشف عن أماكن الصحفيين المقبوض عليهم، ومعرفة الاتهامات الموجهة إليهم، وضمان وصول المحامين إلى المحتجزين، وإخطار ذويهم، واحترام حقوقهم القانونية في أثناء التحقيق.
ويؤكد أن النقابة لا يمكنها الانتظار من دون تحرك في ظل غياب المعلومات عن مصير صحفيين، مشيرًا إلى أن إصدار بيانات لجنة الحريات يمثل أحد أدوات العمل النقابي، إلى جانب قنوات التواصل والتفاوض مع مؤسسات الدولة.
ويشدد عبد الحفيظ على أن نقابة الصحفيين ليست مجرد جهة تقدم خدمات لأعضائها، إذ يتيح لها قانونها ممارسة دور سياسي يرتبط بالدفاع عن حرية الصحافة وحق الصحفيين في النشر والتعبير.
ويرفض، في المقابل، اختزال الخلافات داخل مجلس النقابة في الانتماءات الأيديولوجية لأعضائه، معتبرًا أن انتخاب المجلس على أساس برنامج معلن يمنحه تفويضًا للدفاع عن مصالح الجماعة الصحفية.
كما يرى أن اختلاف بعض أعضاء الجمعية العمومية مع طريقة إدارة الأزمة أمر مشروع، ويعده جزءًا من الممارسة الديمقراطية داخل النقابة.
في المقابل، تنتقد شيماء جلال طريقة إدارة التفاوض وصياغة بعض البيانات، معتبرة أن النقابة تحتاج إلى مقاربة تتيح لها أداء دور الوسيط بين الصحفيين ومؤسسات الدولة، من دون التخلي عن واجبها في الدفاع عن أعضائها.
وتوضح جلال أن التفاوض لا يعني التنازل عن حرية النشر، وإنما يستهدف الوصول إلى قواعد واضحة تحمي الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية عند وقوع خلافات مع السلطات.
ويتجلى الخلاف بصورة أوضح عند مناقشة البيان الصادر عن النقابة في أعقاب أزمة "متصدقش"، إذ يرى عبد الحفيظ أن التحرك جاء في ظل غياب المعلومات عن مصير الصحفيين والاتهامات الموجهة إليهم، بينما تركز جلال على ضرورة مراجعة طريقة إدارة الأزمة واللغة المستخدمة في البيانات.
التمويل والشفافية.. هل تحمي المؤسسات الصحفية من الملاحقة؟
تدافع شيماء جلال عن ضرورة وضوح الوضع القانوني للمؤسسات الصحفية، معتبرة أن معرفة المسؤولين عنها وطبيعة عملها ومصادر تمويلها تساعد على تنظيم العلاقة بينها وبين الجهات الرسمية.
لكن محمد سعد عبد الحفيظ يحذر من الاعتقاد بأن الإفصاح عن هذه المعلومات سيمنع بالضرورة ملاحقة الصحفيين، مشيرًا إلى أن الالتزام بالإجراءات القانونية لا يعفي المؤسسات من المخاطر الناجمة عن طريقة تطبيق القوانين.
أما نجاد البرعي، فيؤيد مبدأ الشفافية، ويرفض في الوقت نفسه التعامل مع التمويل باعتباره نقطة ضعف في حد ذاته، أو اعتبار التمويل الخارجي دليلًا تلقائيًا على وجود مخالفة.
ويشير إلى أن الدولة تمتلك، عبر المؤسسات المصرفية والرقابية، آليات لمتابعة التحويلات المالية، متسائلًا عن جدوى إثارة الشكوك بشأن مصادر التمويل إذا كانت الجهات الرسمية قادرة على الاطلاع على المعلومات المتعلقة بها.
ويرى البرعي أن الإفصاح يخدم الجمهور أيضًا، إذ يمنح الأفراد فرصة لتحديد المؤسسات التي يريدون التعامل معها، بناءً على معرفة مصادر تمويلها وتوجهاتها.
ويحذر من أن التمويل، سواء كان داخليًا أو خارجيًا، يمثل عنصرًا أساسيًا لاستمرار عمل كثير من المؤسسات المدنية والصحفية، وأن تحويله إلى وسيلة للضغط قد يهدد قدرتها على الاستمرار.
حرية الصحافة مصلحة للدولة أم عبء على السلطة؟
يرى نجاد البرعي أن إتاحة المجال أمام تداول المعلومات تصب في مصلحة المجتمع والدولة معًا، فحجب الحقائق لا يمنع انتشارها، وإنما يفسح المجال أمام الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
ويؤكد أن مواجهة الإرهاب لا تتعارض بالضرورة مع توسيع مساحة حرية التعبير، ما دام تطبيق القانون منضبطًا ولا يخلط بين النقد والمشاركة في نشاط إرهابي.
أما محمد سعد عبد الحفيظ، فيربط مستقبل حرية الصحافة بقدرتها على استعادة دورها الرقابي، ونقل المعلومات، وطرح البدائل السياسية أمام الجمهور. ويرى أن الصحافة التي تكتفي بعرض الإنجازات من دون كشف أوجه القصور قد تفقد قدرتها على تنبيه مؤسسات الدولة إلى المشكلات المتراكمة داخل المجتمع.
ويشدد عبد الحفيظ على أن انتقاد الصحفيين أداء المؤسسات لا يعني بالضرورة أنهم يعملون ضد النظام أو الدولة، فهم يمارسون دورًا رقابيًا يفترض أن يكون جزءًا من العمل العام.
ويرى أن نجاح الدولة في إدارة المجال الإعلامي يتطلب إتاحة مساحة حقيقية للصحافة الحرة، بما يسمح للمواطنين بتكوين آرائهم على أساس المعلومات، ومقارنة أداء الحكومة ببرامج القوى السياسية المختلفة.
في المقابل، تؤكد شيماء جلال أهمية إدارة العلاقة بين الصحافة والسلطة على أساس من الوضوح والشفافية، مع ضرورة أن تتحمل المؤسسات الصحفية مسؤولياتها القانونية والإدارية، وأن تعمل النقابة على تطوير أدوات التفاوض وحماية العاملين.
وبين اختلاف الرؤى، تظل القضية أوسع من مشروع قانون لمنع الحبس في قضايا النشر. فقد يمثل التشريع أحد عناصر الحل، غير أن أثره سيظل محدودًا ما لم تصاحبه مراجعة لتفسيرات القوانين، وضمانات تحول دون التوسع في الحبس الاحتياطي، وقواعد واضحة تنظم العلاقة بين المؤسسات الصحفية والسلطات.