ما بعد السيسي.. النظام قبل أسماء المرشحين

في الوقت الذي أغلق فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي الباب أمام احتمالات تعديل الدستور لتمديد بقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته الأخيرة عام 2030، فرض سؤال هوية خليفته نفسه سريعًا على المشهد السياسي في مصر، بعدما اقترح أن تتولى الأكاديمية العسكرية إعداد مجموعة من الشخصيات وتأهيلها لتولي المنصب، وهو ما نقل النقاش من موعد مغادرته السلطة إلى الكيفية التي ستُختار بها القيادة المقبلة.

وخلال حفل تخرج الأكاديمية العسكرية المصرية، شدد السيسي على أنه لن يغادر منصبه قبل إعداد قادة قادرين على قيادة الدولة، مقترحًا وضع قانون ينظم انتخاب رئيس الجمهورية، تتولى الأكاديمية بموجبه إعداد وتأهيل مجموعة من الشخصيات على مدار 30 شهرًا، على أن يقتصر الاختيار على الحاصلين على درجتي الماجستير والدكتوراه، وتتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، فيما يحدد القانون آلية اختيارهم بعد اجتياز الدورات التدريبية.

واستثنى المقترح الوزراء الذين أمضوا 6 سنوات أو أكثر في مناصب وزارية من الالتحاق ببرنامج التأهيل العسكري، استنادًا إلى أنهم سبق أن تحملوا المسؤولية داخل الجهاز الإداري للدولة، من دون أن يوضح الرئيس ما إذا كان اجتياز البرنامج سيصبح شرطًا أساسيًا للترشح للرئاسة، أم سيقتصر الأمر على إعداد مجموعة من الشخصيات التي يمكن أن تدخل السباق مستقبلًا.

وبذلك انتقل النقاش سريعًا من مفاجأة إعلان الرئيس عزمه مغادرة السلطة في 2030، بعد أسابيع من انتشار دعوات لتعديل الدستور بغرض تمديد فترة حكمه، إلى شروط اختيار الرئيس المقبل، خصوصًا أن إخضاع الراغبين في الترشح لدورة تأهيل في الأكاديمية العسكرية، على غرار بعض متطلبات الوظائف الإدارية، يثير تساؤلات عن مدى توافقه مع الدستور.

فـالمواد المنظمة لانتخاب رئيس الجمهورية في الدستور المصري المعدل عام 2019 لا تشترط الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، ولا تنص على اجتياز برنامج تأهيل في الأكاديمية العسكرية، وإن كانت المادة 141 تحيل إلى القانون في تحديد شروط أخرى للترشح، وهو ما قد يفتح الباب أمام المشرّع لإضافة شروط جديدة يراها مناسبة، ويضع المقترح الرئاسي أمام اختبار دستوري يتعلق بحدود هذه السلطة التشريعية.

ويرى مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية عماد جاد أن المقترحات المتعلقة بالمؤهل العلمي والدورات العسكرية تخالف الدستور، الذي لا ينص صراحة على اشتراط حصول المرشح على درجتي الماجستير والدكتوراه، كما أن إخضاع الراغب في الترشح لتدريب يمتد 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية لا يندرج ضمن شروط الترشح الواردة في الدستور، وهو ما يجعل إقرار هذه المتطلبات، في تقديره، محتاجًا إلى تعديل دستوري يفتح الباب مجددًا أمام الجدل بشأن تغيير مواد أخرى.

في المقابل، لا يرى صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، أن تنظيم شرط المؤهل العلمي يستدعي تعديل القرار بقانون رقم 22 لسنة 2014 بشأن تنظيم الانتخابات الرئاسية، إذ يتضمن القانون درجات علمية مختلفة، تبدأ بالمؤهل الجامعي الأول، سواء الليسانس أو البكالوريوس، وتشمل الدبلوم السابق على الماجستير، ثم الماجستير والدكتوراه، أما استحداث شروط جديدة، مثل التدريب في الأكاديمية العسكرية، فيمكن أن يأتي من خلال مشروع قانون يقدمه رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء أو 60 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب.

ولم يتوقف الجدل عند حدود دستورية المقترح، إذ رأى سياسيون أن انتقال السلطة في مصر سيظل محاطًا بحسابات الهندسة السياسية ما لم يصاحب التعهد بعدم المساس بالدستور شروع في تهيئة المجال العام، وإعادة تنشيط الحياة السياسية، وإتاحة المجال للأحزاب لممارسة أنشطتها، ورفع القيود عن الإعلام، بما يسمح بفتح نقاش أوسع حول شكل النظام السياسي بعد انتهاء فترة حكم السيسي.

هندسة سياسية تلوح في الأفق

يرى طلعت فهمي، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أحد أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية، أن فرض شروط جديدة للترشح إلى منصب رئيس الجمهورية يهدد جوهر العملية الديمقراطية، ويجعلها خاضعة للهندسة السياسية التي شهدتها الانتخابات النيابية منذ عام 2015، وانتهت إلى تشكيل برلمانات موالية للسلطة، بحسب تقديره.

ويعتبر فهمي أن المقترح يكشف تناقضًا بين إعلان الرئيس عدم المساس بالدستور والسعي إلى تحصين منصب الرئاسة، عبر حصر المرشحين المحتملين في الحاصلين على الدكتوراه والوزراء السابقين، وإخضاع الراغبين في الترشح لدورات تدريبية تشرف عليها الأكاديمية العسكرية، رغم أن هذه الشروط ليست واردة في الدستور المصري، وهو ما يعيد طرح السؤال عن حدود التغيير المسموح به في قواعد الوصول إلى المنصب الأعلى في الدولة.

وفي حديثه لـ"فكر تاني"، يشدد فهمي على أن الالتزام الرئاسي بعدم المساس بالدستور ينبغي أن يمتد إلى تطبيق نصوصه التي تضمن التنافس السياسي، وتتيح العمل للأحزاب، وتحمي حرية الصحافة، وتدعم النشاط النقابي، فضلًا عن إنهاء أزمة الحبس الاحتياطي التي أسهمت في إبقاء آلاف الأشخاص خلف القضبان لسنوات، بحسب قوله.

وتتجاوز الأسئلة التي يطرحها الباحث السياسي عمرو عبد الرحمن حدود شروط الترشح، لتصل إلى شكل الدولة بعد خروج السيسي من السلطة، والعلاقة بين الجيش والسياسة، وطبيعة التشابك بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فضلًا عن هيكل الاقتصاد المصري، وهي ملفات يرى أن من الضروري فتح النقاش بشأنها مع تأكيد الرئيس انتهاء فترة حكمه في 2030 وعدم وجود نية لتعديل الدستور.

ومن بين ما يستوقف عبد الرحمن، مسؤول وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، استشهاد الرئيس بالمادة 200 من الدستور المصري، التي تنص على أن القوات المسلحة ملك للشعب، وأن مهمتها حماية البلاد وصون الدستور والديمقراطية وحقوق الأفراد ومدنية الدولة، وهو ما يدفعه إلى التساؤل عن الدور الذي ستؤديه المؤسسة العسكرية مستقبلًا في حماية الديمقراطية ومدنية الدولة، وما إذا كان تحصين منصب الرئاسة، من خلال مشروع القانون المقترح، جزءًا من التصور الذي يطرحه الرئيس.

ويضع عبد الرحمن مسؤولية التعامل مع هذه الأسئلة أمام قوى المعارضة نفسها، معتبرًا أن فتح باب النقاش بعد فترة من انغلاقه يمنحها فرصة لصياغة تصور واضح لمستقبل الدولة ونظام الحكم، ويقول إن "الباب فتح للنقاش بعد أن كان مغلقًا، فما الذي يمنع المعارضة من التفكير في شكل الدولة بعد 2030، ووضع تصورها لنظام الحكم، بما في ذلك الفصل بين المؤسسات ودور الجيش ومستقبل مرفق العدالة ووضع التيار الإسلامي؟".

وتلتقي هذه الدعوة مع ما يراه فهمي من أن القوى الوطنية مقبلة على عمل كبير خلال الفترة المقبلة، بعدما أُثيرت أسئلة ظلت بعيدة عن النقاش العام، وهو ما يتطلب من المعارضة تغيير أدواتها والتفاعل مع التطورات السياسية المستجدة، وصولًا إلى صياغة موقف مشترك من شكل المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه المطالب في وقت أعادت فيه الحركة المدنية الديمقراطية ترتيب هيكلها السياسي، وأسندت مهمة المنسق العام إلى القيادي بحزب العيش والحرية أكرم إسماعيل، وشكلت مكتبًا تنفيذيًا بعد فترة من الارتباك وتضارب الرؤى بين مكوناتها، دفعت أحزابًا مثل المصري الديمقراطي والعدل والإصلاح والتنمية والمحافظين إلى إعلان الانفصال عنها، فيما اتجهت أطراف أخرى إلى تقييم استمرارها داخل الحركة.

انفراجة سياسية واجتماعية

كانت الحركة المدنية الديمقراطية قد رحبت بإعلان السيسي عدم المساس بالدستور، واعتبرته "خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية"، وتحمل رسالة تؤكد أن الدستور هو الإطار الحاكم للحياة السياسية، ولا ينبغي تعديله وفقًا للظروف أو الأشخاص، لكنها ربطت قيمة هذا التعهد بترجمته إلى إجراءات تفتح المجال العام وتعيد التوازن إلى العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ورأت الحركة أن احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة يمثل الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية، وطالبت بفتح "رئة المجتمع" أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وبث الأمل في إمكان الانتقال الديمقراطي، وتهيئة مسار لتغيير سياسي واجتماعي عميق يقوم على المشاركة والمساءلة والشفافية، مع تمكين المجتمع من تحديد مصيره والدفاع عن مصالحه عبر آليات ديمقراطية سلمية.

وأكدت الحركة أن احترام الدستور والالتزام بالتداول السلمي للسلطة وجهان لمسار واحد، يتطلب ترسيخهما عمليًا تهيئة مناخ سياسي يسمح بالمنافسة العادلة، وضمان الحقوق والحريات العامة، والإفراج عن سجناء الرأي، وإفساح المجال أمام حوار وطني جاد وشامل، مجددة ترحيبها بتصريح الرئيس، ومعربة عن تطلعها إلى تحوله إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم.

ويضع محمد أمين، رئيس المكتب التنفيذي لحزب المحافظين، هذه المطالب في صلب النقاش بشأن المرحلة المقبلة، مشيرًا في تصريحات لـ"فكر تاني" إلى أن إعلان الرئيس عدم ترشحه لفترة رئاسية جديدة قد يحرك المياه الراكدة في الحياة السياسية، وإن كانت المقترحات المطروحة توحي، في تقديره، بأن الدولة لا تسعى إلى تغيير جوهري في شكل النظام القائم، وإنما إلى ترتيب انتقال السلطة من داخل دولاب العمل نفسه.

ويرى أمين أن الانتقال من بيئة سياسية مغلقة تمامًا إلى حالة من الانفتاح يتطلب إجراءات أخرى تتيح للأحزاب استعادة قدرتها على الحركة، وطرح آرائها، وتقديم تصوراتها لشكل النظام السياسي، مؤكدًا أن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح سياسي وحياة حزبية حقيقية.

أما مسألة تحديد الأسماء القادرة على خلافة السيسي في حكم مصر، فلا يراها الباحث السياسي عمرو عبد الرحمن أولوية ينبغي أن تنشغل بها القوى السياسية في الوقت الراهن، إذ لا يزال من المبكر، قبل 4 سنوات من موعد الانتخابات الرئاسية، الحديث عن مرشحين محتملين، بينما يتمثل السؤال الأكثر إلحاحًا في شكل النظام السياسي بعد خروج رأس السلطة من الحكم، وطبيعة القواعد والمؤسسات التي ستنظم المرحلة التالية.

لكن ملامح المرحلة التالية لن تتحدد بهوية الرئيس الذي سيخلف السيسي بقدر ما تتحدد بالقواعد التي ستنظم وصوله إلى المنصب، فالفارق كبير بين إعداد مجموعة من المرشحين داخل مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام منافسة سياسية يملك المصريون فيها حرية الاختيار، إذ إن ما سيحسم طبيعة انتقال السلطة في 2030 ليس اسم من سيجلس على كرسي الرئاسة، وإنما ما إذا كان خروجه من الحكم سيغير شاغل المنصب وحده، أم يفتح الطريق أمام تغيير القواعد التي تحكم الوصول إليه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة