"نسينا بيوتنا وحياتنا".. كيف امتدت ضغوط التعليم من المدرسة إلى البيت؟

حين سألنا منار مبارك، وهي أم ومعلمة، عن نظرتها إلى واقع المنظومة التعليمية وتأثيرها على حياة الأسرة، ردت بغضب حاد "هو فين التعليم"، ثم أجابت على نفسها "أنا لا عندي وقت أعلم الطلبة في المدرسة، ولا عندي وقت أعلم ولادي في البيت بعد المدرسة، أنا في المدرسة اتحولت لموظفة إدارية، وفي البيت اتحولت لمديرة مدرسة فترة مسائية".

بهذه الكلمات لخصت منار واقع التعليم داخل المدرسة وفي البيت، موضحة أن يومها الدراسي لا يتوقف عند شرح الدروس، إذ تقول "كمعلمة، مطلوب مني في الحصة أشرح الدرس، وأكتب أجزاء على السبورة الطلبة تنقلها ورايا، كأداء صفي، ومطلوب مني أصحح الواجب بتاع امبارح، وأخد الغياب، وأسجل الغياب، وأسجل درجة الواجب، وأصحح الأداء الصفي اللي كتبه الطالب من على السبورة، وأصحح كتاب المدرسة.. امتى وازاي".

ومع تراكم هذه المهام، ترى منار أن المعلمة نفسها لم تعد تملك الوقت الكافي للقيام بدورها الأساسي، فتقول "طبيعي أكون مقصرة مع الطلبة، لأني مبقتش معلمة"، بينما لا ينتهي يومها بعد العودة إلى المنزل، إذ تجلس مع أبنائها الثلاثة للمذاكرة والتسميع وكتابة الواجب والأداء المنزلي ومتابعة النشاط المطلوب والقص واللصق في كل مادة، وتضيف "وده بيحصل في كل مادة، مع 3 ولاد.. طب حياتي وحياة أسرتي فين، لما طول اليوم كدة. مبقاش عندنا وقت نقعد مع بعض، لا أنا مع زوجي، ولا مع ولادي، كأننا في سجن".

من الفصل إلى غرفة المعيشة

بالصورة نفسها تقريبًا، صارت حياة كثير من الأسر منذ بداية العام الدراسي الذي انطلق في 12 سبتمبر الجاري، ويستمر حتى نهاية يونيو المقبل، وسط شكاوى لا تتوقف على السوشيال ميديا بسبب ضغوط التعليم، وطول المناهج وتعقيدها، وكثرة الواجبات والأداءات المنزلية والصفية، إلى جانب التقييمات اليومية والدروس الخصوصية.

وزادت حدة النقاش بعدما فتح منشور كتبه وزير التربية والتعليم السابق رضا حجازي، انتقد فيه ضغوط التقييمات، الباب أمام مناقشة قرارات المنظومة التعليمية وتداعياتها على حياة الناس، والأطفال بشكل خاص.

وانتقد حجازي مطاردة الأطفال يوميًا بالواجبات والتقييمات والدرجات، دون النظر إلى طفولتهم وهواياتهم، معتبرًا أن ذلك قد يتسبب في مشكلة نفسية.

غير أن الضغوط التي تصفها منار لا تقف عند حدود المدرسة أو أداء الواجبات، إذ يرى الباحث المتخصص في العلاقات الاجتماعية والتنمية البشرية عادل بركات أن ما يحدث قد يقود إلى عقد اجتماعية ونفسية وأسرية لدى الكبار والصغار.

ويقول لـ"فكر تاني"، "لما الطفل طول اليوم مفيش في حياته غير كتاب وقلم وكراسة، وعايش مع مناهج شايفها مش مناسبة لا لسنه ولا حياته، لا يمكن يكون مبدع، وهيكبر على كراهية التعليم من الأساس".

ويستدل بركات على أثر هذه الضغوط بفيديو جرى تداوله مؤخرًا، تظهر فيه أم وهي تصور ابنها لتهدده بأنها ستبلغ الشرطة إذا لم ينته من كتابة الواجب، بينما كان يبكي ويتوسل إليها بشكل هستيري لأنه غير قادر على إكماله. ويصف بركات المشهد بأنه "كارثة في حد ذاتها"، مضيفًا "الأم جابت آخرها من التعليم وضغوطاته عليها، فبتخرج غضبها على ابنها اللي بقى كاره التعليم، وكاره الأسرة اللي بتجبره على التعليم".

ومن هذا المشهد ينتقل بركات إلى الصورة الأوسع داخل المنزل، معتبرًا أن الأسر تواجه مجموعة من الضغوط التي يمكن أن تصنع حالة شحن غير طبيعية. ويقول "فلا الأسرة قادرة تتعايش مع ضغوط اقتصادية ومعيشية، ولا قادرة يكون عندها توازن نفسي، ولا عندها أي وسيلة للتنفيس عن همومها، وبيتحط عليها ضغوط وهموم أكبر مرتبطة بتعليم ولادها، فانت بتصنع معارضة مجتمعية شديدة الغضب".

ويرى أن هذه المعارضة لا تحتاج إلى قائد حقيقي لأنها، حسب تعبيره، تقود نفسها بنفسها، ويشرح "لما أشوفك ضاغط عليا بالشكل ده في حاجة تخص ابني، اللي هو أعز ما ليا، واستثماري الوحيد في الدنيا. لا يمكن أكون إلا ضدك، ودي مفيهاش مؤيد للنظام ولا مع النظام، أنا شايفك بتحط سياسة تعليمية بتعقدني وبتعقد ولادي، وخلت حياتي جحيم، ده مكمن الخطر الحقيقي".

البيت مدرسة

ومن داخل البيوت التي تعيش هذه الضغوط، ظهرت صفحات وحسابات كثيرة على فيسبوك تعكس حالة الغضب المكتوم لدى شريحة معتبرة من المعلمين وأولياء الأمور تجاه السياسة التعليمية التي وصفوها بأنها "مرهقة" وتعجيزية. ووصل هذا الغضب إلى المطالبة بإقالة وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، وسط انتقادات حادة توحي بأن التعليم أصبح مثيرًا لعقد نفسية.

وتعرف منار هذا الشعور من حياتها اليومية، فتقول لـ"فكر تاني"، "أنا حياتي بقت منتهى الكآبة، تقريبا بقعد مع زوجي صدفة. لا بقينا نتكلم في حاجة، ولا نتناقش في مستقبلنا، ولا حياتنا الخاصة. الأسرة كلها بقى كل حياتها تعليم في ضغط في واجبات في تقييمات، الصبح مدرسة، بالليل دروس خصوصية ومدرسة.. لا خروج ولا فسح ولا أنا ولا ولادي، حتى النادي بقى محرم علينا، وده خلى النفسية سيئة".

وما تعيشه منار لا تراه أميرة قنديل استثناءً، إذ تصف تجربتها باعتبارها امتدادًا للمشكلة نفسها، إذ تحولت قنديل إلى معلمة في المساء، بعدما تقضي يومها موظفة إدارية في إحدى المدارس من 8 صباحًا حتى 3 عصرًا، وتقول "مضطرة أكون معلمة، بقسى على ولادي في المذاكرة والواجبات والتقييمات والدروس، علشان مفيش أصلا مدارس".

وتتساءل أميرة بغضب عن السبب الذي يجعل الأم مطالبة بأن تؤدي دور المدرسة كاملًا داخل المنزل، فتقول "أنا ليه مطلوب مني أذاكر المنهج مادة مادة، وأقعد بالليل أراجع مع ولادي وأذاكر لهم وأحل معاهم الواجبات والمهام المطلوبة، ويادوب نخلص على وقت النوم. بيتي بقى عبارة عن فصل، ورق هنا، وكتب هناك، وصراخ هنا، وعويل هناك. وتقريبا بقيت أنا وزوجي عايشين في حالة خرس. هو في حياته، وأنا حتى مش قادرة أكون ست بيت عادية".

ويرى بركات أن هذا المزاج العائلي السلبي يمكن أن يصبح بيئة خصبة للشقاق الأسري، خصوصًا عندما يرتبط الخوف على مستقبل الأبناء بكل تفاصيل اليوم. ويضيف "المودة والعاطفة داخل الأسرة الواحدة مبقتش موجودة، والروتين أصبح ظاهرة عامة. الأم تصحى تلبس ولادها، تنزل شغلها، ترجع آخر اليوم لتجهيز الغداء، ثم تبدأ مهمتها كمعلمة لعدة ساعات، وبعدها الكل يدخل ينام".

ولدى أميرة تفسير مباشر لما تعتبره جوهر الأزمة، إذ ترى أن وزارة التعليم "لا تسمع، ولا ترى، ولا تتكلم"، وأن ما يعنيها فقط تنفيذ سياستها بحذافيرها دون مرونة. وتقول "المهم عندها التقييمات والواجبات والحضور للمدرسة، طب المدرسة فيها شرح مش مهم، فيه معلمين ولا فيه عجز معلمين مش مهم، المنهج طويل ومعقد مش مهم، هو كدة إن كان عاجبكم".

ثم تكمل وصف أثر ذلك على الأسرة "قدام كل ده، مضطرين نبقى معلمين نذاكر ونشرح، علشان المعلمين يا مش فاضيين في المدرسة يكونوا معلمين، أو مفيش أصلا معلمين، علشان كدة نسينا بيوتنا، ونسينا علاقاتها وحياتنا، نسينا نخرج، نتفسح، نسهر، نفتح التليفزيون، نقعد نتكلم، نسأل بعض عن حياتنا، احتياجاتنا، نفضفض حتى مع بعض. مفيش وقت، لحد ما كرهنا التعليم وحياتنا".

من البيوت إلى البرلمان

وبينما ترى منار وأميرة أن التعليم استحوذ على اليوم كله، يقدم أحمد سيد، وهو أب يعمل في شركة خاصة ولديه 3 أبناء، تفسيرًا آخر لما يحدث. ويقول "تحس إنهم بيلهونا مع ولادنا علشان منفكرش في حاجة غير التعليم، بدل ما نفكر في الأسعار، والظروف المعيشية الصعبة، والغلاء، والمرتبات، وفي اللي الحكومة بتعمله وناوية تعمله. عندي قناعة إنهم عايزنا طول الوقت في دوامة اسمها ركزوا مع ولادكم وبس".

وخلال حديثه مع "فكر تاني"، يرى أحمد أن هذه السياسة ستقود إلى نتائج عكسية بسبب الضغوط التي تحملتها الأسر، ويقول "لأن كل أسرة حرفيا، بقى عليها ضغوط وهموم لا تحتمل. أنا برجع من شغلي بمسك بنتي أذاكر لها، وزوجتي معاها ابني التاني، وبنتي اللي بتدرس في بكالوريا أنا مش بشوفها ولا بتقعد معايا علشان يومها كله مدرسة ومذاكرة ودروس وتقييمات وترجع تنام.. دي مش عيشة بني آدمين أبدا".

ولا تختلف آثار ذلك على أبنائه عن الصورة التي عرضتها الأمهات، إذ يقول أحمد "عيالي من صغرهم كانوا مشتركين في نادي للسباحة، منعتهم، ومبقناش نخرج علشان مفيش وقت. التليفزيون ده بقى محرم علينا، لا مدارس بتفيد، ولا دروس خصوصية بتكفي المنهج، ولا أنا وزوجتي قادرين نكمل باقي السنة، ولا عيالي عايشين حياتهم زي ما كانوا عايشين. احنا بنتعاقب علشان بنعلم ولادنا، ومحرومين من كل حاجة، أنا كأب بقى عندي عقدة".

ومع انتقال الضغط من الأب والأم إلى الأبناء أنفسهم، يحذر بركات من جانب آخر يتعلق بالأسر التي لا يملك الوالدان فيها مستوى التعليم الذي يسمح لهما بمتابعة المناهج ومساعدة أبنائهما. ويقول "إن ده بيحصل مع الأسر اللي الأب والأم فيها متعلمين. طب الطفل اللي أهله مش متعلمين، أو تعليمهم متوسط، يعمل إيه، ويتعلم ازاي، ويتأسس ازاي. ده هيحس بالعجز لأن معندوش أسرة تهتم وترعى وتذاكر وتشرح وتساعد، صحيح الأبوين هنا مش عليهم ضغوط، لكن الابن هيكبر على أميّة تعليمية ويبقى جاهل".

ومع اتساع الشكاوى، وصلت الأزمة إلى دوائر البرلمان. وقالت النائبة داليا الإتربي، عضو مجلس الشيوخ، إن شكاوى عديدة وصلت إليها بسبب صعوبة المناهج، التي لا تمثل ضغطًا على الطلاب فقط، وإنما تمتد آثارها إلى أولياء الأمور، خاصة الأمهات اللاتي يتحملن أعباء إضافية في متابعة الدروس والمذاكرة. وأضافت أن بعض المناهج تتجاوز قدرة الأطفال على الاستيعاب في هذه المرحلة العمرية.

وترى الإتربي أن للطفل حقًا في النوم والعيش في طفولته مع حصوله على التعليم، محذرة من أن زيادة الضغوط الدراسية قد تؤدي إلى مشكلات نفسية وسلوكية لدى الطلاب. وفي السياق نفسه، عبرت البرلمانية عن حزب الإصلاح والتنمية إيرين سعيد، عبر حسابها على فيسبوك، عن حزنها مما يحدث، متسائلة "هو اللي بيحصل مع الطلبة ده طبيعي، أنا حزينة على اللي بيحصل من غياب متعة التعليم".

وفي الجهة المقابلة، لا ترى وزارة التعليم أن الاستغاثات المتعلقة بكثرة المناهج أو صعوبتها تعكس حجم المشكلة الذي يصفه الأهالي. وقال مساعد وزير التعليم أكرم حسن مؤخرًا إن هذه الشكاوى "مبالغ فيها"، موضحًا أن "المناهج صممت للصغار، وليس الكبار، لأن التلاميذ يستوعبوها بحكم أنها موجهة لهم، أما الكبار فإذا تعاملوا معها لن يستوعبوها بسهولة لأنها ليست لهم".

وبينما تتحدث منار وأميرة وأحمد عن يوميات تحولت فيها المنازل إلى امتداد للفصول الدراسية، وتحذر أصوات تربوية وبرلمانية من انعكاسات الضغوط على الأطفال والأسر، يرى بركات أن تجاهل هذه الحالة قد يوسع نطاق المعارضة المجتمعية المكبوتة ضد الحكومة. وحسب تقديره، لم تعد الأسرة بيئة مثالية للحوار والترابط والمودة بين أفرادها، بقدر ما صارت حاضنة لمزاج سيئ وحياة بائسة تحكمها الورقة والقلم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة