لا تملك لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري مساحة كبيرة للمناورة في اجتماعها، اليوم الخميس، لحسم سعر الفائدة، في ظل ضغوط عالمية ومحلية على ملف الأسعار، وتزايد التوقعات بارتفاع التضخم.
ويأتي رفع أسعار الفائدة عالميًا في مقدمة الضغوط التي تواجه البنك المركزي المصري، بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة، أمس الأربعاء، بمقدار ربع نقطة مئوية. ورغم محدودية الزيادة، فإنها قد تكون كافية لجذب الأموال الساخنة الباحثة عن عوائد أعلى حول العالم.
والمال الساخن، أو الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة كما تحب الحكومة تسميتها، يضم فئة من المستثمرين تشبه الطيور المهاجرة التي تبحث عن عش. فإذا وجدت دولة تقدم فائدة كبيرة على ديونها أقامت فيها، وبمجرد أن تظهر فرصة ثانية في دولة أخرى بعائد أعلى، تنتقل إليها سريعًا.
وتقترب قيمة تلك الاستثمارات حاليًا من 40 مليار دولار، وهي مستويات قريبة مما كانت عليه قبل الحرب الأمريكية - الإيرانية. وقد تعرضت هذه الأموال لهزات تاريخية في مصر، كان أخطرها في 2022، مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية ورفع الفائدة الأمريكية في أعقابها، وهي فترة شهدت خروج 22 مليار دولار دفعة واحدة من مصر وهبوطًا حادًا في قيمة الجنيه.
المال الساخن مشكلة مزمنة
تكمن مشكلة الأموال الساخنة في أنها تدخل إلى مصر بالدولار، لذلك ترحب بها الحكومة باعتبارها إيرادات دولارية سريعة تدعم احتياجات الاستيراد والتصدير وسداد الديون. غير أن خطورتها تظهر عند الخروج، إذ يؤدي رحيلها المفاجئ إلى خلق طلب على الدولار، فيرتفع سعره ويتراجع الجنيه.
ولإبقاء هذه الأموال داخل مصر، قد يضطر البنك المركزي إلى رفع الفائدة بنسبة طفيفة، أو على الأقل الإبقاء على معدلاتها الحالية، مع السيطرة على التضخم من خلال وسائل أخرى تضمن للمستثمرين الأجانب عائدًا مغريًا.
ويعتمد البنك المركزي في خفض التضخم أيضًا على عطاءات السوق المفتوحة، وهي آلية يستخدمها لسحب السيولة من البنوك التي يمكن إقراضها، وبالتالي تقليل المبالغ التي يجري ضخها في الاقتصاد، فينخفض الطلب على السلع وتتراجع أسعارها.
وخلال سبتمبر الحالي، سحب البنك المركزي سيولة من خلال عطاءات السوق المفتوحة بقيمة 1.5 تريليون جنيه، بزيادة 388% عن أغسطس السابق، و726.4% عن يوليو السابق عليه. ويشير ذلك إلى رغبة البنك المركزي في الحفاظ على الفائدة الحقيقية، وهي الفارق بين الفائدة البنكية ومعدل التضخم.
وفي الأسبوع الذي تلا رفع الفائدة الأمريكية، تحول مستثمرو المال الساخن في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري، وهي السوق التي يجري فيها بيع وشراء أدوات الدين قبل حلول موعد استحقاقها، إلى صافي بيع بقيمة 513 مليون دولار.
ومع تحرك هذه الأموال، أصبحت حركة الجنيه المصري أكثر ارتباطًا بها، إذ يبدأ تراجع العملة المحلية أمام الدولار مع خروج المال الساخن، وهي مشكلة تمتد آثارها إلى التضخم، خصوصًا أن مصر تستورد عمومًا بين 60% و70% من احتياجاتها الغذائية لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المتزايد.
التضخم أمام اختبار جديد
ويأتي اجتماع السياسة النقدية للبنك المركزي قبل اجتماع لجنة تسعير المنتجات البترولية في أكتوبر، الذي يتوقع أن يشهد رفع الحكومة أسعار البنزين والسولار بنسبة 10%، تأثرًا بارتفاع أسعار النفط عقب غلق السعودية خط أنبوب النفط "شرق/غرب"، ونقص المعروض العالمي، بحسب بيان شركة "إتش سي" للأوراق المالية والاستثمار، وصلت إلى "فكر تاني" نسخة منه.
وفي الوقت نفسه، تراجع التضخم الحضري الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى 14.5% في أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو. أما التضخم الأساسي الصادر عن البنك المركزي، الذي يستبعد السلع المسعرة إداريًا أو المعرضة لهزات العرض والطلب مثل الفاكهة، فقد ارتفع إلى 14.9% مقابل 14.7%، مع ارتفاع التضخم الشهري الأساسي إلى 0.3%.
وفي حين تبدو إمدادات الوقود مستقرة، فإن مسألة الأسعار تظل مفتوحة على احتمال آخر، فقد نفى المتحدث باسم مجلس الوزراء، المستشار محمد عادل، وجود أي زيادة جديدة في أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا "استقرار الأسعار وعدم وجود أي قرارات لتحريكها"، فيما أكد وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي توافر مخزون كافٍ ومستقر من مشتقات الطاقة، وفي مقدمتها البنزين. غير أن هذا النفي لا يحسم مسار الأسعار، خاصة أن الحكومة سبق أن تعهدت في أكتوبر 2025 بعدم زيادة أسعار المحروقات، ثم عادت ورفعتها في مارس 2026، بدعوى الارتفاع الكبير في أسعار النفط عالميًا حينها.
وتتوقع هبة منير، المحللة المالية في شركة "إتش سي"، ارتفاع التضخم بنسبة 1.3% على أساس شهري خلال سبتمبر، على أن تعلن نتائج تضخم سبتمبر يوم 10 أكتوبر 2026. أما خلال أكتوبر، فتتوقع زيادة التضخم العام بنسبة 2.1% على أساس شهري.
وتقول هبة لـ"فكر تاني" إن زيادة سبتمبر مدفوعة بارتفاع بند تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى، نظرًا للزيادة السنوية في الإيجارات القديمة، بالتزامن مع الأثر الموسمي لبداية العام الدراسي في المدارس والجامعات خلال سبتمبر.
وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا حاليًا إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، بزيادة تصل إلى 25 دولارًا عن السعر الذي تفترضه الوزارة للعام الحالي. وتمثل هذه الزيادة مشكلة كبيرة للموازنة، نظرًا إلى أن كل دولار إضافي في سعر برميل النفط يرفع العبء عليها بنحو 4 مليارات جنيه.
ضغوط من كل مكان
غير أن الضغوط الواقعة على الموازنة من رفع أسعار الفائدة تأتي أشد من تلك المرتبطة بسعر برميل النفط، إذ إن كل 1% زيادة في أسعار الفائدة ترفع عجز الموازنة العامة في مصر بنحو 120 مليار جنيه، وفقًا لتقديرات وزارة المالية، وهو عامل إضافي تضعه لجنة السياسة النقدية في حساباتها خلال اجتماعها اليوم.
وفي الوقت نفسه، يطرق التضخم باب وزارة المالية بعد ارتفاع أسعار القمح عالميًا إلى أعلى مستوى في 3 سنوات، مع تأخر الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا إلى أدنى مستوى منذ 2010، بفعل الهجمات المتبادلة على موانئ تصدير الحبوب.
وسجل سعر طن الدقيق زيادة بنحو 4 آلاف جنيه، ليرتفع من 17 ألف جنيه إلى 21 ألف جنيه، بسبب ارتفاع الأسعار العالمية للقمح. ومع ذلك، أكدت شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية التزام أعضائها بالتوجيه الوزاري رقم 6 الصادر في مارس الماضي، بشأن الالتزام بالأسعار وضبط الأسواق.
وفي هذه الأجواء، اتسعت مساحة التكهنات بشأن قرار الفائدة. وتتوقع هبة منير أن ترفع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 1% لمسايرة البنوك المركزية العالمية، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي اللذين رفعا الفائدة 25 نقطة أساس.
وتبلغ أسعار الفائدة الحالية 19% للإيداع و20% للإقراض، بما يعني هامش فائدة حقيقي موجبًا يقارب 4 نقاط مئوية، وهي نسبة جيدة بالنسبة إلى قطاع من المستثمرين الأجانب.
وتربط قراءة إيهاب سعيد، محلل أسواق المال، بين ارتفاع أسعار البترول وتزايد أعباء الموازنة، إذ يقول لـ"فكر تاني" إن تجاوز سعر البرميل 100 دولار، بدلًا من 75 دولارًا في الموازنة، دفع الدعم المخصص له من 15.8 مليار جنيه إلى ما يقارب 45 مليار جنيه تقريبًا.
ويشير سعيد إلى أن الأمر نفسه ينطبق على الكهرباء بعد ارتفاع أسعار الغاز إلى الضعف تقريبًا، إذ يبلغ الدعم المخصص لها في الموازنة 104 مليارات جنيه، لكنه قفز إلى 175 مليار جنيه وفق الأسعار الحالية، بإجمالي دعم للطاقة يقارب 220 مليار جنيه بدلًا من 120 مليار جنيه في الموازنة.
ويضيف أن ارتفاع تكلفة المواد البترولية بهذه النسبة يكلف الدولة حوالي 2.6 مليار دولار شهريًا بدلًا من 1.2 مليار دولار فقط في يناير الماضي، وهو ما يضيف مزيدًا من الضغط على الجنيه في ظل ارتفاع الطلب على الدولار. ويفسر ذلك ارتباط حركة الجنيه بأسعار النفط لحظيًا، ولذلك يرى أن الحكومة سترفع أسعار الوقود خلال الاجتماع المقبل للجنة التسعير في الأسبوع الأول من أكتوبر، بنسب لن تقل عن 10 - 15%.
سيناريو التثبيت الخيار الأقرب
وفي مقابل هذه الضغوط، يرى الدكتور أحمد شوقي، الخبير المالي والاقتصادي، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن السيناريو الأقرب خلال اجتماع سبتمبر هو تثبيت سعر الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، مع استمرار متابعة التضخم الأساسي وأسعار الطاقة والتحركات العالمية للفائدة.
ووفقًا لشوقي، قد يترافق سيناريو التثبيت مع إجراءات مكملة تستخدم أدوات أخرى، مثل الاحتياطي الإلزامي، إلى جانب سحب البنك المركزي للسيولة من خلال سوق العطاءات الأسبوعية.
وتبلغ نسبة الاحتياطي الإلزامي الحالية لدى البنك المركزي المصري 16% بدلًا من 18%، بعد قرار خفضها بنسبة 2% في فبراير 2026. وتقوم فكرة الاحتياطي الإلزامي على إجبار البنوك التجارية على إيداع جزء أكبر من ودائعها لدى البنك المركزي من دون أي عوائد أو فوائد، ما يقلل حجم الأموال المتاحة لدى البنوك والقابلة للإقراض، فينخفض الطلب على السلع ويتراجع التضخم.
أما رفع الفائدة، فيظل وفق رؤية شوقي سيناريو بديلًا إذا ظهرت ضغوط إضافية على التضخم أو سوق الصرف. ويضيف أن قرار لجنة السياسة النقدية في سبتمبر ينبغي النظر إليه باعتباره قرارًا لإدارة التوازن بين استقرار الأسعار والحفاظ على جاذبية الأصول المحلية، وليس مجرد استجابة لتحرك أسعار الفائدة العالمية.
ومع تحسن مسار التضخم وارتفاع هامش الفائدة الحقيقي، يرى شوقي أن عودة بعض الضغوط على التضخم الأساسي بالتزامن مع تشدد السياسة النقدية في الولايات المتحدة واليابان ترجح استمرار النهج الحذر من جانب البنك المركزي.
قرار من الصعب التنبؤ به
ويصل الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إلى زاوية مختلفة، إذ يرى أن التنبؤ بقرار البنك المركزي المصري المقبل بشأن سعر الفائدة "غير ممكن"، لأن البنك، بحسب قوله، لم يضع أسسًا علمية سليمة ومعلنة لطريقة حساب أسعار الفائدة.
وفي المقابل، تؤكد لجنة السياسة النقدية أن قرارها يأتي بعد تقييم الأوضاع النقدية استنادًا إلى التطورات الاقتصادية المستجدة عالميًا ومحليًا، والعوامل المغذية للضغوط التضخمية، ومسار التضخم المتوقع في ظل المخاطر المحيطة.
ويشرح عبد المطلب لـ"فكر تاني"، أن الصورة تبدو مختلفة في الولايات المتحدة، موضحًا أنه قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأسبوع كان على يقين من أن الفيدرالي سيرفع سعر الفائدة، رغم اعتراض البعض على هذا الرأي باعتبار أن كيفن وارش، رئيس الفيدرالي، قد لا يستطيع إغضاب الرئيس دونالد ترمب.
وكان ترامب قد اختار وارش في مايو 2026 من بين عدة مرشحين، مع توقع أن يواكب آراءه بشأن ضرورة خفض الفائدة، نظرًا إلى أن هذا الملف تسبب في صدام مستمر بين الاحتياطي الفيدرالي وترامب.
ويتابع عبد المطلب "الاحتياطي الفيدرالي يبني قراره على المعطيات وليس على التوجهات، وبالتالي عندما كان البعض يسألني ويلح حول التوقع بقرار البنك المركزي كان الرد كيف أتوقع قرارًا إداريًا لا يتم اتخاذه على أية أسس علمية؟".
ومع تداخل ضغوط التضخم وأسعار النفط وسوق الصرف وحركة الأموال الساخنة، تبدو لجنة السياسة النقدية أمام معادلة تتجاوز مجرد تحديد سعر الفائدة. فكل قرار يحمل أثرًا على جاذبية الأصول المحلية، وتكلفة الاقتراض، ومسار الأسعار، في وقت تتغير فيه الضغوط من الداخل والخارج معًا.
وبينما تترقب الأسواق قرار اللجنة اليوم، ستظل مؤشرات التضخم وأسعار الطاقة وحركة الجنيه خلال الأسابيع المقبلة عناصر حاسمة في رسم المسار التالي، خصوصًا مع اقتراب اجتماع لجنة تسعير المنتجات البترولية في أكتوبر وصدور بيانات التضخم لشهر سبتمبر في 10 أكتوبر 2026.