تُغلق مي مصطفى على نفسها غرفة ملئية بالألعاب وتدخل في نوبة هيستيرية من البكاء. تنظر للألعاب من حولها بحسرة، بينما يطرق ابنها على الباب صارخا يناديها أن تخرج له.
تقول "مي" من محافظة سوهاج مترجمة وأم لطفل 6 سنوات يعاني من اضطراب "فرط الحركة وتشتت الانتباه" لـ"فكر تاني": "دي مش أول نوبة انهيار عصبي تجيني. إحساس العجز بشع، ابني ومش عارفة أساعده. نفسي يلعب بألعابه 5 دقايق. تخيلي نفسي يلعب مش يتفوق دراسيا. لو طفل شبط في لعبته، حماتي تقول سيبهاله، هو بيلعب بيها؟! أهو تحللوا فلوسها. كل أملي يعيش حياة عادية مش مثالية. عايزة يبقى عنده أصحاب يعرف يتواصل معاهم. مش عايزة أصحى كل يوم خايفة من مشوار المدرسة والانهيار اللي بيحصله وأنا بسيبه."
توضح دكتورة "نيرمين باسيليوس" استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين: "فرط الحركة ونقص الانتباه هو اضطراب خُلقي يولد به الانسان، ولا علاقة له بالذكاء، ولكن بكيفية عمل الدماغ والجهاز العصبي.
الأطفال المصابون به مفرطي النشاط، يجدون صعوبة في التركيز والتحكم في سلوكهم وانفعلاتهم. هذا ليس له علاقة بنقص التربية، وليس مرضا بالشكل المتعارف عليه، إنما وصف لحالة يعيشها الفرد. فهو اضطراب نفسي، ولا يتم تشخيص الفرد به إلا إذ ظهرت الأعراض منذ الطفولة، وتجلت في بيئات مختلفة (البيت والمدرسة)، وأدت إلى صعوبات في الحياة اليومية منها: صعوبة في الجلوس بلا حركة، سرعة في نفاذ الصبر، صعوبة في ادراك الوقت والتخطيط للأمور، ارتكاب أخطاء بسيطة لكن خطيرة، بدء مهام دون الانتهاء منها، صعوبة التحكم في الانفعال عند الغضب."
وقد أجريت عدة دراسات في محافظات مختلفة في مصر لتحديد نسبة انتشار الاضطراب، منها دراسة في محافظة المنوفية، نُشرت في المجلة الدولية لطب الأسرة، أوضحت أن معدل انتشار الاضطراب بين أطفال المدارس يصل إلى 6.9%
أزمة التشخيص
رحلة طويلة تقطعها الأمهات للوصول للتشخيص الصحيح منذ بداية ظهور الأعراض على أطفالهن. إذ يقعن في حيرة أي الطرق يسلكون للعلاج، فهو ليس مرضا عضويا يسكن بالدواء. هو اضطراب نفسي، يرجع لاختلال في عمل كيمياء المخ والجهاز العصبي، ويؤثر على سلوكيات الأطفال.
تقول "نشوى عادل" من محافظة المنيا موظفة وأم لطفلتين، الكبرى مصنفة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لـ"فكر تاني": "بعد الفطام، كانت بتنام 3 ساعات كل يومين. روحت لدكتورة الأطفال وقولت شاكة عندها فرط حركة وتشتت، ردت أنتي مكبرة الموضوع. روحت لطبيب مخ وأعصاب، قال بدون كشف دي اضطرابات ما بعد الفطام، وكتب منوم. اديتها العلاج وفضلت مش بتنام كويس. رجعتله، عمل رسم مخ وقال كهربا زيادة. تاخد العلاج وتتعب وتبقى متنحة. لما وصلت سنتين ومتأخرة في الكلام وديت تخاطب. بعدها لجأت لطبيب نفسي وقال مفيش تشخيص قبل 4 سنوات. سافرت بني سويف، والقاهرة وبعد فحوصات وأشعة، اتشخصت فرط حركة وتشتت."
نفس الرحلة قد خاضتها مي مصطفى: تقول "مكنتش عارفة اتوجه لأي اختصاص، سألت طبيب الأطفال، رشح طبيب مخ وأعصاب كتبله علاج دوائي هدى الهيبرة شوية، ورشح مركز طبي لعمل اختبارات مختلفة مرة اتقالي حرمان بيئي، ومرة طيف توحد. غيرت أكتر من مركز لحد ما استقرينا على تشخيص اضطراب فرط حركة وتشتت. علشان اتأكد سافرت القاهرة لطبيب نفسي واشتكيت من اختلاف التشخيص كان ردها مش مهم التشخيص".
عن أسباب الخلط في التشخيص وحيرة الأهالي توضح دكتورة "هبة جهيني" ـ باحثة واستشارية سلوكية حاصلة على دكتوراه في الاضطرابات الخاصة بفرط الحركة وتشتت الانتباه لـ"فكر تاني": "يحدث الخلط أحيانا بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مع اضطراب التوحد لأنهما يشتركان في جينات نمائية عصبية متقاربة، وهناك حالات تُشخص بوجود الاضطرابين. ما يؤخر بناء الخطة العلاجية، لأنها تُبنى وفق الحالة الخاصة بالطفل وليس على المسمى الفضفاض للتشخيص."
تضيف دكتور هبة جهيني: "من هنا تبرز أهمية التدخل المتعدد التخصصات. لا بد من حلقة وصل وتكامل بين طبيب المخ والأعصاب أو الطبيب النفسي المسؤول عن التشخيص العيادي وضبط الجرعات الدوائية، وبين الاستشاري التربوي وأخصائي تعديل السلوك المسؤول عن صياغة نمط حياة الطفل وتدريب الأهل على مهارات التنظيم الذاتي والتحكم بالاندفاعية. وغياب التنسيق والربط يجعل خطة العلاج غير مكتملة."
نفس الأمر يؤكده دكتور "وليد طليحي عباس" استشاري الأمراض النفسية والعصبية ومدير مركز الاستشاري للطب النفسي وعلاج الإدمان، يقول لـ"فكر تاني": "الطريق الأمثل لمساعدة طفل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يتمثل في التشخيص الدقيق والتمييز بينه والاضطرابات الأخرى، بينما يحدث الخلط في توصيف حالة الطفل ما بين طفل مشاغب وطفل لديه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو اضطرابات أخرى كطيف التوحد بسبب تشابه الأعراض الظاهرية. بالنسبة للحركة، المشاغب يتحرك كثيرا لاكتشاف البيئة، بينما المصاب بفرط الحركة ترجع حركته لضعف كبح المحرك الداخلي لديه، والمصاب بطيف التوحد يتحرك لتفريغ طاقة حسية أو سلوكيات نمطية. بالنسبة لضعف التواصل وتجاهل النداء، المشاغب يتجاهل لانشغاله باللعب، طفل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يتجاهل بسبب التشتت أو فرط التركيز، أما طفل التوحد لقصور في التواصل".
ويحذر دكتور وليد عباس من تأخر التشخيص: "هناك تأثير سلبي للتأخر أو الخلط في التشخيص لأنه سيؤدي إلى ضياع نافذة التدخل المبكر. ويفوت فرصة الاستفادة من اللدونة العصبية لدماغ الطفل في سنواته الأولى. لذا لو اشتبهت الأم أو طبيب الأطفال في تشخيص الطفل فعليه توجيه الأسرة لطبيب اخصائي نفسية وعصبية، لوضع برنامج علاجي دوائي مع تحديد جلسات التأهيل السلوكي المناسبة للطفل لمساعدته علي كيفية زيادة الإنتباه وتعلم التحكم في الاندفاعية وكيفية تفريغ الطاقة الحركية الزائدة."
أعباء مشوار العلاج
تشكو "نشوى عادل" من الجلسات: "بنتي مشكلتها عنيفة، ومشاعرها متقلبة جدا فكنت بودي مراكز لتعديل السلوك. المراكز الكويسة والمريحة في التعامل غالية، الساعة بـ200 جنيه و3 جلسات في الأسبوع. واللي سعرها معقول بيرفضوا تكوني مع بنتك، وأنا محتاجة أعرف أتعامل ازاي. وقفتها لأني حسيتها استنزاف مادي. الدكتور اللي شخصها قال محتاجة تفرغ طاقة بتمارين وألعاب. بقيت أجيب ألعاب وأودي تمارين. بس عندنا في البلد تصرفي فلوس على المهارات تبقي مبذرة، وعاوزة تخربي بيت جوزك ومتخليهوش يتهنى بجنيه. واحنا لو معملناش أنشطة اليوم بيبقى كارثة، لازم خروجة لفسحة أو تمرين."
بينما لجأت "مايسة، أم سيف" من محافظة الجيزة أم لطفلين أكبرهما 10 سنوات مصاب بالاضطراب إلى التأمين الصحي تقول لـ"فكر تاني": "أنا بصرف علاجه من التأمين، وبوديه جلسات على أد مقدرتي، في الجلسة بيقولوا كلمتين. الأصول يتابع مع دكتور نفسي، لو معايا كنت وديته. لكن الكشف بألف جنيه، وجلسات المتابعة الساعة بـ350. أجيب منين ده كله. أبوه شغال باليومية هيجيب سجايره والأكل ولا جلسات ودروس."
قليل التربية
تُعد تربية طفل طبيعي تحدي يواجه الوالدين، وطفل يعاني من هذا الاضطراب يضاعف التحدي، ويضع الأم في مواجهة مع المجتمع، إذ يُنظر إلى الطفل أنه سيء الخلق فشلت أمه في تربيته. وصعوبة التعامل معه قد تدفع بالأب الشريك للتخلي عن مسئولياته تجاهه.
تقول "مايسة": "كل اللي تقابلني تشتكي ابنك ضرب ابني، والعيال بقت وحشة، يجري ويسيبني معرفش فين، فكنت بحبسه. هو طيب وغلبان وعايز يلعب، بس أسلوبه اندفاعي، ومش عارف يتكلم معاهم. أقول لأبوه لاعبه بس دور كوتشينة. يقولي أنا جاي من الشغل تعبان. الضغط كله عليا، لما أخرجه الجونينة يزن زي العيل الصغير، ويفرج علينا الناس."
نفس الأمر تشكو منه إلهام ثابت روائية ومدققة لغوية، أم لآربعة أطفال، طفلها الأول 12عاما مصاب بالاضطراب، تقول لـ"فكر تاني": "بحس إني وحدي. لو قولت عنده اضطراب بيتقالي كلام فاضي وموضة. أمي بتقول ما اسمعناش الكلام ده غير على جيلكم. الصعوبة أنك وحدك فاهمه. كنت أمشي في الشارع أعيط، وأكلم استشاريين. بخاف لما ينزل الشارع يتوصم. هو بيحس أنه مش شبه أقرانه لأن طريقته في اللعب مختلفة. بيلعب باندفاعية تخليهم ينفروا أو ما يفهمش هزارهم فيتفهم قماص. بقيت ألعب معاه بره ونتحدى الشارع نلعب بلي وغميضة، أركب معاه عجلة ونصطاد فراشات. فالعيال تيجي معانا تلعب. بحس المجتمع مش بيساعد، المهم الأسرة، لو ما اديتهوش ثقة، هيطلع مهزوز، والمجتمع هيستلمه".
تحكي "طاهرة العامري" من السويس وأم منفصلة، لديها طفل 4 سنوات، مصنف بالاضطراب، تعمل في مجال الصحة النفسية عن معاناتها: "عادة أول حد بيبقى رافض الطفل هو الأب. وبتروحي أي مكان بطفل عنده فرط حركة بيبقى مرهق وغير متقبل. البالغ المصنف واعي. بيواجه ناس تعلق على تصرفاته وتتنمر، فطور آليات تخليه يواجه. لكن لما يبقى ابنك الموضوع بيبقى مؤذي ليكي كأم".
تلخص طاهرة العمري علاقة طليقها بابنهما بجملة قصيرة قاسية: "ما يعرفش عنه حاجة. ولا أن عنده نفس الاضطراب بالوراثة. احنا من قبل الولادة فى مشاكل، لدرجة سجلت اسم ابني بمحضر. علاقته بالولد انقطعت تماما. وعلاقتي مع أهلي تضررت بسبب اختياري الطلاق."
يوضح دكتور "وليد عباس" كيف يؤثر الاضطراب على الحياة الاجتماعية: "يجد الأطفال صعوبة في التواصل مع أقرانهم بسبب صعوبة في قراءة الإشارات غير اللفظية، كما يميلون إلى مقاطعة الأحاديث والاندفاعية في التواصل، ولديهم صعوبة في الالتزام بقواعد اللعب وانتظار الدور، وحساسية مفرطة تجاه النقد أو الرفض. وصعوبة في اتباع التعليمات المركبة بسبب ضعف الذاكرة العاملة، عند الإحباط يتعرضون لتغيرات انفعالية سريعة، ويواجهون الوصم المجتمعي الناتج عن فهم السلوك بشكل خاطئ. تحتاج الأسرة إلي إدراك أن سلوكيات الطفل ناتجة عن خلل عصبي نمائي وليس سوء تربية، والتخلص من شعور الذنب والوصمة المجتمعية، مع اهتمام الأم برعايتها الذاتية لحمايتها من الإنهاك النفسي."
تضيف دكتورة هبة جهيني: " تدريب الوالدين وإرشادهم الأسري جزءاً من بروتوكول العلاج السلوكي المعرفي. خطة تعديل السلوك لا يمكن أن تنجح دون تفهم الأهل لكيفية إدارة البيئة المنزلية والتعامل مع نوبات الغضب وتشتت الانتباه بأساليب تربوية بديلة عن العنف. والحقيقة الصادمة للأهالي أن الاضطراب يحمل جينات وراثية. تشير الدراسات أن نسبة توريث الاضطراب تتخطى 75%، هذا يعني أنه أحد الوالدين أو الأقارب مصاباً به. وهذا يفسر لماذا يعاني بعض الآباء والأمهات من العصبية، الاندفاعية، أو صعوبة التنظيم في إدارة حياة أطفالهم. لذا جلسات الدعم النفسي والإرشاد السلوكي للأهل ضرورة ليفهموا طبيعة طفلهم، وليتمكنوا من ضبط انفعالاتهم واستعادة جودة الحياة. فبعض الأسر تعيش في احتراق نفسي."
تقول إلهام ثابت: "أنا اتشخصت من 3 سنين بنفس الاضطراب. اشتغلت فريلانسر واتفرغت لإبني. درست في مجال علم الاجتماع والنفس، وبحضر دكتوراه في مجال حقل الطفولة. وعلشانه روحت أتعالج. بقيت أحاول أفهمه وأفهم نفسي من خلاله. وأعرف ازاي أتعامل. الموضوع هلكني بعد الجواز. ازاي أعمل روتين، وأركز في أكتر من مهمة. وصلنا لمرحلة بنتكلم ونتفرج على فيديوهات تخص الاضطراب سوا. لما بيحس بزهق أو قلة تركيز بيقول ده من الاضطراب. فأنا مبسوطة أنه واعي بنفسه، أنا في سنة كنت حاسة بس بالاختلاف".
مسار تعليمي مهدد
مع انتشار تصنيف اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بين الأطفال، تحول التصنيف كتهمة يشار بها للأطفال من قبل مسئولي المدارس، وتُنكرها الأسر لأسباب شتى خوفا من الاستبعاد، أو الوصم المجتمعي. فلا يجلب التصنيف مزيدا من الدعم يستحقه الأطفال بل أعذارا تستخدمها بعض المدارس لرفض الطفل.
تشكو"بسنت نور" من محافظة القاهرة أم لطفل مصاب بالاضطراب لـ"فكر تاني" من سوء تعامل الإدارات: "المدارس بتتعامل مع ولي الأمر كأنه بيشحت منهم القبول بالطفل. وده شعور مؤذي، غير الوقت اللي بيضيع علشان نلاقي مدرسة مناسبة. بيتعاملوا كأن الطفل معاق ولازم معاملة خاصة وما ينفعش ندمجه مع الأطفال العادية، وده ضد العلاج. ربنا يرشدنا لبني آدمين في إدارات المدارس يكونوا على درجة من الوعي. علشان نترحم من رحلة العذاب دي."
ذات الرفض واجهته مي زغلول من محافظة الجيزة مع المدارس والنوادي الرياضية تقول لـ"فكر تاني": "ابني اتفصل من ٣ مدارس بسبب فرط الحركة، غير سوء التعامل معانا. المجتمع مش مستوعب قدراتهم ونوعية ذكاءهم. مركزين مع عيوبهم، حتي مدربين النوادي بيشتكوا أنه مش بيسمع الكلام بدل ما يبذلوا مجهود. وللأسف اضطرينا نوقف رياضة".
واختارت "إلهام ثابت" عدم التصريح بتشخيص ابنها لإدارة المدرسة تقول: "كل سنة بروح المدرسة، أكلم المدرسين مش بأقول عنده اضطراب، لأن لو اتوضع في قالب هيتضغط عليه. بقول ابني يبان تايه بس هو بيلقط كل حاجة. لو فصل منكم بجد، ممكن تلفتوا انتباهه بملاحظة مرحة وبتشجيع بسيط."
تذكر إلهام أحد المواقف السيئة التي مرت بهما: "مرة معلمة بتراقب عليه، لقته حل كويس في الماث. تاني امتحان قطعت ورقته واتهمته بالغش وأنه غبي. خلته يمتحن آخر صف. ما رضيتش أعمل لقطة علشان ما يرفضش يروح المدرسة. قدمت شكوى رسمية. وقولتلها مرفوض تطلعيه غشاش بدون دليل وتوصميه أنه غبي وحمار. ابني طلع الأول على صفه بعد ما جاوب امتحاناته في حراسة. اعتذرت بعدها ليا ولابني".
رفضت إلهام تغيير المدرسة الحكومية واستبدالها بخاصة كما اقترح زوجها: "رفضت التغيير لأنه دايما هيقابل ناس مش فاهماه وهتحصل مشاكل. فلازم يبقى واثق من نفسه. لو غيرت المدرسة، والمشاكل اتكررت هيشك أن الخلل عنده. وبره المدرسة بستثمر في كورسات مختلفة رسم، ذكاء اصطناعي، رياضة."
يؤكد دكتور عباس طليحة: "أن اتساع الفجوة بين قدرات الطفل الذكائية وأدائه الأكاديمي بسبب تشتت الانتباه، وضعف مهارات التنظيم وإدارة الوقت، والتململ الحركي يحرم الطفل من التحصيل العلمي ويجعله في مواجهة عقوبات فصلية متكررة."
وعن كيفية إدارة العملية التعليمية داخل فصول تضم أطفالا لديهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه تتحدث "أمينة السعيد" معلمة بمدرسة خاصة في محافظة الغربية لـ"فكر تاني": "بنواجه صعوبات في التعامل معاهم سواء في السيطرة على الطفل، أو لفت انتباهه. ولو عصبي أو عنده لزمات الوضع أصعب، لأني بضيع معاه وقت ومجهود. وبيأثر على زمايله أما خايفين منه وبيتجنبوه أو بيقلدوه. بنشتغل على أنهم يندمجوا في الدراسة والأنشطة بس محتاجين مجهود. الطفل بيبقى خايف بس مع الوقت والروتين لأنهم نمطيين بيتعود ويتحسن. في حالات لازم يبقى معاهم شادو تيتشر. دوره هنا مهم ومطمئن لأنه بيسيطر على الوضع ويتحكم ف الطفل."
وعن التواصل مع أولياء الأمور تقول أمنية: "لما بنتكلم معاهم عن شكوكنا في أن الطفل مختلف. لو الطفل حركي، أو بيعمل لزمات، ولو الطفل عصبي أو عنيف. في أولياء أمور بتتقبل، وفي بيرفض نصنف طفله وبينكر رغم معرفته بحالته. بنلجأ وقتها للاخصائي النفسي يتكلم معاه. أولياء الأمور اللي بتعترف بده بتبقى مع الدرجة العالية من الاضطراب، مش عارفة تخبي. الغالبية عايزنا نتعامل أن الولد شقي."
توضح "أسماء عبد الموجود" اخصائي توحد واضطرابات نمائية وتعديل سلوك عملت ك"شادو تيتشر" في محافظة قنا لـ"فكر تاني" طبيعة عملها: "الشادو بيساعد الطفل يفهم قواعد الصف ويكتسب مهارات المشاركة والتفاعل، ويوصل لمرحلة الاعتماد على الذات. المدرسة بتحدد الطفل محتاج شادو أو لا، وفقا لمدى سوء حالته في التفاعل أو لقصور في اللغة والإدراك. أولياء الأمور لأسباب مختلفة مش بيفضلوا الخيار ده ماديا أو خوفا من الوصم المجتمعي. المسئول عن اختيار الشادو ولي الأمر. ولابد يتقابل الشادو والطفل قبل الدراسة علشان يتعرفوا. المدرسة مكان مليء بالمثيرات اللي ممكن تهيبر الطفل. فالشادو محتاج يعرف السلوكيات غير المقبولة اللي بتصدر من الطفل، وازاي يتعامل معاها. ويكون اشتغل معاه على خطة وهيأه للدمج."
وعن الوضع داخل الصف ورد فعل الأطفال وكيفية تعاون معلمة الصف مع الشادو تقول أسماء عبد الموجود: "بنشرح للأطفال أن الشادو جاية تساعد طفل بعينه، الأطفال بيفهموا أن الطفل مختلف لكن في ايه ما يعرفوش. في أطفال بتتنمر وفي بيخاف ويرفض التفاعل معاه، وفي أطفال بتحب تشارك وتساعد، بيعتمد على شخصية الأطفال وتربية الأهل. بالنسبة للمعلم في حالة حدوث نوبة غضب للطفل بيقع في حيرة بين أنه يلفت انتباه بقية الأطفال، ويطلب من الشادو تخرج الطفل بره، ولا يلفت انتباه الطفل المضطرب علشان يستفاد مع زمايله".
تنتقد أسماء عبد الموجود عدم جاهزية المدارس لاستيعاب جميع فئات الطلاب: "بصراحة أغلب المدارس غير مهيأة لده لأن من ضمن الخطة اللي بيحطها الشادو أنه في بعض الأوقات يشتغل مع الطفل في غرفة مخصصة خارج الفصل الدراسي "غرفة المصادر"، وأغلب المدارس مش بتوفرها، ولو موجودة بتبقى بدائية. وأغلب المدرسين غير مؤهلين للتعامل مع هذا النوع من الأطفال علشان كده بيتركه مسئوليته بالكامل على الشادو بدل المشاركة، رغم أن الشادو حل مؤقت."
أعلن صندوق تطوير التعليم التابع لـ رئاسة مجلس الوزراء، عن إطلاق تقييم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من خلال المركز المصري للاختبارت بهدف توفير أداة علمية دقيقة تساعد أولياء الأمور والمعلمين على فهم أنماط السلوك المرتبطة بالانتباه والتركيز والنشاط الحركي لدى الأطفال. حيث يعد اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من أكثر الاضطرابات شيوعًا في سنوات الطفولة المبكرة.
ورغم أن إطلاق تقييم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قد يمثل خطوة مهمة نحو تشخيص أكثر دقة، فإن التشخيص وحده لا ينهي معاناة الأسر. فالأمهات اللاتي تحدثن لـ"فكر تاني" لا يبحثن فقط عن اسم لحالة أبنائهن، وإنما عن علاج متاح، ومدرسة تفهم احتياجاتهم، ومجتمع يتوقف عن لومهن، ولا ينظر إلى أطفالهن باعتبارهم "مشاغبين" أو عبئًا.
ويبقى السؤال الذي تنتظره الأمهات: ماذا بعد التقييم؟ هل تتحول معرفة حالة الطفل إلى دعم حقيقي يضمن له بيئة تعليمية مناسبة، ومعاملة سوية، وحقًا متساويًا في التعلم والاندماج؟