كانت منى، وهي أم في الـ40 من عمرها، تقلب صفحات الكشاكيل المدرسية داخل أحد أروقة معرض "أهلًا مدارس"، فيتقلب وجهها معها، عاكسًا حيرةَ من يخوض عشرات الحسابات الاقتصادية المرهقة لتدبير الاحتياجات المدرسية لـ3 أطفال، فيما لا تسعفها لافتة تدّعي "تخفيضات كبرى لدعم الأسرة المصرية"، اعتلت واجهة الرواق.
جاءت منى من دار السلام بالمترو إلى الفجالة، رغبة في تقليل النفقات، وأملًا في أن يجعل قرارها الابتعاد عن مكتبة الحي والذهاب إلى الموقع التجاري الأشهر لبيع المستلزمات المدرسية صفقة تستحق عناءه، غير أن الحساب الذي بدأته قبل الوصول لم يجرِ كما توقعت، وانتهت الرحلة إلى ما تلخصه بقولها "مشيت مشوار على الفاضي، ودفعت مواصلات كتير، واكتشفت إن المكان اللي مفروض مدعوم أغلى من المكتبة اللي تحت بيتنا".
70 جنيهًا على الورق.. و168 في المعرض
ويُسوق الإعلام الرسمي، وفقًا لتقرير نشرته الهيئة الوطنية للإعلام، لسلسلة المعارض "أهلًا مدارس"، التي افتتحها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مطلع الشهر الجاري، كبديل يوفر أسعارًا استثنائية لمستلزمات المدارس، ويخفف العبء على الأسر، لكن جولة ميدانية أجرتها "فكر تاني" بين أجنحة المعرض ومنافذ بيع المستلزمات المدرسية كشفت عن فجوات سعرية تجعل بعض العروض المعلنة أعلى من أسعار المنتجات نفسها خارج المعرض، فدستة الكشكول الـ60 ورقة، التي جرى الترويج لها باعتبارها عرضًا استثنائيًا يبدأ من 70 جنيهًا، بلغ سعر الكشكول الواحد منها لدى العارضين 14 جنيهًا، لتصل الدستة إلى 168 جنيهًا، أي بزيادة نحو 157% عن السعر المعلن في التغطيات الإعلامية، في حين يبدأ سعر الكشكول نفسه في المكتبات من 10 جنيهات، بما يجعل الدستة 122 جنيهًا فقط، بفارق 46 جنيهًا عن سعرها لدى العارضين داخل المعرض.
ولم يتوقف تفاوت الأسعار عند الكشكول الـ60 ورقة، فمع تحويل المقارنة إلى الكشاكيل ذات الـ40 ورقة، رصدت "فكر تاني" فارقًا آخر بين المعروض داخل أجنحة المعرض والأسعار المتاحة في المكتبات، إذ بلغ سعر الكشكول لدى أحد العارضين 10 جنيهات، بينما عرضه عارض آخر بـ8.75 جنيه للقطعة، في الوقت الذي بلغ فيه سعر الكشكول نفسه، بالمواصفات ذاتها، 7.75 جنيه في مكتبة كبيرة بمنطقة الفجالة.
وبحساب السعر لكل قطعة، يزيد سعر الكشكول لدى العارض الأول في المعرض بنحو 29% عن سعره في المكتبة الكبيرة بالفجالة ومكتبة في حي المعادي شملها رصد"فكر تاني"، بينما يبلغ الفارق لدى العارض الثاني نحو 13% تقريبًا.
57% تخفيضًا.. و43.8% زيادة
ومع انتقال المقارنة من الكشاكيل إلى الحقائب المدرسية، ظهر فارق أكبر/ فقد رصدت محررة "فكر تاني" حقيبة مدرسية بالشكل والخامة والحجم نفسه بسعر 400 جنيه في إحدى مكتبات الفجالة، بينما عُرضت الحقيبة ذاتها داخل المعرض بسعر 575 جنيهًا، مع وضع سعر سابق قدره 1340 جنيهًا والإعلان عن تخفيض عليها، وهو سعر يوهم بأن العرض يحمل تخفيضًا بنحو 57%، غير أن المقارنة بالسعر الفعلي للحقيبة نفسها في الفجالة تقود إلى نتيجة مختلفة، إذ كان المستهلك سيدفع 175 جنيهًا إضافية عند شرائها من المعرض، ليصبح سعرها أعلى بنحو 43.8% من السعر المرصود في المكتبة.
ويأتي هذا الفارق على خلاف ما قاله محمد الصفتي، وكيل شعبة الأدوات المكتبية بالغرف التجارية، في تصريحات صحفية، أكد فيها أن سعر الحقيبة يبدأ من 100 و150 جنيهًا، ومع الأسعار التي دفعت بعض أولياء الأمور إلى إعادة حساب تكلفة الرحلة نفسها، بدا أن الذهاب إلى المعرض لم يعد بالنسبة لبعض الأسر مجرد وسيلة للوصول إلى تخفيض، وإنما نفقات جديدة ينبغي وضعها إلى جوار سعر السلع.
المشوار جزءًا من الفاتورة
وعلى رصيف الفجالة، التقت "فكر تاني" أسرة اختارت التوجه مباشرة إلى السوق دون التفكير في زيارة المعرض الرسمي، وقال أحمد، رب الأسرة، إن حساباتهم انتهت إلى أن المشوار "خسران من أولها"، موضحًا "عشان أنزل أنا وزوجتي وأولادي المعرض في مدينة نصر، هدفع مواصلات، غير وقت المشوار والإرهاق والزحام، ولما نسأل اللي راحوا ونعرف إن أسعار الكشاكيل والشنط هناك زيهم زي برة وأغلى في بعض البنود، يبقى العقل يقول توفير الوقت والفلوس أولى".
الحساب نفسه دفع عاصم (42 عامًا)، إلى البقاء في نطاق مكتبات المعادي بدلًا من الذهاب إلى المعرض، ومن داخل إحدى مكتبات الحي، قال لـ"فكر تاني"، إنه "عشان أتحرك من منطقتي وأروح المعرض (الرئيسي)، محتاج مواصلات وبنزين وقيمة وقت وجهد وزحمة وطوابير، ده غير مصاريف جانبية بتتدفع في السكة، لو جمعت كل ده هتلاقيه أكل أي فرق "خصم حبر على ورق" ممكن تلاقيه هناك، التخفيض الحقيقي مش إن يافطة تقولك خصم 30%، التخفيض إنك تحسب التكلفة الإجمالية للرحلة".
من أين تأتي بضائع المعرض؟
هذه الحسابات والشهادات وضعتها "فكر تاني" أمام علاء عادل، عضو شعبة الأدوات المكتبية، الذي قال إن نسب الخصومات داخل معرض "أهلًا مدارس 2026" تتراوح بين 15% و50%، موضحًا أن الشعبة تعمل على دعم العارضين لتمكينهم من تقديم هذه التخفيضات لأولياء الأمور وزوار المعرض.
وأضاف عادل أن المعرض يضم عددًا من التجار والمستوردين والمصنعين، وأن غالبية المنتجات المعروضة تأتي من مصادرها الأولى، سواء من المصنعين أو المستوردين، وهو ما يتيح للعارضين الحصول عليها بأسعار التصنيع أو الاستيراد. وأوضح أن الشعبة توفر مساحات العرض للعارضين دون تكلفة، بهدف مساعدتهم على تقديم أسعار مخفضة للمستهلكين، مشيرًا إلى أن الأسعار المرتفعة قد تكون صادرة عن بعض المحال الصغيرة أو المكتبات التي قد تكون جزءًا من حلقات التوزيع.
وقال عادل أيضًا إن هناك منتجات داخل المعرض تحقق وفورات للمستهلك تتراوح، بحسب تقديره، بين 20% و30% مقارنة ببعض الأسعار الموجودة خارج المعرض، داعيًا إلى مقارنة الأسعار لدى مختلف العارضين داخل المعرض، ومقارنتها كذلك بالأسعار في المكتبات الخارجية قبل الشراء.
لكن تفسير ارتفاع بعض الأسعار باعتباره نتيجة لحلقات التوزيع لا يتوقف عند ما يقوله ممثل شعبة الأدوات المكتبية، إذ تقود المقارنة من جديد إلى الفجالة، حيث التقت "فكر تاني" 3 بائعين وتجارًا أكدوا أن بعض تجار المعرض يحصلون منهم على الأدوات المدرسية قبل بدء المعرض.
وقال أحد البائعين لـ"فكر تاني"، إن "كتير من العارضين بيجوا ياخدوا الكشاكيل والشنط والمستلزمات مننا هنا بسعر الجملة، ويروحوا يعرضوها هناك، التاجر منهم بياخد القطعة من الفجالة، ويضيف عليها مصاريف نقله وعمالته وهامش ربحه، فإزاي هيبيع للمواطن بأرخص من السعر اللي اشترا بيه مننا؟".
ولا يقتصر حديث البائعين على مصدر المنتجات، إذ يتناول بائع آخر الطريقة التي يقول إن بعض العارضين يستخدمونها في التسعير. ويشرح لـ"فكر تاني"، إن "اللي بيحصل هناك مش تخفيضات حقيقية ولا حاجة، التاجر بياخد منتج واحد معين أو صنف غير أساسي و(يحرق السعر بتاعه) لأسفل عشان يجذب الزبون، وبعدها يكسب ضعف الفرق في بقية المنتجات الأساسية زي الكشاكيل والشنط اللي مفيش بيت يقدر يستغنى عنها، المواطن بيفرح إنه أخد المقلمة أو الألوان بسعر رخيص، وما بياخدش باله إنه دفع ضعف التوفير ده وهو بيشتري الكشاكيل والشنط اللي سعرها أعلى من الفجالة بكثير".
لعبة الـ175 جنيهًا
أما الحقائب، التي ظهرت في بداية المقارنة بفارق 175 جنيهًا بين المعرض والفجالة، فتعود في شهادة بائع ثالث بصورة أكثر تفصيلًا، إذ يقول "كتير من العارضين بيجوا ياخدوا مننا موديلات الشنط، وبنديهم سعر الجملة، والتاجر ياخد الحقيبة من هنا ويروح يعلقها في المعرض، ويكتب على الكارت بتاعها: "السعر قبل الخصم كذا جنيه - السعر بعد التخفيض كذا جنيه"، والمواطن يدخل يشوف الشطب يفتكر إنه وفر أكثر من نص التمن، وهو في الحقيقة دفع 175 جنيه زيادة فوق سعرها الأصلي اللي كان هيجيبها بيه لو نزل المكتبة مباشرة".
وعندما تتكرر الحكاية نفسها، مرة في الكشكول وأخرى في الحقيبة، ثم تظهر تفاصيلها في حسابات أولياء الأمور وشهادات البائعين، يصبح السعر المعلن مجرد جزء من عملية حساب أطول يجريها المستهلك قبل أن يفتح محفظته، فالخصم المكتوب على بطاقة السعر لا يحسم وحده ما إذا كان الشراء أوفر، ما دام السعر النهائي للسلعة، وتكلفة الوصول إليها، وما يدفعه الأب أو الأم في بقية المستلزمات، قد تقود في النهاية إلى نتيجة مختلفة.
وما سبق رصده يعني أن منى وغيرها من أولياء الأمور الذين يقصدون الفروع الصغيرة التي تحمل لافتات "أهلًا مدارس" في أحيائهم، أو الشادر الأكبر في الفجالة، أو حتى المعرض المقام في مدينة نصر، لا يشترون سلعة بسعر معزول، وإنما يتخذون قرارًا له كلفة تبدأ قبل الوصول إلى مكان الشراء، وحين يراهن المستهلك على ما توحي به الدعاية الحكومية من أسعار مخفضة، قد يجد نفسه في نهاية الرحلة أمام النتيجة نفسها التي وصلت إليها منى "مشوار على الفاضي" لكن المشوار لم يكن على الفاضي تمامًا، فقد كانت له كلفة، وربما كانت أعلى كثيرًا مما توقعه منذ البداية.