في انتخابات نادي القضاة الأخيرة، التي فاز بها المستشار محمد رفعت جبر بفارق 1315 صوتًا عن منافسه المستشار ربيع قاسم، لم يتشكل هذا الفارق الحاسم من تيار تصويت واحد، وإنما من معارك متفرقة حسمها كل مرشح في مواقع بعينها، فالمتقاعدون مالوا لقاسم بفارق تجاوز 28% والقاضيات بفارق قارب 27%، بينما رجح شباب القضاة في الاستئناف والابتدائية والنيابة العامة كفة جبر، في مشهد يكشف أن معركة الرئاسة، وإن حسمها صندوق الاقتراع ظاهريًا، كانت في جوهرها سباقًا يتقاطع فيه السن مع النوع، تحركه كتلتان متمايزتان داخل الجمعية العمومية.
ورصدت دراسة أعدها عدد من القضاة، واطلعت عليها "فكر تاني"، نتائج التصويت في هذه الانتخابات التي جرت في 26 يونيو الماضي، ففككت أصوات مرشحي مقعد رئيس النادي في لجان الدرجات القضائية والقطاعات الستة، وهي المتقاعدون والنقض والاستئناف والابتدائية والنيابة العامة والقاضيات، عبر النسب المئوية التي حصل عليها كل مرشح، لترسم بذلك خريطة التصويت التي تشكلت خلف الرقم النهائي.
وجرت الانتخابات تحت إشراف اللجنة العامة برئاسة المستشار هاني عيد، ونافس 3 مرشحين على مقعد الرئيس، فيما بلغ عدد المتنافسين على مقاعد مجلس الإدارة المختلفة 61 مرشحًا، واستمرت عملية الاقتراع يوم الجمعة الموافق 26 يونيو، قبل أن تُعلن نتائج الفرز صباح اليوم التالي.
دراسة رصدية للمرة الأولى
ولأن قراءة هذا التقاطع بين السن والقطاع تستلزم النزول إلى تفاصيل اللجان نفسها، تولى إعداد الدراسة مجموعة من القضاة الذين قاموا بأنفسهم بعملية الرصد والتجميع ومراجعة نتائج اللجان الانتخابية، معتمدين على محاضر الفرز الرسمية الصادرة عن لجان الاقتراع، ثم جُمعت هذه البيانات في صورة إحصائية تتيح مقارنة اتجاهات التصويت بين المرشحين على مقعد رئيس النادي.
وأوضح مصدر قضائي لـ"فكر تاني" أن أهمية الدراسة لا ترتبط فقط بالنسب والأرقام التي انتهت إليها، وإنما بآلية إعدادها ذاتها التي تُطبق للمرة الأولى داخل النادي، "إذ عوملت نتائج اللجان باعتبارها بيانات انتخابية جرى رصدها وتجميعها ومقارنتها لتقديم صورة أوضح لنتائج الانتخابات، وليس مجرد تقديرات أو استطلاعات بشأن اتجاهات أعضاء الجمعية العمومية"، مضيفًا أن هذه الطريقة تسمح بتتبع مناطق التفوق التي سجلها كل من جبر وقاسم، وصولًا إلى قراءة أكثر دقة للنتيجة النهائية لانتخابات التجديد الكلي للنادي.
وأضاف مصدر آخر تحدث لـ"فكر تاني" أن الدراسة رصدية في جوهرها، إذ تقوم على متابعة النتائج كما أظهرتها محاضر الفرز، ثم تجميعها وتصنيفها وفق اللجان والفئات القضائية، وهي، بحسب وصف القائمين عليها، محاولة أولى من نوعها في انتخابات النادي لإعادة تفكيك المشهد الانتخابي عبر البيانات التفصيلية للجان، عوضًا عن الاكتفاء بإجمالي الأصوات التي حصل عليها كل مرشح.
تباينات واسعة
وتضع الأرقام الإجمالية نقطة الانطلاق أمام هذه الخريطة، فقد شارك 7260 قاضيًا وعضوًا بالنيابة العامة في الاقتراع، بنسبة بلغت نحو 45% من إجمالي 16055 ناخبًا لهم حق التصويت. وبعد انتهاء التصويت وبدء فرز بطاقات مقعد رئيس النادي، بلغ عدد الأصوات الباطلة 374 صوتًا، فيما وصل عدد الأصوات الصحيحة إلى 6886 صوتًا.
ومن هذه الأصوات، حصل جبر على 4111 صوتًا، مقابل 2796 صوتًا لقاسم، فيما نال المستشار محمد الذهبي 149 صوتًا فقط، ليستقر الفارق بين المرشحين الرئيسيين عند 1315 صوتًا لصالح جبر، وهو الفارق الذي حسم له رئاسة النادي.
غير أن هذا الفارق النهائي يأخذ معنى مختلفًا حين تُقرأ الأرقام داخل اللجان نفسها، إذ تظهر أفضلية قاسم أولًا في اللجنة رقم 1 المخصصة للقضاة المتقاعدين وشيوخ القضاء، حيث حصل هناك على 64.22% من الأصوات الصحيحة، مقابل 35.78% لجبر، بفارق تجاوز 28 نقطة مئوية لصالحه، في أول إشارة إلى أن السن كان يرجح كفة قاسم كلما اتسعت الفجوة العمرية بين الناخبين.
ومن هذا التفوق الواسع، ضاقت المسافة في لجان قضاة محكمة النقض، وتحديدًا اللجنتين رقمي 2 و3، إذ حصل قاسم على 51.66% مقابل 48.34% لجبر. وهكذا تحولت الأفضلية من فارق كبير في لجنة المتقاعدين إلى تقدم محدود في لجان النقض، فيما اقترب جبر من تجاوز حاجز النصف.
وتكشف هذه المرحلة عن أحد أبرز ملامح السباق، فالنتائج لم تتحرك في اتجاه واحد داخل جميع فئات الجمعية العمومية، وإنما شهدت صعودًا وهبوطًا في أفضلية كل مرشح من قطاع إلى آخر.

الاستئناف يقلب المعادلة
ومع الوصول إلى لجان محاكم الاستئناف، الممتدة من اللجنة رقم 4 حتى رقم 12، تغير اتجاه التصويت بصورة أوضح، إذ حصل جبر على 60.07% من الأصوات مقابل 39.93% لقاسم، ليتحول التفوق إلى صالحه بفارق يزيد على 20%، في أول محطة تنقلب فيها موازين السباق منذ بداية الفرز.
وتكشف هذه النتيجة موقع لجان الاستئناف في تكوين المحصلة النهائية، بعدما سبقتها لجان أظهرت أفضلية لقاسم أو تقاربًا بين المرشحين، وكان الاثنان، بحسب الدراسة، رئيسي محاكم استئناف.
ولا تمنح هذه النسب وحدها تفسيرًا سياسيًا أو انتخابيًا لهذا التفاوت، كما لا تثبت وجود سبب واحد لاتجاهات التصويت، وإنما تقدم صورة رقمية للاختلاف بين القطاعات، وتحدد المواقع التي ظهر فيها تفوق كل مرشح وساهمت في تكوين النتيجة النهائية.
المحاكم الابتدائية تعزز تقدم جبر
وعلى المسار نفسه الذي بدأ في الاستئناف، اتسعت أفضلية جبر عند الوصول إلى المحاكم الابتدائية، إذ شملت هذه الفئة اللجان من رقم 13 حتى رقم 20، وسجل فيها 63.27% من الأصوات مقابل 36.73% لقاسم، بفارق تجاوز %، ليتأكد أن الكتلة نفسها التي رجحت كفته في الاستئناف واصلت الفعل ذاته هنا.
واستمر هذا الاتجاه داخل لجان النيابة العامة، ففي لجان وكلاء النيابة من رقم 21 حتى رقم 23، حصل جبر على 59.14% مقابل 40.86% لقاسم، بفارق يقارب 18%، ثم جاءت اللجنة رقم 24 المخصصة لمعاوني ومساعدي النيابة، فسجل جبر 57.58% مقابل 42.42% لقاسم.
ومع أن نسبة جبر انخفضت قليلًا بين لجان وكلاء النيابة ولجنة معاوني ومساعدي النيابة، ظلت أفضليته قائمة في الحالتين، ليواصل بذلك الاتجاه الذي ظهر في الاستئناف والمحاكم الابتدائية داخل لجان النيابة العامة، وهو ما ساهم في تكوين حصيلة الأصوات النهائية لصالحه.
القاضيات يعدن قاسم إلى الصدارة
لكن الخريطة عادت إلى مسارها السابق في اللجنة رقم 25 المخصصة للقاضيات، حيث استعاد قاسم الصدارة بحصوله على 63.40% من الأصوات مقابل 36.60% لجبر، بفارق بلغ نحو 27%.
وعند جمع هذه النسب، تتضح الحركة التي قطعت بها المنافسة طريقها من لجنة إلى أخرى، فقد بدأ قاسم من 64.22% في لجنة المتقاعدين، ثم سجل 51.66% في لجان النقض، قبل أن تنتقل الأفضلية إلى جبر في لجان الاستئناف بنسبة 60.07%، ثم ترتفع نسبته إلى 63.27% في لجان المحاكم الابتدائية، فتبلغ 59.14% في لجان وكلاء النيابة و57.58% في لجنة معاوني ومساعدي النيابة، قبل أن تعود الأفضلية إلى قاسم في لجنة القاضيات بنسبة 63.40%.
وتضيف عملية الرصد عاملًا آخر إلى هذه الخريطة، إذ أظهرت الفئة العمرية للمصوتين أن قطاع شباب القضاة في لجان محاكم الاستئناف والابتدائية والنيابة العامة كان من الكتل التي رجحت كفة جبر خلال سباق الرئاسة، بينما ظهر حضور انتخابي لافت لقاسم داخل بعض الفئات الأكبر سنًا، وهو ما يتقاطع جزئيًا مع نتائج اللجان، فقد سجل قاسم تفوقًا في لجنة المتقاعدين وشيوخ القضاء بنسبة 64.22%، كما تقدم في لجنة القاضيات بنسبة 63.40%، بينما ظهر تفوق جبر بصورة أوضح في لجان الاستئناف والمحاكم الابتدائية والنيابة العامة من الفئات الأصغر سنًا، وهو التقاطع الذي حمل الرقم النهائي 4111 صوتًا مقابل 2796 لقاسم، بعدما تبدلت الأفضلية بين الفئات والدرجات القضائية على مدار اللجان الخمس والعشرين.