خلُصَت ورقة بحثية جديدة صادرة عن "فكر تاني" إلى أن مجلس النواب يمكن أن يستعيد دوره الدستوري كسلطة تشريعية ورقابية مستقلة، قادرة على موازنة السلطة التنفيذية وحماية المال العام، عبر تغيير الثقافة البرلمانية ذاتها، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن ومؤسساته التمثيلية، وإفراغ العمل البرلماني من مضمونه الحقيقي.
واحتوت الورقة، التي جاءت تحت عنوان "قراءة تحليلية في حصاد دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب 2026"، على مقدمة، وسؤال مركزي تتفرع منه عدة أسئلة، وجدول يوضح حصاد المحور التشريعي.
162 قانونًا و31 اتفاقية
رصدت الورقة البحثية، التي أعدتها أسماء عرفة، الباحثة في العلوم السياسية، موافقة مجلس النواب على 162 قانونًا، و31 اتفاقية بإجمالي نحو 1580 مادة، ورغم تعدد المجالات التي شملتها القوانين، فإن التركيز الأكبر كان على القوانين الاقتصادية والمالية، حيث أقر المجلس 129 قانونًا ماليًا، شملت 68 قانونًا لربط موازنات السنة المالية 2026/2027، و61 قانونًا لربط الحسابات الختامية للسنة المالية 2024/2025.
وأوضحت الباحثة، التي اعتمدت على 25 مصدرًا، في ورقتها، أنه في إطار الاهتمام بالبعد الاجتماعي، وافق المجلس على تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، وأقر قانونًا بتحديد نسبة العلاوة الدورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، ومنح علاوة خاصة لغير المخاطبين به، وزيادة الحافز الإضافي للعاملين بالدولة، وتقرير منحة خاصة للعاملين بشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام.
1833 طلب إحاطة، ومهانة غياب الوزراء
كشفت الورقة أن الأداء الرقابي لهذه الدورة شهد عقد لجان المجلس 1486 اجتماعًا، نوقش خلالها 1833 طلب إحاطة، و190 اقتراحًا برغبة، كما أن ملف تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية لم يخل من عقبات هيكلية وإجرائية حدّت من فاعليته في بعض الملفات، وكان في مقدمتها ظاهرة غياب الوزراء عن حضور مناقشات طلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية، التي تُعد الوسيلة الأكثر مباشرة لربط النائب بالشارع واحتياجاته، وقد انتقد النواب هذا الغياب، ومنهم من وصفه بـ"المهانة".
غياب الوزراء عن مناقشة طلبات الإحاطة في مجلس النواب جعل الباحثة تشير إلى أن هذا الغياب يمس جوهر العملية الرقابية، لأنه يحرم النواب من حقهم الدستوري في مساءلة المسؤول الأول عن سياسات وزارته، مما يحول المناقشات إلى نقاشات عامة مع مساعدين قد لا يملكون الصلاحية الكافية للالتزام بقرارات أو تقديم إجابات حاسمة، كما أن غياب الوزير عن الملفات الحساسة، خاصة الاقتصادية منها، يبعث برسالة سلبية عن جدية التعامل مع الأزمات، وقد يكون مؤشرًا على خلل في توازن القوة السياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لصالح السلطة التنفيذية.