بياناتك جريمة ضدك.. هل بحثت عن رقمك القومي اليوم؟

تعرضت انتصار عوض الكريم مسلوب محمد، في 31 مايو الماضي، لواقعة اختراق عبر تطبيق الواتس آب، حين اتصل بها شخص أوهمها بضرورة تحديث بيانات حسابها على انستا باي من خلال رابط أرسله إليها لتجنب إغلاق الحساب، وبمجرد ضغطها عليه استولى على مبلغ قدره 69 ألف جنيه من رصيدها في البنك الزراعي المصري.

فور اكتشافها فقدان رصيدها، تقدمت انتصار ببلاغ للبنك الزراعي المصري، وآخر للبنك المركزي، بينما حررت في 15 يوليو 2026 محضرًا رسميًا في قسم شرطة بولاق الدكرور بمديرية أمن الجيزة، ضد المدعو محمد حامد علي، الذي تُظهر بيانات الرقم لدى شركة الاتصالات أنه يملكه، رغم أن صاحب هذا الاسم لا يعرف الرقم الذي اكتشف أنه مسجل باسمه دون علمه، حسب المحامي أحمد الهواري، وكيل المتضررة، الذي يقول لـ"فكر تاني"، إنه "بعد ما قدرنا نوصل لعنوان محمد حامد الشخص اللي ظهرت بياناته باعتباره صاحب الرقم اتضح لنا إنه ميعرفش حاجة عن الخط وهنا كانت الصدمة"، الأمر الذي جعل من انتصار وحامد ضحيتين لواقعة واحدة.

وتطرح هذه الواقعة سؤالًا يتجاوز حدودها، فكيف لأشخاص لم يتعاقدوا مع شركات الاتصالات على خطوط مسجلة بأسمائهم أن تصل خطوطهم إلى قاعدة بيانات شركات المحمول، في تجاوز صريح لما تكفله المادة 143 من قانون الأحوال المدنية لسنة 1994 من سرية لبيانات المواطنين، وما يحظره القانون رقم 151 لسنة 2020 من إفشاء البيانات الشخصية أو تداولها دون موافقة صريحة من صاحبها؟ وإن كانت القواعد التنظيمية لبيع شرائح التليفون المحمول تشترط على الشركات عدم تفعيل الشريحة إلا بعد أخذ صورة ضوئية من بطاقة الهوية الشخصية السارية للمستخدم الفعلي، فما الموقف القانوني تجاه من سُجلت باسمه شرائح لم يستخدمها واستُخدمت في ارتكاب جريمة؟ وكيف يضمن حماية صحيفته الجنائية، وهل تكفي إجراءات إلغاء الخطوط أو الإبلاغ لدى الشركات عن عدم صلته بالشريحة لحمايته من المساءلة القانونية؟ وكيف يضمن مالكو 126.91 مليون شريحة هاتف في مصر سلامة أوضاعهم الجنائية؟

حين تحول رقم هاتف إلى حكم بالسجن المؤبد

على وقع واقعة انتصار وحامد، تفجرت قصة أخرى تكشف عن الحجم الحقيقي للأزمة، حين ظهر مقطع فيديو قصير لشاب جامعي يدعى عمرو عبد الحكيم عمارة، يبلغ من العمر 19 عامًا، يقيم في مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية ويدرس بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة الزقازيق، روى فيه تفاصيل صدور حكم غيابي ضده بالسجن 25 عامًا بعد تورطه في قضية اتجار بالمخدرات، وذلك بسبب شريحة هاتف محمول مسجلة باسمه في إحدى شركات الاتصالات.

وبحسب روايته، فإنه سجل الشريحة ببياناته على رقمه القومي مجاملة لصديق له تعمل شقيقته موظفة مبيعات بالشركة، لكنه لم يستلمها أو يستعملها، بينما مُررت وبيعت لآخرين، ثم استُخدم الخط في اتصالات بين تشكيل عصابي لتهريب شحنة مخدرات ضُبطت في نفق الشهيد أحمد حمدي بالسويس.

أحدثت الواقعة زعرًا بين مستخدمي السوشيال ميديا، ودفعت كثيرين للبحث عن الخطوط المسجلة بأسمائهم، وكان تطبيق My Ntra البطل الصامت وراء اكتشاف المستخدمين وجود عشرات الأرقام المسجلة للرقم القومي الواحد، بينما قد لا يستعمل المستخدم سوى خط واحد.

وعلى إثرها، حررت المطربة إيناس عز الدين محضرًا رسميًا ضد إحدى شركات الاتصالات في قسم أول أكتوبر، بعد أن اكتشفت وجود 5 خطوط هاتف مسجلة برقمها القومي دون معرفتها بها، واتهمت الشركة باستغلال بياناتها الشخصية وتزوير العقود، فيما وصل عدد البلاغات المسجلة في أغسطس الجاري إلى أكثر من 1700 إجراء قانوني، بين بلاغات ومحاضر رسمية في 14 قسم شرطة بالقاهرة، رصدت خلالها آلاف الخطوط الوهمية المسجلة بأسماء أفراد لا يستعملونها.

وكان الحقوقي أحمد راغب قد لجأ إلى طلب النجدة في فرع إحدى شركات الاتصالات بالمقطم، بعد امتناعهم عن تسليمه إقرارًا ينفي ملكيته وحيازته لمحفظة إلكترونية سُجلت برقمه القومي دون علمه، مما دفعه لتحرير محضر رسمي ضد الشركة، فيما طالبها بتقديم بيانات أصول العقود التي حررت لتفعيل الخطوط بغرض الطعن عليها بالتزوير.

كما ناشد النائب العام، عبر حسابه الشخصي على فيسبوك، بضرورة إصدار تعليمات للنيابات بالتحقيق في هذه المحاضر المحررة، وتحريك الدعاوى الجنائية ضد من يثبت ارتكابه لتلك الجرائم وفقًا لقوانين حماية البيانات الشخصية والأحوال المدنية وغيرها من القوانين المتعلقة بالمعاملات المالية.

فيما ذهب محمد مدين، أحد المتضررين، للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لمعرفة إن كانت مسجلة باسمه خطوط هاتف بخلاف الذي يستعمله، فاكتشف ثلاثة خطوط أخرى مسجلة باسمه دون علمه بها، ويقول في حديثه مع فكر تاني "رحت فرع الشركة وطلبت منهم بيانات الخطوط رفضوا وقالوا لي أعمل إنكار ملكية أو ألغي الخطوط وأنا كمان رفضت أوقع على أي إقرار".

وبعد محاولات مع موظفي خدمة العملاء، تمكن مدين من معرفة الأرقام المسجلة باسمه وتواصل مع مستخدميها، وعرض عليهم التنازل لهم عن الخطوط التي فُعّلت في تواريخ بين 2019 و2020 و2023، ويضيف "أنا مش مشكلتي مع مستخدمي الخطوط مشكلتي مع الشركة وهاخد حقي بالقانون".

كما اكتشفت نور السيد أن رقم هاتفها، الذي تستخدمه منذ 10 سنوات وتربطه بحساب مصرفي ومعاملات مالية مستمرة عبر محفظتها الإلكترونية، مسجل باسم شخصين في سجلات شركة الاتصالات، وكان الآخر قد تقدم ببلاغ لإنكار ملكيته، مما تسبب في إيقاف الخط، وتمت دعوتها لتحديث البيانات، لكن موظفي خدمة العملاء لم يقدموا لها حلًا، واشترطوا إحضار صورة من عقد شراء الخط لتقديم شكوى، وتقول في حديثها مع "فكر تاني"، "مش عارفة ازاي يبقى خط شغال عشر سنين لمستخدم واحد وشخص تاني يروح يقفله بسهولة".

هل يخلي إنكار ملكية الخطوط المسؤولية؟

ينظر القانونيون إلى صيغة إقرار إنكار الملكية، التي تدفع شركات الاتصالات المستخدمين للتوقيع عليها حال إخلاء مسؤوليتهم عن خطوط منسوبة إليهم دون علمهم، على أنها تحمل مالك الخط المسؤولية القانونية تجاه أي استعمال غير شرعي أو مخالفات أو جرائم إلكترونية تصدر عن مستعمل الخط.

وتقول المحامية فاطمة سراج الدين، إن موكلة لها عثرت على أربعة خطوط مسجلة ببياناتها الشخصية بإحدى شركات الاتصالات، رغم عدم وجود تعامل سابق لها مع هذه الشركة، وتضيف في حديثها مع "فكر تاني"، أن "موظفي الشركة رفضوا السماح لموكلتي بتصوير الإقرار أو تغيير صيغته لذلك رفضت التوقيع وحررنا محضر ضد الشركة".

من جانبها، تشير رضوى زكي، المحامية المتخصصة في القضايا الإلكترونية، إلى المشاكل الجنائية التي يمكن أن يتعرض لها مالكو شرائح الهواتف المحمولة حتى لو لم يستعملوها، ولفتت إلى وقائع الابتزاز الإلكتروني، وجرائم غسل الأموال التي تتم عبر المحافظ الإلكترونية المربوطة بالهاتف المحمول، وجرائم الإزعاج والتحرش.

وتقول في حديثها لـ"فكر تاني"، إن توقيع إقرار إنكار الملكية ليس الحل، موضحة ضرورة عمل فحص جنائي لكل من وجد خطوطًا مسجلة باسمه دون علمه، وتضيف "الكشف عن الحالة الجنائية أمر لابد منه والموضوع بيتم بسهولة من خلال منصة مصر الرقمية أو بالفحص التقليدي من خلال مديريات الأمن". وتؤكد زكي أهمية إجراء الفحص الجنائي، خاصة بعد انتشار جرائم الإنترنت، ومع ثبوت وقائع البيع غير الشرعي لخطوط الهواتف، إلى جانب استعمال بيانات العملاء بدون علمهم تحت ضغط تحقيق التارجيت، وتضيف "لابد من توعية المواطن بضرورة الفحص الجنائي حتى لا يفاجأ عند مروره بالكمائن على الطرقات وفحص بطاقته".

وقائع تزوير مثبتة بسجلات المحاكم

لا تبدو وقائع الخطوط المسجلة بأسماء أشخاص من دون علمهم أخطاء واردة في عمليات تسجيل بيانات العملاء، إذ تكشف سجلات القضاء عن وقائع رسمية جرى فيها استخدام بيانات العملاء بدون علمهم، وأخرى تظهر تزوير توقيعات العملاء وبيع خطوط بأسمائهم.

ونستشهد بذلك بقرار محكمة القاهرة الاقتصادية بتاريخ 28 نوفمبر 2019، الذي أقر إلزام الممثل القانوني لإحدى شركات الاتصالات بدفع مبلغ 500 ألف جنيه تعويضًا عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالمدعي، بعد أن استخرج أحد موظفي الشركة شريحة خط محمول دون علم مالك الخط وأعطاها لشخص آخر بنفس بيانات المالك، في واقعة تعود إلى تعاقد المدعي مع الشركة بتاريخ 21 سبتمبر 2015 للحصول على شريحة هاتف لصالح مؤسسة صغيرة مشهرة برقم تعريفي ولها ملف ضريبي، قبل أن يستخرج موظف بالشركة، بتاريخ 18 مايو 2019، شريحة تحمل ذات الرقم لصالح شخص مجهول، تمكن بعدها من تسجيل الدخول إلى حساب مؤسسة المدعي عبر الفيسبوك وإرسال رسائل تهديد ووعيد ضده وضد أسرته وأصدقائه، إضافة إلى كشف بيانات ومعلومات المؤسسات التي يتعامل معها، مما دفع المدعي للتقدم بشكوى كتابية رقم 1081949 في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، سبقها تحرير محضر رقم 2223 لسنة 2019 جنح الأميرية ضد الشركة.

ويكشف الحكم الصادر من محكمة شمال القاهرة الابتدائية في أغسطس 2025 بطلان عقد شراء لخط هاتف محمول تم تسجيله زورًا باسم محمد السيد عبد الفتاح أبو سليمة، المقيم بمركز الشهداء بمحافظة المنوفية، ضد شركة أورانج في القضية رقم 667 لسنة 2024، لصالح وكيل المدعي أحمد علي المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة. وقد ثبت تزوير توقيع المدعي الطاعن بالتزوير، وكشفت التحقيقات تورط المدعو حماده محمد سعد سالم من قرية كمشيش مركز تلا بمحافظة المنوفية، الذي ساعد في تنفيذ واقعة التزوير بالاشتراك مع موظف تابع للشركة بغرض تلفيق قضايا، منها جناية في نيابة شبين الكوم الكلية يصل الحكم فيها بالسجن إلى 25 عامًا، وكذلك جنحة اقتصادية وردت في محكمة طنطا الاقتصادية يصل الحكم فيها إلى 3 سنوات سجن، فيما استغرق العمل على القضية 3 سنوات.

ماذا بعد إحالة شركات الاتصالات إلى النيابة العامة؟

على خلفية المخالفات والبلاغات المسجلة ضد شركات الاتصالات الأربع، أحالها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى النيابة العامة للتحقيق معها، بعد أن تفجرت واقعة اختراق بيانات العملاء الشخصية ووجود خطوط وهمية مسجلة بأسماء المواطنين دون علمهم، وثبت وجود مخالفات للقواعد التنظيمية التي تقنن آليات تفعيل شرائح الهاتف وتسجيلها.

وقرر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وقف كافة عمليات بيع الخطوط أو تفعيلها، سواء للمؤسسات الخاصة أو الحكومية أو داخل أنظمة الشركات، على أن يتم فحص العقود والاستمارات بهدف تحديد المتسببين في الأزمة وتنفيذ المحاسبة القانونية، كما ألزم الشركات بتوجيه رسائل نصية للمستخدمين بهدف تحديد الحائزين الفعليين للخطوط وإلغاء وغلق كافة الخطوط التي لم تُعدَّل بياناتها. بدورها، أحالت النيابة العامة الشركات الأربع للتحقيق في نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال، وكانت قد كشفت عن ثلاث وقائع بالقاهرة والغردقة تضم متهمين ببيع خطوط هاتف مفعلة ببيانات أشخاص آخرين، عددها 30 خطًا للهواتف المحمولة، جرى جلبها من محال تجارية غير مصرح لها يتم بيعها للأجانب والمصريين.

ويتوقع الدكتور عبد المنعم فكري، المحامي بالاستئناف العالي، أن تصدر غرامات بالملايين ضد شركات الاتصالات، بعد أن عرضت بيانات العملاء للاستباحة وعرّضتهم للمخالفات القانونية، ويفسر رأيه بما يمكن أن يتعرض له الأفراد من قضايا غسل الأموال والابتزاز الإلكتروني وجرائم النصب والاحتيال الإلكتروني، ويضيف لـ"فكر تاني"، أن "ما حدث سوف يعرض شركات الاتصالات للغرامات الفادحة لأنهم المتسببون فيما حدث من استخدام بيانات العملاء بدون علمهم".

ومع اكتشاف عدد كبير من مستخدمي شبكات الاتصالات المختلفة، من مواطنين وأجانب مقيمين بالبلاد، وجود خطوط هواتف مسجلة بأسمائهم دون علمهم، يبقى السؤال قائمًا حول كيفية ضمان عدم تكرار هذه المشكلة مرة أخرى، وهل تطبيق نظام تسجيل شرائح الهواتف ببصمة الوجه، الذي طرحه النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، قادر على حماية بيانات المستخدمين وحفظ سرية وخصوصية معلوماتهم وحماية حالتهم الجنائية، دون أن يُفاجأوا بتورطهم في جرائم لا يعلمون عنها شيئًا؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة