"مسيرة" دمياط.. من استهدف سفن الغاز ولماذا؟

بعد ساعات من الضبابية والتكهنات، أكد مجلس الوزراء المصري أن الحريق الذي اندلع في سفينتين أمريكيتين بميناء دمياط نجم عن استهداف نفذته طائرة مسيرة، من دون أن يحدد مصدرها أو تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة.

وحسمت الحكومة، من خلال البيان الصادر صباح اليوم الخميس، الجدل الذي صاحب بيان وزارة البترول الصادر أمس الأربعاء، والذي لم يتطرق إلى أسباب الحريق، إلا أنها أبقت الباب مفتوحًا أمام جميع الاحتمالات، بعدما لم تحدد هوية الجهة التي أطلقت الطائرة المسيّرة.

ويُعد الحادث الأول من نوعه الذي يستهدف أحد أهم الموانئ الاستراتيجية المصرية، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عدة، في مقدمتها هوية المستفيد من جر مصر إلى الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، رغم التزامها بالحياد ودعواتها المستمرة إلى خفض التصعيد المتواصل منذ عدة أشهر بين الولايات المتحدة وإيران. كما يثير الحادث تساؤلًا آخر حول احتمالات أن تصبح مصر، بعد هذه الواقعة، هدفًا مستمرًا للمسيّرات الإيرانية، على غرار دول الخليج والأردن التي باتت جزءًا من معادلة الصراع منذ أسابيعه الأولى.

ماذا حدث؟

بدأت الشرارة الأولى من وكالة رويترز، التي نقلت عن مصدرين أمنيين أن ناقلات لتخزين الغاز في ميناء دمياط ربما تعرضت لهجوم بطائرات مسيرة. وتبع ذلك إفادة من شركة أمبري للأمن البحري، وهي شركة بريطانية متخصصة في مجال الأمن البحري، قالت فيها إن التقييمات الأولية تشير إلى أن طائرة مسيّرة أصابت وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة "إنرجوس وينتر"، المملوكة لشركة أمريكية والتي ترفع علم جزر مارشال.

وأكدت الشركة أن السفينة تعرضت لإصابة مباشرة بطائرة مسيّرة واحدة على الأقل أثناء وجودها داخل الميناء، مشيرة إلى أن الحريق امتد أيضًا إلى ناقلة الغاز المسال "جاس لوج سالم".

ومع انتشار فيديوهات لألسنة اللهب المتصاعدة من سفينة راسية في ميناء دمياط، أصدرت وزارة البترول بيانًا أكدت فيه وقوع حريق أصاب سفينة تغييز للغاز وأخرى للتخزين كانتا متواجدتين في ميناء دمياط، مشيرة إلى السيطرة على الحريق من دون وقوع إصابات أو خسائر بشرية.

وفي السياق نفسه، أفادت شركة "كبلر" المتخصصة في تحليلات الطاقة بأن السفينتين تعرضتا لأضرار، وأن العمليات في ميناء دمياط، أحد أبرز موانئ استيراد الغاز في مصر، تعطلت مؤقتًا. كما أعلنت شركة "إنشكيب" لخدمات الموانئ أن النيران اشتعلت في ناقلتي غاز داخل الميناء، قبل أن يتم سحبهما إلى خارج منطقة الميناء.

من أطلق المسيرة على ميناء دمياط؟

حتى الآن، لم يحدد بيان الحكومة مصدر إطلاق الطائرة المسيرة التي استهدفت سفينتي الغاز الطبيعي في ميناء دمياط، كما لم تعلن أي دولة أو جماعة مسؤوليتها عن الحادث. وفي المقابل، اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استهداف ناقلة الغاز في ميناء دمياط "جزءًا مما يحدث"، متوعدًا إيران برد حاسم على خلفية استهداف ناقلة الغاز في مصر وإطلاق 5 قذائف صاروخية باتجاه أهداف أمريكية في المنطقة، وهو ما تحقق بعد وقت قصير من تصريحاته، مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية شن ضربات استمرت ساعتين على أهداف إيرانية.

وبعد ساعات من الصمت الرسمي الإيراني، نفت الخارجية الإيرانية، في تصريح لصحيفة "النهار" اللبنانية، مسؤولية طهران عن الهجوم، مؤكدة عدم وجود نية لتنفيذ مثل هذه العملية.

وفي المقابل، نقلت "نيويورك تايمز" الأمريكية عن مصدرين إيرانيين أن الهجوم صُمم لإيصال رسالة مفادها أن إيران قادرة على تعطيل حركة الشحن وإمدادات الطاقة العالمية بشكل أكبر إذا قررت تصعيد الصراع.

وأضاف المصدران، اللذان رفضا الكشف عن هويتهما، أنهما لا يحددان ما إذا كانت إيران نفسها أو إحدى المجموعات المتحالفة معها هي التي نفذت الهجوم، كما لم يكشفا عن مكان انطلاق الطائرة المسيّرة.

وقبل وقت قصير من الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط، أدرجت وكالة أنباء إيرانية تابعة لقوات الباسيج أهدافًا حيوية مصرية ضمن بنك أهدافها المحتمل، شملت حقل ظهر ومحطتي إدكو ودمياط للغاز المسال، وذلك كرد فعل على استهداف أوكرانيا سفينة إيرانية في بحر قزوين، تقول كييف إنها كانت تحمل أسلحة عسكرية إلى طهران.

وفي هذا السياق، يرسم الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان أكثر من مسار لتفسير حادث دمياط، موضحًا أنه "إما أن يكون ضربة إيرانية مباشرة أو من أحد وكلائها بالمنطقة مثل جماعة الحوثي اليمنية، أو بهجوم إسرائيلي سري نفذ بواسطة ما يعرف بالعلم الزائف".

ويقصد بعمليات العلم الزائف تلك التي تنفذ بطريقة تجعلها تبدو كأنها صادرة عن طرف آخر، فيما تتهم تقارير إقليمية ودولية إسرائيل تحديدًا بتنفيذ هذا النوع من العمليات.

وسبق أن اتهمت إيران إسرائيل بتنفيذ عمليات تخريبية من هذا النوع لإلصاق التهم بدول أخرى، مشيرة إلى أن تل أبيب تمتلك سجلًا طويلًا في تصميم وتنفيذ ما يُعرف بعمليات "الراية المزيفة"، ولجأت مرارًا إلى هذا النوع من العمليات لتحقيق أهدافها.

ولا يستبعد سلطان، في حديثه لـ"فكر تاني"، ضلوع إسرائيل في هذا الهجوم لإطالة أمد الحرب والإبقاء على الجبهات مشتعلة لأطول وقت ممكن، ودفع مصر إلى التخلي عن دورها الحيادي في الأزمة الأمريكية الإيرانية وجرها إلى الحرب بشكل أو بآخر.

وفي المقابل، إذا تأكد أن مصدر الهجوم هو إيران أو أحد وكلائها، يرى الباحث في الأمن الإقليمي أن الاستهداف لا يقتصر على مصر وحدها، وإنما يستهدف منظومة الطاقة الإقليمية بهدف شل قدراتها، خاصة أن ميناء دمياط يُعد من الموانئ الاستراتيجية المهمة في منظومة الطاقة، ويلعب دورًا حيويًا في استقبال ناقلات النفط وسفن تغييز الغاز.

وأشار سلطان إلى أن نهج إيران في الحرب كشف أنها تستهدف زيادة كلفة الصراع وتعقيده وخروجه عن السيطرة، حتى لو كان ذلك على حساب دول حيادية تفتح معها قنوات اتصال مستمرة، وتلعب دورًا في الوساطة مع الولايات المتحدة، مثل سلطنة عمان وقطر ومصر.

ويضع سلطان عددًا من الاحتمالات لمصدر إطلاق الطائرة المسيّرة، مشيرًا إلى احتمال خروجها من مناطق نفوذ الحوثيين في اليمن. ويقول "هم لديهم القدرة على إطلاق مسيرات بعيدة المدى، وما يعزز ذلك انخراطهم في الصراع بشكل واسع مؤخرًا بعد استهداف السفن في مضيق باب المندب وتلقيهم الضوء الأخضر من الحرس الثوري بتوسيع جبهة الحرب".

ويضيف "لدى إيران والحوثي القدرات لتنفيذ ضربة شبيهة، فمسيرات مثل صماد-3 قادرة على الوصول لهذا المدى، وهناك مسيرات أخرى كبعض نسخ المسيرة الإيرانية شاهد وغيرها، لكن في الفترة الأخيرة، هناك اتصالات مصرية-إيرانية-حوثية من أجل منع توسع الصراع، والحيلولة دون أن يؤدي التصعيد في البحر الأحمر للتأثير على حركة المرور في قناة السويس المصرية، وبالتالي فمثل هذا الهجوم يمثل تصعيدًا كبيرًا ويجعل هناك اصطفافًا مصريًا أكبر ضد الحوثي وإيران".

وفي الوقت الذي يحيط فيه الغموض بالموقف المصري من الرد على هجوم ميناء دمياط، يؤكد الباحث أحمد سلطان أن القاهرة نأت بنفسها عن الانخراط في أي مواجهة عسكرية، وأرست منذ اندلاع هذه المواجهة مبدأ واضحًا يقوم على عدم الرغبة في توسيع رقعة الحرب، في ظل اتساع تداعياتها على الاقتصاد المصري وارتفاع أسعار النفط وتهديد ممرات الملاحة. ومع ذلك، لا يستبعد سلطان أن تتحرك القاهرة برد رادع "عسكري أو استخباراتي" لإيصال رسائل إلى الطرف الإيراني بهدف إخراج مصر من معادلة الاستنزاف الاقتصادي.

الهدف.. استفزاز مصر

ورغم أن الخط الدبلوماسي الهادئ الذي تنتهجه مصر منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أثار بعض التحفظات الخليجية، في ظل تأكيد مصري على دعم أمن الخليج وإدانة الهجمات الإيرانية ضد جيرانها الخليجيين، وجدت مصر نفسها مجددًا في قلب الصراع، لكن هذه المرة من خلال استهداف مباشر لمركز حيوي داخل البلاد.

ويرى اللواء أركان حرب أسامة محمود كبير، المحاضر في كلية القادة والأركان بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية المصرية، أن ما حدث يمثل تطورًا خطيرًا، ويستهدف استفزاز مصر لجرها إلى دائرة الصراع بشكل أو بآخر. ويؤكد أن القاهرة تتحرك برصانة، وتمتلك ثقلًا دبلوماسيًا وعسكريًا وازنًا، وهو ما لن يمنعها من اتخاذ إجراءات مناسبة في توقيتات مناسبة لحماية أمنها القومي، من دون أن يحدد ملامح هذه الإجراءات.

ويشير اللواء أسامة كبير، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن استهداف سفن الغاز في ميناء دمياط يأتي بعد وقت قصير من اشتعال جبهة البحر الأحمر والتهديدات الحوثية لأمن الملاحة، وهو ما يؤشر إلى دخول المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد مرتبطة بجبهة الحرب الأساسية في إيران، مشددًا على أن الوضع بات شديد الحساسية في المنطقة بعد اتساع جبهة الحرب.

وذكرت رويترز أن جماعة الحوثي في اليمن تدرس فرض رسوم على السفن التجارية المبحرة عبر جنوب البحر الأحمر، وذلك بعد أسبوع من إعلانها فرض حصار بحري على السعودية

وشهدت الأيام الأخيرة تطورًا كبيرًا في مسار الأحداث، بعد أن استهدفت السعودية بالتنسيق مع الولايات المتحدة مواقع تابعة للحشد الشعبي العراقي المدعوم من إيران، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من أعضاء الحشد الشعبي، في ظل التصعيد الجاري بين السعودية وإيران واستهداف الأخيرة بنى تحتية في المملكة، واتهام الرياض فصائل عراقية موالية لإيران باستهداف منشآتها النفطية.

تداعيات اقتصادية مباشرة

لم تتأخر التداعيات الاقتصادية لاستهداف ميناء دمياط، إذ كشفت شبكة بلومبرج أن مصر حوّلت شحنة من الغاز الطبيعي المسال، كان مقررًا استقبالها الأسبوع المقبل في ميناء العقبة بالأردن، بعد نشوب حريق في سفينة تغييز بميناء دمياط.

وبموجب هذا التغيير في مسار السفن، ستحصل مصر لمدة 35 يومًا على نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز عبر خط الأردن، لتعويض جزء من النقص الحاصل بعد حريق مركب التغييز في ميناء دمياط. وتُعد هذه الشحنة واحدة من بين 4 شحنات غاز مسال كان من المقرر استقبالها عبر دمياط.

وتمتلك مصر 4 سفن تغييز عائمة بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ نحو 2.75 مليار قدم مكعبة يوميًا، تشمل سفينة في ميناء دمياط و3 سفن في ميناء السخنة. وتعتمد عليها الدولة لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة وتحويلها إلى غاز يُضخ مباشرة في الشبكة القومية.

وارتفعت أهمية سفن التغييز مع اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي، الذي يبلغ نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا، والاستهلاك الذي يصل إلى نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، ويرتفع إلى 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف.

أما ناقلة الغاز "إنرجوس وينتر"، التي نشب فيها الحريق، فكانت تضخ فعليًا نحو 450 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا إلى الشبكة القومية، بعدما استقبلت 3 شحنات من الغاز المسال خلال يوليو، وكانت تستعد لاستقبال 4 شحنات جديدة خلال أغسطس. وكانت السفينة متصلة مباشرة بالشبكة القومية للغازات، قبل أن يتم فصلها وإغلاق خط الربط فور اندلاع الحريق.

واستأجرت مصر هذه السفينة لمدة 5 سنوات، بدأت من أكتوبر 2025 وحتى سبتمبر 2029، مقابل 36 مليون دولار سنويًا، بقيمة إجمالية تعادل 180 مليون دولار. ولا يزال من غير المعلوم موعد دخولها الخدمة من جديد، بعد سحبها من ميناء دمياط لتقييم الأضرار التي لحقت بها.

ومع ترقب الموقف المصري وتحديد الجهة التي تحركت منها الطائرة المسيرة باتجاه مصر، تظل الآثار السياسية والعسكرية والاقتصادية لهذا الحادث محل تساؤلات، سواء في المدى القريب أو البعيد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة