المرتب مبيكفيش| هجرة القضاة إلى القطاع الخاص.. الاستقالة أو التقشف

طالما نُظر إلى الوظيفة القضائية باعتبارها ذروة المسار المهني القانوني، إذ يتمتع القاضي بمكانة اجتماعية ومهنية خاصة جعلت الاستقالة من القضاء استثناءً نادرًا لا يتكرر، غير أن هذه الصورة تبدلت خلال السنوات الأخيرة بسبب أزمة الرواتب، التي دفعت قضاةً إلى مغادرة منصة العدالة بحثًا عن حياة أفضل.

ولم تعد أزمة رواتب القضاة في مصر مجرد نقاش داخلي يدور في أروقة المحاكم أو داخل الجمعيات العمومية للهيئات القضائية، إذ تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الوسط القضائي، وذلك بعد الحديث عن استقالات متتالية لقضاة من مختلف الدرجات القضائية، واتجاه عدد كبير منهم إلى العمل في شركات دولية ومؤسسات قانونية واستشارية داخل مصر وخارجها، في ظاهرة بات البعض يصفها بـ"هجرة القضاء"، وهو ملف كان محورًا أساسيًا في برامج المرشحين في انتخابات نادي القضاة.

وقد تحدث لـ"فكر تاني" أكثر من 8 مصادر قضائية عن أزمة الرواتب واستقالات القضاة التي وصلت إلى 1300 قاضٍ، حسب المصادر، منذ عام 2022 وحتى الآن، بسبب أزمات مالية ومهنية، وهو رقم كبير بالنسبة إلى عدد القضاة في مصر الذي يبلغ 22 ألفًا فقط. ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية معلنة تؤكد هذه الأرقام أو تنفيها، فإن مجرد تداولها بهذا الاتساع داخل الأوساط القضائية يعكس حجم القلق الذي بات يحيط بالملف، ويطرح تساؤلات جوهرية عن مستقبل المهنة، وقدرة السلطة القضائية على الاحتفاظ بكفاءاتها وخبراتها في مواجهة الإغراءات المالية المتزايدة التي تقدمها جهات أخرى، في ظل تراجع القيمة الشرائية للجنيه بسبب التعويمات المتكررة.

بين الأرقام والمسؤوليات

وبحسب ثلاثة مصادر قضائية تحدثوا لـ"فكر تاني"، تدور رواتب المناصب القضائية العليا، مثل نائب رئيس محكمة النقض أو رئيس محكمة استئناف القاهرة، حول 40 ألف جنيه شهريًا، وفي أغلب الحالات لا تتجاوز 50 ألف جنيه، بينما يحصل رئيس محكمة (أ) على راتب يقارب 25 ألف جنيه شهريًا، في حين يبلغ راتب رئيس محكمة (ب) نحو 20 ألف جنيه فقط. ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو مرتفعة مقارنةً بمتوسط الأجور في قطاعات أخرى، فإن المصادر يرون أن تقييمها يجب أن يتم في ضوء طبيعة المنصب القضائي، والقيود المفروضة على شاغليه، وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، كما أن القاضي لا يملك، بحكم طبيعة وظيفته، مساحةً واسعة لممارسة أنشطة مهنية إضافية تتيح له تعويض هذا التراجع في الدخل، كما يحدث في مهن أخرى.

ويحظر قانون السلطة القضائية المصري على رجال القضاء والنيابة العامة الاشتغال بأي عمل تجاري، أو أي وظيفة أو عمل لا يتفق واستقلال القضاء وكرامته، إذ تنص المادة 72 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 على أنه "لا يجوز للقاضي القيام بأي عمل تجاري، كما لا يجوز له القيام بأي عمل لا يتفق واستقلال القضاء وكرامته أو من شأنه أن يمس هيبته، ويجوز لمجلس القضاء الأعلى أن يقرر منع القاضي من مباشرة أي عمل يرى أن القيام به يتعارض مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها". ويهدف هذا الحظر التشريعي الصارم إلى تفرغ القضاة بالكامل لأداء رسالتهم، وضمان حيادهم المطلق، ومنع أي تضارب للمصالح قد ينشأ عن انخراطهم في أنشطة مالية أو تجارية أو وظائف أخرى، بما يحفظ للمنصة القضائية هيبتها واستقلالها في وجدان المجتمع، لكنه في الوقت ذاته يمنع أن يكون لهم مصدر دخل آخر غير عملهم القضائي.

ويكشف مصدر قضائي عن إحدى القضايا التأديبية التي تعبر عن هذه الضغوط الاقتصادية، إذ انتهى الأمر بعزل أحد القضاة بعد ثبوت مخالفته للضوابط المنظمة لعمل القضاة، من خلال انخراطه في أنشطة تجارية من بينها بيع عقارات ووحدات سكنية، وغيرها من الأعمال التي لا تتوافق مع مقتضيات الوظيفة القضائية، وقد برر القاضي المعزول لجوؤه إلى الأعمال التجارية بسعيه إلى تحقيق دخل إضافي لمواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، وهو الأمر الذي يتداوله القضاة على الجروبات المغلقة الخاصة بهم.

إحالة للتفتيش

وشهدت الأوساط القضائية في نهاية عام 2024 أزمة إحالة 48 قاضيًا إلى إدارة التفتيش القضائي بوزارة العدل، على خلفية رصد نقاشات عبر "مجموعات مغلقة" على السوشيال ميديا، تناول فيها القضاة تداعيات الأزمة الاقتصادية، وهو ما اعتبرته الإدارة وقتها خروجًا عن تقاليد العمل القضائي التي تحظر خوض رجال المنصة في الشأن العام. وبحسب مصادر قضائية مطلعة، فقد نجحت مساعي احتواء الأزمة وديًّا، حيث أُنهي الملف واُغلق بالكامل دون اتخاذ إجراءات عقابية أو تصعيدية بحق القضاة، ليبقى الإجراء في إطار التنبيه الإداري الداخلي، حرصًا على استقرار المنظومة القضائية.

وفي ظل هذه الأجواء، دفعت الأزمة الاقتصادية وضعف الرواتب القضاة إلى محاولة التقشف على طريقة فقه الأولويات، ويروي أحد القضاة، في شكوى تداولها زملاؤه داخل الأوساط القضائية، كيف اضطر إلى اتخاذ قرار وصفه بأنه من أصعب قرارات حياته، بعدما نقل أبناءه الثلاثة من مدارس دولية إلى مدارس حكومية، بسبب عدم قدرته على تحمل المصروفات الدراسية بعد الزيادات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة. ويقول إن دخله لم يعد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية، فضلًا عن نفقات التعليم والرعاية الصحية ومتطلبات الحياة اليومية، رغم سنوات خدمته الطويلة في القضاء، ويضيف أن القرار كان مؤلمًا بالنسبة إليه وأبنائه، لكنه لم يجد بديلًا آخر في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

من القضاء إلى القطاع الخاص

ودفعت هذه الأزمة الإنسانية نفسها محاميي عموم إلى ترك المنصة وتأسيس مؤسسة قانونية خاصة، علمًا بأن المحامي العام منصب قضائي رفيع في النيابة يتولاه نائب بدرجة رئيس محكمة استئناف. فبحسب مقربين منهما تحدثا إلى "فكر تاني"، وجد المحاميان أن الاستمرار في العمل القضائي لم يعد قادرًا على تلبية الالتزامات المعيشية المتزايدة، مع ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القوة الشرائية للرواتب، فقررا تقديم استقالتيهما وبدء صفحة جديدة في القطاع الخاص، وبعد أشهر قليلة أسسا مؤسسة قانونية متخصصة سرعان ما نجحت في جذب كبرى الشركات المحلية والدولية، مستفيدة من خبرتهما الطويلة في العمل القضائي.

ولم تكن هذه الحالة استثناءً، إذ قرر أحد أعضاء النيابة العامة تقديم استقالته والانتقال إلى القطاع الخاص، بعد سنوات قضاها محاميًا عامًا يتولى الإشراف على تحقيقات وقضايا معقدة، وجاءت هذه الخطوة بعدما تلقى عرضًا للعمل مستشارًا قانونيًا لدى شركة "داماك" للتطوير العقاري، في وظيفة توفر مزايا مالية تفوق ما كان يحصل عليه داخل المنظومة القضائية. وبحسب مقربين منه، لم يكن القرار مرتبطًا برغبته في ترك العمل القضائي بقدر ما كان محاولة لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي لأسرته، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

وأصبحت هذه الحالات تتكرر بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد الطلب من كبرى الشركات على القضاة وأعضاء النيابة السابقين، لما يمتلكونه من خبرات قانونية واسعة، وهو ما يثير تساؤلات داخل الوسط القضائي عن كيفية الحفاظ على الكفاءات ومنع انتقالها إلى القطاع الخاص.

مجلس القضاء الأعلى يتحرك

وهذه الأزمة التي ألقت بظلالها على انتخابات نادي القضاة، وجدت صدًى أوسع داخل مجلس القضاء الأعلى، الذي وافق في منتصف يونيو الماضي، برئاسة المستشار عاصم الغايش، على دراسة إقرار مزايا مالية شهرية لأعضاء القضاء والنيابة العامة، على أن يتم تمويلها من الحساب الادخاري والموارد الذاتية للمجلس، تمهيدًا لبدء الصرف اعتبارًا من العام المالي المقبل. وقالت مصادر قضائية لـ"فكر تاني" إن مجلس القضاء الأعلى أقر صرف ميزة مالية شهرية ثابتة بقيمة 6 آلاف جنيه لجميع القضاة وأعضاء النيابة العامة.

تكلفةالاتزامات المهنية

وتفرض الأعراف القضائية ومدونات السلوك الوظيفي على أعضاء الجهات والهيئات القضائية الالتزام بمظهر رسمي يتسم بالوقار والرقي، سواء في أثناء العمل أو في المناسبات العامة، مع تجنب أي مظهر قد يُنظر إليه باعتباره لا يليق بالمكانة القضائية، غير أن الالتزام بهذه المعايير أصبح يمثل عبئًا ماليًا متزايدًا في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الملابس الرسمية والأحذية ومتطلبات الظهور اللائق، وهي نفقات يتحملها كثير من القضاة.

ولا تتوقف الأعباء عند حدود المظهر فقط، إذ يخضع القضاة لضوابط وتعليمات ومحظورات تحكم ظهورهم في الحياة العامة، بما في ذلك التحفظ في المشاركة بالمناسبات العامة، والالتزام بقيود خاصة في الظهور الإعلامي واستخدام السوشيال ميديا، فضلًا عن ضرورة المحافظة على مستوى اجتماعي يتناسب مع طبيعة الوظيفة، لتعزيز ثقة المجتمع في العدالة. واعتبر قضاة تحدثوا لـ"فكر تاني" أن هذه الالتزامات، التي تمثل جزءًا أصيلًا من مقتضيات الاستقلال والثقة المجتمعية، أصبحت مع الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة تشكل أعباءً مالية إضافية.

ضغط القضايا ونقص أعداد القضاة

وتقابل الأزمة الاقتصادية، أخرى لا تقل صعوبة عنها تواجه القضاة، وهي العجز في الأعداد مع زيادة عدد القضايا، الذي يشكل، مع ضعف الرواتب، ضغطًا مهنيًا يضع مسار الاستقالة من السلك القضائي بوصفه الخيار الأفضل.

ورغم عدم توافر بيانات رسمية محدثة عن أعداد القضاة، فإن المستشار عمر مروان، وزير العدل الأسبق ومدير مكتب رئيس الجمهورية الحالي، كشف في ديسمبر 2020 أن عدد القضاة وأعضاء الجهات والهيئات القضائية يبلغ نحو 22 ألفًا، من بينهم نحو 11 ألف قاضٍ يعملون في القضاء العادي، وأوضح آنذاك أن مصر تضم قاضيًا واحدًا لكل 33 ألف نسمة، بينما يبلغ المعدل العالمي قاضيًا لكل 14 ألف نسمة، وهو ما يعكس الفجوة بين حجم الكثافة السكانية وعدد القضاة القائمين على الفصل في المنازعات.

وتتجلى هذه الضغوط بصورة أكبر في حجم القضايا المنظورة سنويًا، إذ أشار مروان إلى أن المحاكم تنظر ما بين 12 و13 مليون قضية جنائية كل عام، إضافة إلى نحو 1.7 مليون قضية أمام محاكم مجلس الدولة، وقرابة 2.29 مليون قضية مدنية وتجارية. وتعكس هذه الأرقام حجم العبء المهني على القضاة، وتؤكد أن أي نقاش عن تطوير منظومة العدالة لا يقتصر على تحسين الأوضاع المالية فقط، وإنما يشمل أيضًا دعم المحاكم بالكوادر البشرية الكافية، بما يسهم في تخفيف ضغط العمل، وتحقيق العدالة الناجزة، والحفاظ على جودة الأحكام الصادرة.

هجرة القضاة- رسوم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

استقلال القضاء

وحيرى المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق وأحد أبرز رموز تيار استقلال القضاء، أن الأزمة المالية والمهنية تمس جوهر استقلال القضاء.

ويقول لـ"فكر تاني" إن استقلال القضاء لا يقتصر على استقلال المؤسسة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ يشمل أيضًا استقلال القاضي الفرد ذاته، مضيفًا أن أحد أهم الضمانات التاريخية لاستقلال القاضي كان دائمًا توفير حياة كريمة له، تحميه من الضغوط الاقتصادية وتجعله متفرغًا بالكامل لأداء رسالته.

ويوضح دربالة أن الفقه القانوني والتجارب الدولية تعاملت مع هذه المسألة باعتبارها جزءًا من منظومة العدالة ذاتها، مشيرًا إلى أن القاضي يجب أن يكون في حالة من الاكتفاء والاستقرار، تمكنه من أداء وظيفته دون أن ينشغل بأعباء الحياة اليومية أو التفكير في مصادر دخل بديلة. ويؤكد أن تراجع القوة الشرائية للرواتب خلال السنوات الأخيرة خلق حالة من القلق داخل الأوساط القضائية، مشددًا على أن معالجة الأزمة أصبحت ضرورة مؤسسية وليست مطلبًا فئويًا.

ويستشهد دربالة بنماذج تاريخية تؤكد ارتباط العدالة بالاستقرار المالي للقاضي، ففي التراث الإسلامي، كانت وصايا الخلفاء والفقهاء تؤكد ضرورة التوسع في رزق القاضي حتى لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، كما أن النظم القضائية الحديثة في أوروبا أولت اهتمامًا كبيرًا بتحصين القاضي اقتصاديًا، باعتبار ذلك جزءًا من حماية استقلاله.

وإذا كان دربالة يؤسس لموقعه من عمق التراث والتجارب المقارنة، فإن نزيه الحكيم يصل إلى النتيجة ذاتها من زاوية أضيق وأكثر تحديدًا، إذ يرفض القاضي السابق وأستاذ القانون الدستوري اختزال القضية في أرقام الرواتب فقط، ويقول في حديثه لـ"فكر تاني" إن القاضي المصري يتمتع بمكانة علمية وقانونية كبيرة، وإن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب توفير الضمانات المادية والمعنوية اللازمة.

ويضيف الحكيم أن ما تردد بشأن استقالة أعداد كبيرة من القضاة يستحق الدراسة الجادة، خاصة في ظل الحديث عن أرقام تقترب من 1300 قاضٍ خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن الرواتب تختلف باختلاف الدرجات القضائية، لكنها في كثير من الحالات تتراوح بين 24 ألفًا و35 ألف جنيه. ويرى أن القضية الحقيقية تتمثل في مدى تناسب هذه الدخول مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتق القاضي، مؤكدًا أن العدالة القوية تحتاج إلى قضاة يتمتعون بالاستقرار المادي والمعنوي، وأن الإنفاق على السلطة القضائية ينبغي النظر إليه باعتباره استثمارًا في سيادة القانون، وليس مجرد بند إنفاق مالي.

وبين هذين الطرحين، يتضح أن ما يوصف بأزمة رواتب هو في جوهره سؤال عن شروط استقلال القرار القضائي ذاته، فالقاضي الذي يفكر في مصدر دخل بديل لا يعمل بالضرورة تحت ضغط مباشر، لكنه يعمل وهو محمل بهاجس لم يكن ينبغي أن يكون جزءًا من معادلة الحكم، وهو ما يجعل معالجة هذا الملف أقرب إلى إصلاح بنيوي في منظومة العدالة منه إلى تحسين إداري في جدول الأجور.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة