منذ أن صدرت عملة العشرة جنيهات البوليمر، المعروفة شعبيًا بالبلاستيك، قبل أربع سنوات لم يتحمس لها المصريون كثيرًا، بل اعتبروا أن "وشها وحش" على جيوبهم، لتزامن تداولها مع موجات من تحرير سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوى الشرائية، وبشكل ما أو بآخر يبدو الحدس الشعبي في التوجس من تلك العملة أو الضجر منها مصيبًا.
فقبل ثلاثة أشهر من إصدار العشرة جنيهات البلاستيك، أي في يوليو 2022، اتخذ البنك المركزي قرارًا بخفض قيمة الجنيه ليرتفع الدولار من مستوى 15 جنيهًا و66 قرشًا، إلى أكثر من 18 جنيهًا و44 قرشًا، وفي أكتوبر من العام ذاته وبعد مرور ثلاثة أشهر على صدور العملة، وقع التعويم الثاني في 27 أكتوبر، ليقفز الدولار إلى مستويات فوق 22 جنيهًا و85 قرشًا، حتى وصل بنهاية الشهر إلى نحو 24 جنيهًا و70 قرشًا، ومع نهاية العام، صار الجنيه واحدًا من أسوأ عشر عملات في العالم، بعد تراجع حاد تجاوز 14.5% في حركة يومية واحدة خلال شهر أكتوبر، مما جعل المصريين يربطون صدورها بتراجع قيمة الجنيه.
وقد شهد العام الأول لظهور هذه العملة ارتفاعًا ملحوظًا في معدل التضخم بمصر، ليبلغ بنهاية العام 24.4% نتيجة ضغوط الأسعار وزيادة الرقم القياسي الشهري لأسعار المستهلكين الأساسية، بنسبة 2.6% خلال ذلك الشهر.
لكن الـ"نحس" المصاحب لصدور تلك العملة، ليس وحده المؤرق في استخدامها، أو الاحتفاظ بها، إذ تثير منذ طرحها قبل أربعة سنوات مشادات دائمة بين المتعاملين حول قبول المقطوع منها أو "الملسُوع بالنار"، أو "الممسوح بحكم التداول"، وذلك على عكس العملات الورقية التقليدية التي يتقبلها المواطنون مهما تكالبت عليها أعراض التقادم والاهتراء، وعلى العكس أيضًا من الدافع الأساسي لإصدارها في صورتها البلاستيكية.
ورقة النفس القصير
لمَّا صدرت هذه العملة في عهد طارق عامر، محافظ البنك المركزي الأسبق، جرى التأكيد على أن تكلفة طباعتها المرتفعة، يقابلها مرونة وقوة وطول في العمر الافتراضي، الذي يصل إلى نحو ثلاثة أضعاف عمر الفئة الورقية المصنوعة من الورق وخيوط القطن، كذلك تضمنت المزايا التي جرى الترويج لها مقاومة العملة للماء والاتساخ والعرق وقابليتها لإعادة التدوير، إضافة إلى صعوبة تزييفها وتزويرها، بسبب النافذة البلاستيكية البيضاء التي تتضمن صورة مسجد الفتاح العليم.
فضلًا عن أنها تُغلف بـطبقة من الورنيش المعالج بالأشعة فوق البنفسجية، كخطوة أساسية على وجهيها بعد إنهاء طباعتها وترقيمها، لحماية الأحبار من الاحتكاك أو التآكل، خلال التداول وتحسين خصائص التحمل ومقاومة التلوث، كما تعتمد عملات البلاستيك على طباعة الإنتاليو، التي تدفع الحبر داخل أليافها وتغلق مسامها، وتتسم بأنها تجف بسرعة على عكس العملات الورقية، التي تجف بعد ترقيمها بالأكسدة، ومع ذلك فإن كل هذا لم يكن كفيلًا بمنحها عمرًا أطول بين أيدي المصريين وجيوبهم ونمط معيشتهم.
وبينما تُشير التقديرات إلى أن العملات البلاستيكية، تتميز بطول عمرها الافتراضي الذي يتراوح بين 3 و5 سنوات، بخلاف الورقية التي تتعرض للتلف والتآكل خلال 8 أشهر كحد أقصى، قرر البنك المركزي، هذا الأسبوع، خفض العمر الافتراضي لسحب فئة العشرة جنيهات البلاستيكية إلى عامين فقط، دون أن يعني ذلك إلغاء العملة أو وقف تداولها، وإنما تقليص مدة بقائها في السوق قبل سحبها وإعادة إصدارها، وفي الوقت ذاته صدرت عملات ورقية من فئة العشرة جنيهات، مما يعني أن البنك المركزي سيتبنى سياسة الجمع بين الإصدار الورقي والبلاستيكي لفئتي العشرة جنيهات والعشرين جنيهًا.
وتحولت 13 دولة حول العالم، بالكامل للعملات البلاستيكية، بينما تجمع دول أخرى بين الورقية والبلاستيكية، ويعتمد الباقي على الورقية فقط نظرًا لأن البلاستيك يصعب طيه، ويصعب عدّه يدويًا، كما يحتاج إلى مرافق خاصة لإعادة تدويره، لأن حرقه يلوث الهواء أكثر من الورق المصنوع من القماش والورق.
المواطن السبب.. و"كل عام وأنتم بخير"
رغم ذلك يعزو البنك المركزي السبب الرئيسي لتقليل عمر العشرة جنيهات البلاستيك إلى سوء التداول والاستخدام اليومي، مثل الطي العنيف أو التخزين غير المناسب، مما يؤدي إلى تدهور أسرع في حالة العملة مقارنة بالعمر الافتراضي المتوقع لها.
ووفقًا للبنك فإن المشكلة لا تتعلق بالخامة أو التصنيع، إذ أثبتت الفحوصات التي أُجريت في معامل متخصصة بإنجلترا وكندا، حسب البنك، عدم وجود أي عيوب مع الالتزام الكامل بالمعايير الدولية كما أنها مصنعة من نفس خامات الجنيه الإسترليني.
ومنذ عقود يشكو البنك المركزي من سوء تعامل المصريين مع العملة وتحويلها لوسيلة للمعايدة كطباعة عبارات، مثل "مبروك المولود السعيد"، أو "التهنئة بالنجاح"، وفي بعض الأحيان يجري التعبير عن المشاعر العاطفية على وجه العملة التقليدية.
وفي عام 2013 أرسل هشام رامز محافظ البنك المركزي المصري السابق خطابًا للبنوك، يحظر فيه قبول أي نقود ورقية تحمل عبارات سياسية، حين تحولت العملات لوسيلة مقاومة لقرارات الإخوان المسلمين. كما طالب البنك المركزي عبر التليفزيون المصري في 2019 عشر المواطنين بعدم قبول النقود المدون عليها عبارات نصية في أي تعاملات بنكية، وشدد على عدم الاعتراف بأي عملات مدون عليها أي عبارات، ومن لا يلتزم بهذه التعليمات يعرض نفسه للمساءلة القانونية ومع ذلك لم تُنفذ تلك الإجراءات وظلت العملات المكتوب عليها سارية خاصة أن كمية الأوراق المالية المدون عليها في الأسواق تُقدر بالمليارات.
وعلى خلاف الدول التي تعتمد على العملات البلاستيكية وتضعها داخل المحافظ الشخصية مفرودة دون ثني وتُبعدها عن النار أو مواد التنظيف، فإن الوضع في مصر مختلف نظرًا لمغايرة ثقافة المصريين، ولا تخلو رحلة سيرفيس أو ميكروباص حاليًا من نقاش حاد بين السائق والركاب حول هوية الشخص الذي أرسل عشرة جنيهات بلاستيكية ممزقة أو ملصقة، وهو جدل لا يتكرر في العملات الورقية العادية التي يقبلها المصريون، حتى أن فئة الخمسة جنيهات المتاحة بالسوق ممسوحة بنسبة تتجاوز 50%، ويتقبلها المواطنون دون تذمر.
ويرى أحمد محمود، وهو سائق، أن البنك المركزي يمكنه حل المشكلة بالسماح بتداول العشرة جنيهات المقطوعة التي جرى لصقها، لأن المشكلة تكمن في عدم قبول المتهالك منها حتى في محطات المترو والوقود.
وفي المقابل يرى قطاع من الاقتصاديين أنهم لا يدركون في بعض الأحيان سبب إصدار عملة بعينها أو إعادة تداولها، مثلما حدث مع الجنيه الورقي الذي توقفت طباعته مع صدور الجنيه المعدني، قبل أن يعيده طارق عامر للتداول في 2016، لكنه سرعان ما فقد شعبيته في الأسواق.
ولا يوجد قرار رسمي يمنع تداول الجنيه الورقي غير أن المواطنين امتنعوا عن التعامل به وهو ذات الأمر الذي حدث مع فئتي النصف جنيه والربع جنيه الورقي وحتى الربع جنيه المعدني، الذي توقف تداوله شعبيًا، دون أي قرار رسمي بإلغائه.
وقد بدأ تداول الجنيه المعدني بشكله الجديد داخل الأسواق، خلال الأسبوع الحالي، في إطار خطة لتطوير منظومة "الفكة" على أن يجري طرح عملة فئة جنيهين قريبًا لتسهيل المعاملات اليومية للمواطنين.
وسيجرى تداول الجنيه المعدني الجديد جنبًا إلى جنب مع الإصدار القديم، لضمان استقرار المعاملات النقدية، وعدم إحداث أي اضطراب في السوق ويهدف إصداره في الأصل إلى تقليل جودة الخامات المستوردة في التصنيع، وخفض أعباء الإصدار.
أين المشكلة وما الحل؟
يوضح توم هوكنهول، أمين معرض «النقود الحديثة» في المتحف البريطاني، أن الأوراق النقدية البوليمرية تكلف البنوك المركزية أكثر في الإنتاج على المدى القصير مما قد يُشكّل عائقًا أمام الدول النامية، ولذلك فإن عائد متانتها الإضافية لا يتحقق إلا مع مرور الوقت.
ويضيف هوكنهول أنه يمكن تقليص الفجوة الأمنية بين الأوراق النقدية الورقية والبلاستيكية عبر صنع أوراق نقدية هجينة، تكون ورقية ومزودة بنافذة بوليمرية شفافة.
ويقترح "ع. م"، وهو مسؤول كبير ببنك خاص، أن الحل في مشكلة العشرة جنيهات البلاستيك يكمن في صدور قرار من المركزي يسمح بتداول المتهالك منها، نظرًا لوجود كميات كبيرة ممزقة في السوق، يصعب التخلص منها، موضحًا أن المصريين بالفعل يسيئون التعامل مع العملة المحلية، رغم أنهم يحافظون على العملات الأجنبية الواردة من التحويلات بطريقة جيدة.
وأضاف المسؤول، أن البنك المركزي يتيح تغيير العملة السيئة من فروعه، ولكن الموضوع يتضمن مشقة كبيرة إذ يضطر المواطن لتضييع وقته من أجل تغيير عشرة جنيهات، خاصة أن محطات الوقود ترفضها هي الأخرى، بعد أن كانت مكانًا يتلقى الأموال مهما كانت جودتها، طالما أن الأرقام مكتوبة عليها.
وأوضح أن العشرة جنيهات البلاستيك على وجه التحديد تتقادم أسرع من العشرين جنيهًا البلاستيك، لأنها أكثر تداولًا بالسوق، فهي تعادل قيمة "كيس مقرمشات"، أو مصروفًا بسيطًا للطفل، ومن المعروف أن العملة الأكثر استخدامًا في التعاملات تتهالك بشكل أسرع.
ومن جانب آخر يطالب الخبير الاقتصادي هاني توفيق، بتغيير شكل العملات في مصر لأسباب تتعلق بمواجهة الأموال الموجودة خارج البنوك والتهرب الضريبي، ويذكر أن حجم النقود المتداولة خارج المصارف يبلغ تريليونًا و600 مليار جنيه، وهو بالمصادفة نفس رقم عجز موازنة العام الماضي، وحجم التهرب الضريبي حيث تبلغ نسبة الضرائب للناتج المحلي 12.5% مقابل 20-25% من الناتج المحلي الإجمالي بالخارج.
ويرى الخبير الاقتصادي، أن تغيير العملة حدث في الهند ونيجيريا، ويجري منح المواطنين مهلة لوضع الأموال، في حسابات بنكية مع تجريم التعامل نقدًا في حدود معينة، مضيفًا أن ذلك الإجراء سيحد من الظواهر السلبية ومنها غسيل الأموال والتضخم.
وقد أشار توفيق إلى أنه رأى بنفسه أشخاصًا في الساحل الشمالي يشترون عقارات بقيمة 5 ملايين جنيه نقدًا، وهم على استعداد للشراء بأي سعر من أجل إعادة بيع العقار ومنح الأموال صبغة شرعية، كما أن هذا الإجراء سيقلل التضخم، نظرًا لتحجيم الطلب الناتج عن الأموال المشبوهة.