يبيعون كل ما يملكون للسداد.. التمويل الاستهلاكي يلتهم حياة المصريين

صارت ميرفت، التي تبلغ من العمر 50 عامًا، وتشتغل عاملة نظافة في أحد المولات التجارية، المعيل الوحيد لعائلة تضم ثلاث بنات بعد وفاة زوجها، براتب لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه شهريًا، إلى جانب بعض الإكراميات التي تحصل عليها من زوار المول، ومع تفاقم أزمة الغلاء، وجدت أم البنات الثلاث في التمويل الاستهلاكي طوق نجاة لمساعدتها على تجهيزهن، فإذا به يكبل عنقها بدلًا من أن يعينها.

تحكي ميرفت "بنتي كانت مخطوبة بقالها أربع سنين، وكل يوم أهل العريس يسألوا إمتى الفرح، كنت حاسة إني لازم أفرحها، وقلت هقسط الأجهزة الكهربائية، ومرتبّي مع الإكراميات هيكفوني أسدد"، لكن الأمور لم تسر كما خططت، توضح "في الأول كنت ملتزمة، وبعدها لقيت الأسعار بتغلى وكل شهر مصاريف جديدة، بقيت مش عارفة أوفق بين أكل البيت والأقساط"، ومع زيادة الضغوط اضطرت إلى بيع ذهبها لسداد جزء من المديونية، كما بدأت بناتها العمل معها في المول لمساعدتها في مصروفات المنزل، غير أن ذلك لم يكن كافيًا.

تقول ميرفت لـ"فكر تاني"، إنها "لما لقيت نفسي مش قادرة أسدد، عملت أكبر غلطة في حياتي، رحت قسطت أجهزة تانية وبعتها بسعر أقل عشان آخد فلوس أسدد بيها الأقساط اللي عليا، كنت فاكرة إني هخرج من الأزمة، لكن لقيت نفسي بغرق أكتر"، موضحة أن بيع الأجهزة بأقل من سعرها جعلها تخسر جزءًا من قيمتها، بينما تراكمت عليها أقساط جديدة، حتى أصبحت غير قادرة على الوفاء بها، لتتحول إلى واحدة من الغارمات، رغم ذلك وتؤكد أن أصعب ما مرت به لم يكن الدين نفسه، وإنما أسلوب التحصيل "التليفون ما بيسكتش، كل شوية مكالمات وتهديدات، وساعات كلام يجرح، وكأني مجرمة أو نصابة، مع إن كل اللي عملته إني كنت عايزة أجوز بنتي".

ومع تفاقم أزمة الغلاء وتآكل الدخول، وجدت شريحة واسعة من الأسر المصرية في التمويل الاستهلاكي طوق نجاة لمواجهة استحقاقات اجتماعية ضرورية لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها تجهيز بناتها للزواج.

والتمويل الاستهلاكي حسب تعريف القانون رقم 18 لسنة 2020، هو "كل نشاط يهدف إلى توفير التمويل المخصص لشراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية متى تمت مزاولته على وجه الاعتياد، ويشمل التمويل من خلال بطاقات المدفوعات التجارية أو إحدى وسائل الدفع التي يقرها البنك المركزي".

وقفزت قيمة التمويل الاستهلاكي في مصر خلال يناير 2026 إلى 8.493 مليار جنيه، مسجلة زيادة بنسبة 53.2% عن العام السابق، لتكشف عن ظاهرة تجاوزت كونها مجرد أداة تمويلية إلى آلية دفاعية للبقاء في مواجهة التضخم، فضلًا عما تعكسه من تحولات عميقة في المشهد الاقتصادي، ترسم ملامح جديدة لمجتمع يستدين من أجل أساسيات الحياة.

دائرة استدانة مفرغة

بدأ يوسف، البالغ من العمر 43 عامًا، مشروعه الخاص في تجارة مستحضرات التجميل، وحصل على قرض بقيمة نصف مليون جنيه بضمان شقته، معولًا على رواج تجارته في سداد الدين وتحقيق هامش ربح يحسن من مستوى معيشة أسرته، لكنه تعرض لخسائر كبيرة أطاحت بحلمه.

ويحكي يوسف لـ"فكر تاني"، أنه بعد إخفاق المشروع في تحقيق ربح، ومع تعثره في السداد اضطر لبيع ذهب زوجته، غير أن ذلك لم يكف قيمة الأقساط، ما دفعه إلى شركات التمويل الاستهلاكي خوفًا من الحجز على منزله، حيث يشتري سلعًا بالتقسيط ويبيعها سريعًا للحصول على سيولة يسدد بها ديونه، لكنه غاص في المزيد من الديون وما زال.

وتُرجع أستاذ علم الاجتماع الدكتورة سوسن فايد هذا التحول في نمط التمويل الاستهلاكي الذي طغى على حياة المصريين إلى الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، ما دفع الشرائح الأفقر للبحث عن سبل تمكنهم من مواجهة أعباء المعيشة.

وتضيف سوسن خلال حديثها لـ"فكر تاني"، أن تخصيص الجزء الأكبر من دخل الأسرة لسداد الأقساط والديون ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار النفسي والاجتماعي، إذ يخلق حالة من التوتر والقلق المستمر نتيجة ضعف الشعور بالأمان المالي، خاصة عندما لا يكفي الدخل المتبقي لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة.

فيما يثير الباحث الاقتصادي حسن بربري سؤالًا مشروعًا عن النمو السريع الذي يشهده قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر، الذي يعتبره علامة على تعمق الأزمة الاقتصادية، موضحًا أن القطاع سجل خلال العام الماضي معدلات نمو غير مسبوقة مقارنة بباقي القطاعات الاقتصادية. ويؤكد بربري في حديثه لـ"فكر تاني"، أن "البعض ينظر إلى التمويل الاستهلاكي باعتباره وسيلة تساعد المواطنين على تلبية احتياجاتهم العاجلة، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الديون تنمو بوتيرة أسرع من نمو دخول الأفراد، وهو ما يضع المقترضين في دائرة متزايدة من الالتزامات المالية".

وما وصفه بربري يتطابق مع تجربة يوسف الذي غرق في الديون والأقساط لأكثر من جهة، بينما يعض أصابع الندم على دائرة الاستدانة المفرغة التي دخلها مجبرًا.

شمول مالي وأقساط بلا حدود

يعيش 76.3% من المواطنين فوق سن 15 عامًا، وهم عشرات الملايين، داخل منظومة شمول مالي نشطة، وفي الوقت نفسه الذي تحولت فيه أنظمة التقسيط من رفاهية إلى ضرورة يومية بفعل التضخم وتدهور القدرة الشرائية، تشير البيانات إلى ارتفاع قاعدة المستفيدين من التمويل الاستهلاكي إلى 1.2 مليون عميل نشط خلال يناير الماضي فقط، بينما ترصد تقارير هيئة الرقابة المالية توسع رقعة التمويل، التي لم تعد تقتصر على سلع كمالية، وإنما امتدت إلى قطاعات حيوية كالأجهزة الكهربائية بنسبة 25.5%، والسيارات بنسبة 15.9%، وهو ما يعتقد حسن بربري أنه دلالة على تحوّل أكبر، مشيرًا إلى ما يثيره البعض حول الاعتماد على التمويل الاستهلاكي باعتباره دليلًا على تحسن الأوضاع الاقتصادية، بينما يراه دلالة واضحة على توسع رقعة الفئات المتضررة اقتصاديًا، محذرًا من التوسع في هذا القطاع دون ضوابط، ما قد يؤدي إلى تكوين "فقاعة ديون" تهدد استقرار السوق إذا ارتفعت معدلات التعثر في السداد.

وبراتب لا يتجاوز 6 آلاف جنيه، لم يتمكّن سيد، وهو مدرس يبلغ من العمر 52 عامًا، من تجهيز ابنته للزواج، بينما دفعه إخفاقه في الاعتماد على الدروس الخصوصية كمصدر دخل إضافي، إلى بيع ذهب زوجته لتوفير جزء من التزاماته، بينما لجأ إلى تقسيط الأجهزة الكهربائية على أمل الوفاء بالأقساط الشهرية، وهو ما لم يتمكن من تحقيقه بعد تعثره في السداد نتيجة التضخم وثبات دخله الشهري.

ويحكي سيد لـ"فكر تاني" كيف اضطر إلى اللجوء لما يعرف بالتسييل من خلال شركات التمويل الاستهلاكي، ومع الوقت اضطر للتعامل مع ثلاث شركات تمويل، وتراكمت عليه ديون مضاعفة، ما جعله فريسة لمكالمات جارحة ومطاردات من موظفي التحصيل "هتدفع ولا نعمل زي الشهر اللي فات يا أستاذ سيد؟"، مختتمًا حديثه "أنا مدرس محترم والله، بس الظروف هي اللي عملت فيا كده".

وتشير سوسن فايد إلى أن ظاهرة التسييل، التي يلجأ فيها بعض العملاء إلى تقسيط سلع للحصول على قيمتها النقدية لسداد ديون سابقة، تعكس حالة من عدم الاستقرار والقلق بشأن المستقبل، إذ يضطر الفرد إلى التخلي عن جزء من ممتلكاته أو تحمل التزامات جديدة لتغطية التزاماته القديمة، وهو ما يزيد من الضغوط النفسية والاقتصادية. ويضيف بربري أن ظاهرة التسييل ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر خطورة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل، ما يدخل العملاء في حلقة متكررة من الديون، خاصة مع التعامل مع أكثر من شركة تمويل في الوقت نفسه.

ويتفق كل من بربري وفايد على أن مسؤولية تفاقم أزمة الديون لا تقع على طرف واحد، وإنما تتوزع بين الظروف الاقتصادية وشركات التمويل، حيث ينبغي على شركات التمويل ألا تفرض أعباء مالية تثقل كاهل العملاء وتؤدي إلى تفاقم مشكلاتهم.

من المسؤول؟

تتصاعد المخاوف مع تزايد المديونيات المتقاطعة، حيث يمتلك عشرات الآلاف من المصريين أكثر من بطاقة ائتمانية وحسابات نشطة على منصات تمويل متعددة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها الشهرية التي بدأت تلتهم الفائض النقدي وتحد من الإنفاق الفعلي في الأسواق.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز دعوات لتوجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية بدلًا من الاستهلاك غير المنضبط، وفرض شفافية أكبر في الكشف عن التكلفة الحقيقية للتمويل، مع تعزيز ثقافة الوعي المالي لضمان توازن مستدام بين تحريك عجلة الاقتصاد وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
ويقترح الباحث الاقتصادي حسن بربري مراجعة قانون التمويل الاستهلاكي، وإلزام الشركات بالإفصاح الكامل عن التكلفة الفعلية للتمويل، ووضع حد أقصى لنسبة الأقساط من دخل المقترض بحيث لا تتجاوز 10 إلى 15% من دخله الشهري، مع تشديد الرقابة على ممارسات التحصيل، وتوفير حماية أكبر للفئات الأكثر هشاشة، وربط سياسات الإقراض بمستويات الأجور، إلى جانب إنشاء آلية للإنذار المبكر لرصد حالات التعثر قبل تحولها إلى أزمة تهدد استقرار القطاع. مشيرًا إلى أن قانون التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020 يحتاج إلى إعادة نظر، معتبرًا أدوات الرقابة الحالية غير كافية، وأن ضعف الرقابة ساهم في توسع نشاط الشركات وتحقيقها أرباحًا كبيرة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يستدعي تعزيز حماية المقترضين وتشديد الرقابة على القطاع.

وعلى صعيد المجتمع، يوجه أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أصابع الاتهام إلى الأعراف والتقاليد التي تدفع الكثيرين إلى الاقتراض والتمويل الاستهلاكي، موضحًا أن تمسّك المجتمع بنفس الأنماط الاستهلاكية رغم تراجع الدخول يفاقم الأزمة. ويشير صادق خلال حديثه مع "فكر تاني" إلى أن السوشيال ميديا عززت ثقافة الاستهلاك، وساهمت في نشرها بشكل أوسع، إذ أصبح الأفراد يقارنون أنفسهم باستمرار بما يشاهدونه من مظاهر الرفاهية وحفلات الزفاف والسفر والمشتريات، ما يزيد من الضغوط الاجتماعية ويدفع البعض إلى شراء ما يفوق قدرتهم المادية.

ويُحمّل صادق المسؤولية إلى عدة أطراف، في مقدمتها التعليم والإعلام، إلى جانب السياسات العامة، مشددًا على ضرورة نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك والإدارة الرشيدة للموارد، وتقديم رسائل توعوية تشجع الأسر على الإنفاق وفق إمكاناتها، بدلًا من ترسيخ ثقافة المظاهر والاستهلاك التي تدفع كثيرين إلى الوقوع في دوامة الديون.

أما الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عليان، فيقول إن الاقتراض أكثر جدوى عندما يوجه إلى مشروعات إنتاجية مدروسة تحقق عائدًا يغطي قيمة القرض وفوائده، ما يرتبط بقدرة صاحب المشروع على الإدارة والتسويق، لذلك دعم المشروعات الصغيرة لا يجب أن يقتصر على منح التمويل، وإنما ينبغي أن يشمل التأهيل والتدريب ومساندة أصحاب المشروعات في تسويق منتجاتهم، حتى لا يتحول التمويل إلى عبء مالي جديد.

ويضيف عليان في حديثه لـ"فكر تاني"، أن "التمويل الاستهلاكي لا يمثل حلًا لأزمة انخفاض الدخول، وإنما يؤجل الأزمة ويزيدها تعقيدًا على المدى الطويل، لأن المقترض يستهلك الأموال دون أن يحقق منها دخلًا إضافيًا، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى السداد من دخل ثابت لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، ما قد يدفعه إلى بيع بعض ممتلكاته أو الاقتراض مرة أخرى، وهو ما يعمق أزمة المديونية ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر".

وأمام مشهد اقتصادي تتشابك فيه أرقام النمو مع وقائع إنسانية مؤلمة، يبرز السؤال الأهم دون إجابة حاسمة، هل التمويل الاستهلاكي في مصر شريان حياة ضروري في زمن التضخم؟ أم فخ ديون ينهش مستقبل الملايين؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة