انتهت مباراة مصر والأرجنتين، لكن شيئًا فيها رفض أن ينتهي مع صافرة الحكم.
بعد دقائق قليلة، كانت المقاهي قد تحولت إلى استوديوهات صغيرة، وامتلأت شاشات الهواتف بمقاطع الإعادة، وبدأت البرامج الرياضية تفتش عن اللقطة الحاسمة: هل أخطأ الحكم؟ وهل حُرم المنتخب المصري من نتيجة كان يستحقها؟ وفي الجهة المقابلة، كان آخرون يسخرون من كل حديث عن المؤامرة، ويعتبرونه مجرد محاولة للهروب من هزيمة مؤلمة.
ما لفت انتباهي أن الخلاف كله كان يدور داخل السؤال نفسه. فريق يبحث عن دليل يثبت أن المباراة لم تكن عادلة، وفريق يبحث عن دليل يثبت أنها كانت كذلك. لكن الغريب، في رأيي، ليس أن كثيرين يشكون اليوم في حياد كرة القدم، بل أننا تصورنا، في وقت من الأوقات، أنها كانت محايدة أصلًا.
صحيح أن مباراة مصر والأرجنتين أعادت السؤال إلى الواجهة، لكن السؤال أقدم منها بكثير. فمنذ عقود طويلة، والناس يتجادلون حول نفوذ السياسة والمال، ورؤساء الاتحادات، والحكام، بل وحتى المافيا داخل كرة القدم. ولم تولد هذه الشكوك مع وسائل التواصل الاجتماعي، ولا مع عصر البث الرقمي. ويكفي أن نتذكر كيف تحولت كرة القدم، في لحظات مختلفة، إلى أداة في يد أنظمة استبدادية، أو إلى ساحة تنافست عليها شبكات المافيا، أو إلى فضاء دفعت فيه الصراعات السياسية والاقتصادية أثمانًا وصلت أحيانًا إلى الدم. فتاريخ اللعبة لم يكن يومًا خاليًا من النفوذ.
غير أن هذا ليس ما يشغلني هنا. فما تغيّر ليس حضور السلطة داخل كرة القدم، وإنما الطريقة التي أصبحت تعمل بها. كان النفوذ، في كثير من الأحيان، يحمل اسمًا ووجهًا يمكن الإشارة إليهما: ديكتاتور، أو رئيس اتحاد، أو رجل أعمال، أو زعيم مافيا. أما اليوم، فقد أصبح موزعًا داخل المنظومة نفسها، حتى لم يعد السؤال الأهم: من يتدخل؟ وإنما: كيف تعمل المنظومة بحيث تجعل بعض المسارات أكثر قابلية للحدوث من غيرها؟
وربما يبدأ الجواب من افتراض آخر ظل يرافقنا طويلًا، وهو أن كرة القدم بقيت اللعبة نفسها التي عرفها الناس قبل قرن. لكن هل بقيت فعلًا؟
لو جلس مشجع من عشرينيات القرن الماضي في أحد ملاعب اليوم، فلن يشعر، في البداية، بأنه انتقل إلى عالم مختلف. فالمستطيل الأخضر هو نفسه، والمرميان في المكان ذاته، وعدد اللاعبين لم يتغير، والقواعد الأساسية ما زالت مألوفة. غير أن هذا التشابه يبدأ في التراجع شيئًا فشيئًا؛ فالنادي الذي أمامه لم يعد يؤدي الدور نفسه، واللاعب الذي يركض خلف الكرة لم تعد تربطه بالنادي العلاقة نفسها، والجمهور الذي يملأ المدرجات لم يعد يحتل الموقع نفسه داخل اللعبة. وحتى المباراة نفسها لم تعد تعيش العمر نفسه؛ كانت تبدأ مع صافرة الحكم وتنتهي مع صافرة النهاية، أما اليوم فإنها تبدأ قبل ذلك بأسابيع، وتستمر بعده أيامًا، وربما أشهرًا. ظل الاسم كما هو، لكن المعنى تحرك بصمت.
حين كان النادي يشبه المدينة
ولفهم ما جرى، ربما يجدر بنا أن نعود إلى اللحظة التي خرجت فيها كرة القدم الحديثة إلى العالم. فهي لم تولد في الفراغ، ولا في قصور النبلاء، بل في قلب المدن الصناعية التي كانت تتوسع في أوروبا خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وقد خرج كثير من الأندية من مصانع الحديد والصلب، أو شركات السكك الحديدية، أو الموانئ، أو الأحياء التي كانت تنمو حولها.
كانت تلك المدن تبحث عن كل ما يجعل الحياة الصناعية أكثر انتظامًا؛ فساعات العمل، والمواصلات، والتعليم، وحتى الرياضة، كانت جميعها أجزاء من عالم جديد يتشكل. لكن التاريخ لا يحتفظ بالأشياء على الصورة التي وُلدت بها. فالمصانع التي احتضنت الفرق الأولى لم تلبث أن تراجعت إلى الخلف، بينما تقدم الناس إلى الواجهة، وصار النادي يمثل المدينة أكثر مما يمثل المؤسسة التي خرج منها، وتحولت المدرجات إلى مكان يلتقي فيه سكان الحي، ويتوارثون الأغاني والذكريات والانتماء، وكان اللاعب، في الغالب، واحدًا من أبناء المكان، يعرف الجمهور عائلته كما يعرف طريقه إلى الملعب.
ولهذا لم تكن العلاقة بين النادي وجمهوره تشبه العلاقة بين شركة وعملائها، بل كانت أقرب إلى علاقة مدينة بنفسها.
عندما تغيرت وظيفة المباراة
لهذا يصعب فهم التحولات اللاحقة إذا نظرنا إليها بوصفها مجرد تطور في الرياضة. فما تغيّر لم يكن عدد الكاميرات، ولا قيمة الجوائز، ولا أجور اللاعبين وحدها، وإنما العلاقات التي كانت تمنح اللعبة معناها. وتبدو لحظة تأسيس الدوري الإنجليزي الممتاز عام 1992 مثالًا واضحًا على ذلك. ففي الظاهر، لم يكن الأمر أكثر من إعادة تنظيم لبطولة محلية، لكن ما حدث في العمق كان مختلفًا تمامًا؛ فللمرة الأولى لم تعد البطولة تُبنى أساسًا حول من يجلسون في المدرجات، بل حول من سيشاهدونها عبر الشاشات. ولم تعد الكاميرا تنقل المباراة فحسب، بل بدأت المباراة نفسها تُصاغ وهي تفكر في الكاميرا، ومنذ تلك اللحظة صار لها عمر آخر لا يُقاس بالدقائق التسعين، بل بعقود البث، والإعادات، والمقاطع القصيرة، والأسواق التي تنتظرها في قارات لم يزرها معظم لاعبيها. كان تحولًا هادئًا، لكنه غيّر وظيفة اللعبة أكثر مما غيّر شكلها.
ومع انتقال مركز الثقل إلى خارج الملعب، بدأت بقية عناصر اللعبة تتحرك في الاتجاه نفسه. ويكفي أن نتأمل سوق الانتقالات؛ ففي زمن مضى كان خبر انتقال لاعب يعني ببساطة أن فريقًا وجد من يسد نقصًا في مركز معين، أما اليوم فيكفي أن يلوّح صحفي بخبر غير مؤكد حتى تبدأ أيام من التحليلات، والبث المباشر، والتسريبات، والتكهنات، والمضاربات، بل قد تصبح قصة انتقال لاعب أكثر حضورًا في المجال العام من نهائي بطولة كاملة. وليس ذلك لأن الناس أصبحوا أقل اهتمامًا بالمباريات، وإنما لأن كرة القدم نفسها لم تعد تنتج مباريات فقط، بل أصبحت تنتج أخبارًا متواصلة، ومحتوى لا ينقطع، واقتصادًا يعمل حتى في الأيام التي لا تُلعب فيها كرة واحدة.
وانعكس هذا التحول على اللاعب نفسه. فما يقدمه داخل الملعب ما يزال أساس قيمته، لكنه لم يعد كافيًا لتفسيرها؛ فعدد متابعيه، والأسواق التي يستطيع الوصول إليها، والقمصان التي يبيعها، والرعاة الذين يجذبهم، كلها أصبحت جزءًا من صورته. لم يعد مجرد لاعب يؤدي دورًا في مباراة، بل أصلًا اقتصاديًا تتحرك قيمته بين الملاعب والمنصات والشاشات.
والنادي بدوره مر بالتحول نفسه. كان يحمل اسم مدينة لأنه ينتمي إليها، أما اليوم فقد ينتقل إلى ملكية صندوق استثماري أو صندوق سيادي لا يشتري أحد عشر لاعبًا فحسب، بل يشتري ملايين المشجعين، وسنوات من الولاء، ورمزًا ثقافيًا قادرًا على إنتاج نفوذ يتجاوز حدود الرياضة. ولهذا لم يعد غريبًا أن تدخل الدول إلى كرة القدم بالطريقة نفسها؛ لا باعتبارها راعية لبطولة فحسب، بل باعتبارها مستثمرة في واحدة من أكثر الصناعات قدرة على صناعة الصورة والاهتمام العالمي. ولعل هذا ما يجعل أحداثًا مثل كأس العالم تتجاوز كونها بطولة رياضية، لتصبح، في الوقت نفسه، مشروعًا اقتصاديًا وإعلاميًا وجيوسياسيًا تتقاطع فيه مصالح تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ثم جاءت شركات المراهنات لتكشف طبقة أخرى من هذا التحول. فلم تعد المباراة تنتظر صافرة البداية حتى تصبح ذات قيمة؛ إذ تكون أسواق كاملة قد بدأت عملها قبل أن يلمس اللاعبون الكرة. ولم يعد الرهان يدور حول الفريق الفائز فقط، بل حول أول بطاقة صفراء، وعدد الركلات الركنية، وزمن الهدف الأول، وحتى تفاصيل كانت تبدو، في الماضي، مجرد أحداث عابرة داخل المباراة. وعند هذه النقطة، يصعب القول إن المباراة ما زالت تعيش داخل الملعب وحده.
حين أصبحت المتعة جزءًا من السوق
لهذا لا تبدو لي العبارة التي تتكرر كثيرًا: «الرأسمالية أفسدت كرة القدم» قادرة على تفسير ما حدث. فمن يشاهد اللعبة اليوم يرى مستوى من السرعة، والإعداد البدني، والتكتيك، والإنتاج التلفزيوني، لم تعرفه أجيال سابقة، ويرى ملايين البشر يتابعون المباراة نفسها في اللحظة نفسها بتقنيات كانت تنتمي، قبل عقود، إلى الخيال. المتعة، إذن، لم تختف، وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت كرة القدم أكثر الصناعات الثقافية قدرة على انتزاع انتباه البشر.
غير أن المتعة نفسها غيّرت موقعها؛ فلم تعد تقف خارج الاقتصاد، بل أصبحت أحد محركاته. فكل مباراة أكثر إثارة تعني جمهورًا أوسع، وحقوق بث أعلى، ورعاة أكثر، وساعات مشاهدة أطول، وكل نجم يزداد بريقه لا يرفع فرص فريقه في الفوز فقط، بل يرفع قيمة شبكة كاملة من العقود، والإعلانات، والأسواق التي تدور حوله. وعندما ننظر إلى المشهد بهذه الطريقة، يتغير السؤال أيضًا؛ فلا يعود: لماذا أصبحت كرة القدم سلعة؟ وإنما: كيف أصبحت المتعة نفسها جزءًا من طريقة إنتاج القيمة؟
الملعب صورة للعالم
وربما كان التحول الأكثر عمقًا يحدث في مكان أقل صخبًا. فداخل الملعب يبدو العالم شديد الوضوح؛ صافرة واحدة تعلن البداية، والقواعد واحدة، والحكم واحد، ولا أحد يبدأ المباراة متقدمًا في النتيجة. ولهذا يغادر ملايين المشجعين المدرجات وهم يحملون، من دون قصد، صورة شديدة الإقناع عن العدالة: الجميع بدأوا من النقطة نفسها، والنتيجة جاءت في النهاية انعكاسًا لما قدمه كل فريق. ليست هذه رسالة يرفعها أحد على لافتة، ولا درسًا يلقنه معلق رياضي، بل تجربة تتكرر أسبوعًا بعد أسبوع حتى تستقر في الوعي بوصفها شيئًا طبيعيًا.
لكن المجتمع خارج الملعب لا يبدأ بهذه الطريقة. فلا يدخل الناس إليه بالثروة نفسها، ولا بالتعليم نفسه، ولا بالشبكات الاجتماعية نفسها، ولا حتى بالقدرة نفسها على تحمل الإخفاق ثم المحاولة من جديد. ومع ذلك، يسهل علينا أحيانًا أن ننظر إلى النجاح والإخفاق كما ننظر إلى نتيجة مباراة: المنتصر استحق، والخاسر أخفق.
السلطة تختفي داخل المنظومة
لهذا لم أقتنع، بعد مباراة مصر والأرجنتين، لا بمن يفسر كل شيء بالمؤامرة، ولا بمن يطمئن إلى أن المصالح تقف خارج لعبة تتحرك حولها مئات المليارات. فالمنظومات الكبرى لا تحتاج، في العادة، إلى شخص يجلس في غرفة مغلقة ليقرر النتيجة. وليس لأن تاريخ كرة القدم يخلو من الأشخاص الذين حاولوا توجيهها؛ فعلى العكس، تاريخ اللعبة مليء بحكام، وأنظمة، ورؤساء اتحادات، ورجال أعمال، وشبكات نفوذ حاولوا استخدام الكرة لتحقيق أهداف تتجاوز الرياضة نفسها. لكن الفارق أن النفوذ كان يظهر، في الغالب، في صورة أشخاص يمكن الإشارة إليهم، بينما أصبح اليوم جزءًا من طريقة عمل المنظومة ذاتها، فلم يعد يحتاج دائمًا إلى من يصدر الأوامر، لأن شبكة الحوافز والعلاقات كثيرًا ما تقوم بالمهمة وحدها.
والأهم من ذلك أن هذه النتيجة لا تتطلب اتفاقًا خفيًا بين جميع الفاعلين. فكل طرف يسعى، في الغالب، إلى تعظيم مصلحته الخاصة: شركة تبحث عن الأرباح، وناقل يريد نسب مشاهدة أعلى، وراعٍ يسعى إلى مزيد من الانتشار، ونادٍ يلاحق موارده، ودولة تستثمر في صورتها. لكن حين تتقاطع هذه المصالح داخل البنية نفسها، تنشأ ديناميات عامة لم يخطط لها أحد بمفرده، فتغدو بعض المباريات، وبعض النجوم، وبعض البطولات أكثر جاذبية وربحية من غيرها. فالأسواق لا تعمل فقط عبر أوامر مباشرة، بل أيضًا عبر الحوافز التي تعيد تشكيل سلوك جميع المشاركين فيها، حتى يبدو ما تنتجه المنظومة وكأنه نتيجة طبيعية لمسار الأشياء.
ويكفي، بعد ذلك، أن تتشابك حقوق البث، والإعلانات، والمنصات، والرعاة، وأسواق المراهنات، واستراتيجيات الدول، حتى تصبح بعض المسارات أكثر قابلية للاستمرار من غيرها، وبعض الروايات أكثر قدرة على الهيمنة. لا أحد يضغط زرًا فتتغير المباراة، لكن المنظومة، بمرور الوقت، تجعل بعض النتائج أكثر احتمالًا من غيرها، من دون أن يشعر معظم المشاركين فيها أنهم يفعلون سوى ما تمليه عليهم قواعد اللعبة.
بعد صافرة النهاية
عندما انطلقت صافرة النهاية في مباراة مصر والأرجنتين، ظن الجميع أن المباراة انتهت. وربما انتهت التسعون دقيقة فعلًا، أما الأسئلة التي أثارتها فما زالت مستمرة. خرجت من الملعب وأنا أقل اهتمامًا بقرار الحكم، وأكثر انشغالًا بالرحلة التي قطعتها كرة القدم نفسها. فالاسم بقي كما هو، لكن النادي لم يعد هو النادي، واللاعب لم يعد هو اللاعب، والجمهور لم يعد هو الجمهور، وحتى المباراة لم تعد هي المباراة التي عرفها الناس قبل قرن.
وربما لهذا السبب لم يعد السؤال الذي يشغلني: هل أخطأ الحكم؟ بل أصبح سؤالًا أبسط، وأوسع في الوقت نفسه: كم من الأشياء التي نظن أنها ما زالت كما هي، لم يتغير فيها الاسم، بينما تغيرت، بصمت، العلاقات التي كانت تمنحها معناها؟
قد تكون كرة القدم أوضح الأمثلة، لكنها، على الأرجح، ليست المثال الأخير.