وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، خلال افتتاح الأوكتاجون موجهًا الحكومة عدة توجيهات، كان البند الثالث منها قيام جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين، بإعداد برنامج وطني لخفض الأعباء المعيشية من خلال التوسع في المنافذ والأسواق الدائمة، وضبط سلاسل الإمداد بما يسهم في استقرار أسعار السلع الأساسية.
في اليوم التالي، أحالت الحكومة إلى مجلس النواب مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر، وبدأت لجنة برلمانية مشتركة من اللجنة التشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة نوعية أخرى، من بينها الخطة والموازنة والاقتصادية والزراعة والصناعة والتضامن الاجتماعي، مناقشته أمس الأربعاء، ووافقت عليه من حيث المبدأ، وتستكمل مناقشة النصوص اليوم الخميس.
من وزارة الدفاع إلى الرئاسة
بموجب المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، يتم نقل تبعية جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة من وزارة الدفاع، وتصفية الأوضاع القانونية والتنظيمية والتشغيلية المترتبة على ذلك، وإعادة تنظيم الجهاز من جديد كجهاز ذي طبيعة خاصة متفردة، يتمتع بالمرونة الإدارية والمالية، مع ما يقتضيه ذلك من استخدام وسائل أكثر تيسيرًا وأساليب أقل تعقيدًا، مما يتيح له تحقيق الأغراض والأهداف المنوطة به، والإسهام الفاعل في تحقيق التنمية المستدامة وفق نهج يوازن بين اعتبارات دعم التنافسية وتعزيز الحوكمة والشفافية والإفصاح، وبين مقتضيات الحفاظ على الأمن القومي للدولة، وبما يترجم بوضوح دور الجهاز كمحرك ومحفز للتنمية المستدامة، بوصفه شريكًا فيها، لا مهيمنًا أو مستحوذًا عليها.
الجهاز الذي برز دوره في السنوات القليلة الماضية، وحل محل هيئة السلع التموينية في عمليات استيراد الحبوب بقرار رئاسي، يستعد لانطلاقة جديدة من جهاز يتبع القوات المسلحة إلى جهاز مستقل يتبع رئيس الجمهورية.
وبموجب مشروع القانون، يتم إنشاء صندوق ثروة سيادي يحمل اسم "أهرامات النيل"، إلى جانب صندوق للإنفاق الاجتماعي يحمل اسم "داعم"، كما يمنح الجهاز صلاحية إدارة "مناطق التنمية المستدامة"، التي تتمتع بإعفاءات ضريبية. ويختص الصندوق السيادي باستثمار الأموال المخصصة للاستثمار، ونظّمت المادة (47) الأحكام المتعلقة بتلقي الأموال المخصصة للاستثمار، وجواز نقل ملكية أي أموال أو أصول مملوكة ملكية خاصة للدولة أو لأي من الجهات التابعة لها، أو ملكية أسهم أو حصص أي من الشركات المملوكة للدولة أو تساهم فيها في حدود هذه المساهمات.
ويجيز المشروع إسناد إدارة أي أموال أو أصول أخرى مملوكة للدولة أو لأي من الجهات والكيانات والشركات المملوكة أو التابعة لها أو تساهم فيها إلى الصندوق بموجب اتفاق خاص.
وحددت المادة 51 ضوابط استحواذ الصندوق السيادي على الصناديق ذات الطبيعة المماثلة أو اندماجها فيه أو نقل تبعيتها إليه، بما لا يخل بحقوق والتزامات الصندوق المستحوذ عليه أو المندمج أو المنقولة تبعيته قبل الغير، أو بحقوق العاملين لديه، أو بأغراضه.
أما الصندوق الخدمي فيعاون أجهزة الدولة في إقامة مشروعات خدمية واجتماعية وتنموية بهدف دعم الموقف الاجتماعي للدولة، وللصندوق الخدمي استثمار واستغلال أمواله وأصوله، وتوجيه الريع والأرباح والعوائد الناتجة عن تلك الاستثمارات في الإنفاق على أنشطة الصندوق الخدمي أو بإعادة توظيفها في المشروعات التي تخدم أغراض الجهاز.
حكومة موازية ورقابة برلمانية غائبة
في اجتماع حاشد بمجلس النواب، حضره رؤساء اللجان النوعية ورؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة في البرلمان، وعدد كبير من النواب، رفضت أحزاب الإصلاح والتنمية والوفد والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع مشروع القانون، وتحفظ حزب العدل وسلّم مذكرة برأيه وملاحظاته على المشروع المقدم من الحكومة.
رفضت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، مشروع القانون، واعتبرت أن نصوصه لا تقوم على توازن للمعايير التي يقوم عليها الاقتصاد الحقيقي، مشيرة إلى تعارضه مع "وحدة الموازنة، والحوكمة والرقابة، والشفافية والإفصاح، والحياد التنافسي"، كما أكدت أن المشروع يتعارض مع مبادئ وثيقة سياسات ملكية الدولة واللامركزية في القرار.
ومع إعادة هيكلة الجهاز، وإنشاء صناديق سيادية، لفتت إيرين إلى الغياب التام للرقابة البرلمانية وتقييد حق الطعن على تصرفات الجهاز لأطراف التصرف، وإغفال المادة 97 من الدستور التي تكفل حق التقاضي لأصحاب المصلحة وهم المصريون.
وأكدت اعتراضها على إنشاء صناديق سيادية والاستحواذ على الصناديق الموجودة بدون ضوابط، منتقدة الاتجاه لإنشاء مزيد من الصناديق السيادية خارج الموازنة، وتفويضًا مطلقًا للكثير من الاختصاصات في كل المجالات، معتبرة أن "الجهاز حكومة موازية للحكومة الحالية لكن بدون رقيب عليه، وازدواجية مؤسسية بدون رقابة برلمانية".
قانون اللحظة الأخيرة بدون حوار مجتمعي
تأتي مناقشة مشروع القانون قبل أيام قليلة من انتهاء دور الانعقاد ورفع جلسات المجلس خلال شهر يوليو حتى انتهاء الإجازة البرلمانية في أكتوبر المقبل، وهو ما توقف عنده رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، النائب محمد عبد العليم داود.
انتقد داود عرض قانون بهذه الأهمية وهذا الحجم، إذ تتجاوز مواده 80 مادة، في نهايات دور الانعقاد بدون فترة كافية للحوار المجتمعي، وقال "غريب إن قانون مهم زي ده بيمس أطراف ومفاصل الدولة يأتي في نهاية دور الانعقاد"، مشددًا "هذا قانون خطير جدًا، ويجب عرضه على حوار مجتمعي واسع، ولا يأتي ليتم الموافقة عليه".
وحذر من نصوص مشروع القانون التي تؤدي إلى إنشاء دولة داخل الدولة، لافتًا إلى أنه يتناقض مع قانون منع الاحتكار وحماية المنافسة، ويحد من جذب الاستثمار من الخارج، وأكد ضرورة خضوع الجهاز للرقابة البرلمانية.
من جانبه، تحفظ رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، النائب محمد فؤاد، على مشروع القانون، وسلّم مذكرة برأي الحزب وملاحظاته إلى اللجنة، وقال "إن مشروع القانون ينظم لدولة موازية، ولا يحقق التوازن بين المخاطر وبعض الالتزامات".
تحذيرات من عوار دستوري
أما النائب المستقل أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب، فنقل اعتراضه على مشروع القانون إلى نقطة أخرى، محذرًا من شبهة "عوار دستوري"، وقال "إحنا قدام كتاب مقدس مش مشروع قانون، وده بينسف المكتسبات الدستورية والقضائية والتشريعية".
اعتبر فرغلي أن وجود الجهاز بهذا الشكل يشكل "ضربة للاستثمار في مقتل، لأنه لا يوجد حياد تنافسي، والجهاز حصل على كل الامتيازات، ولا توجد عليه رقابة برلمانية".
ولفت إلى أن مشروع القانون منح رئيس الجهاز صلاحيات توازي صلاحيات رئيس الوزراء، ولكن دون رقابة، "وكأننا نؤسس لدولة ثانية"، وقال فرغلي "أطالب بحضور رئيس الوزراء، وأتحدى إذا كان شاف القانون"، لكن المستشار محمد عيد محجوب، رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، عقّب قائلًا "القانون مرسل من مجلس الوزراء".
واستكمل فرغلي انتقاداته، مؤكدًا أن مشروع القانون ينزع موارد واختصاصات من عدد من الوزارات، متسائلًا "هنحاسبهم إزاي بعد كده؟"، مطالبًا بحضور الوزراء المعنيين لمناقشة المشروع، لا سيما في ظل ما وصفه بأن المادة (73) "تؤله الجهاز"، وفق تعبيره.
تأسيس لمرحلة جديدة ودعم الأمن الغذائي
في مقابل رفض نواب المعارضة، كان لحزب الأكثرية رأي آخر، إذ أعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، أحمد عبد الجواد، موافقة الحزب على مشروع القانون من حيث المبدأ.
وقال عبد الجواد، الذي جلس على المنصة، إن الحزب عقد سلسلة من الاجتماعات المكثفة فور إحالة مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إلى البرلمان، لدراسة مواده من مختلف الجوانب القانونية والاقتصادية، وقال "هناك شبه إجماع داخل الحزب على ما حققه جهاز مستقبل مصر من نجاحات ملموسة على أرض الواقع".
الاتجاه نفسه تبناه النائب مصطفى سالم، وكيل لجنة الخطة والموازنة وعضو المجلس عن حزب مستقبل وطن، وقال إن مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يمثل خطوة تشريعية مهمة لترسيخ دور الجهاز في تنفيذ خطط الدولة التنموية، وتعزيز قدرته على جذب الاستثمارات وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة.
وقال سالم "اليوم لا نناقش مجرد مشروع قانون، وإنما نؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة، تمنح الجهاز إطارًا تشريعيًا يتناسب مع حجم مسؤولياته، بما يمكّنه من مواصلة دوره كشريك رئيسي في بناء الجمهورية الجديدة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعظيم الاستثمارات، ودعم الاقتصاد الوطني، بما ينعكس في النهاية على تحسين جودة حياة المواطن المصري".
أما النائب طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، فأشار إلى ما اعتبره نجاحًا للجهاز في تحقيق الأمن الغذائي خلال السنوات الماضية، وقال إن مشروع القانون يستهدف دعم جهود التنمية.
وأضاف وزير البترول الأسبق أن مشروع القانون يمنح الجهاز المرونة والصلاحيات اللازمة للعمل في قطاعات استراتيجية، من بينها الطاقة والتعدين، بما يمكّنه من أداء مهامه بكفاءة أكبر وتحقيق مستهدفات الدولة التنموية.
الحكومة تدافع: لا ننشئ جهازًا موازيًا للدولة
خلال المناقشات، ومع تكرار تحذير المعارضة من مشروع القانون، دافع وزير الشؤون النيابية، المستشار هاني عازر، عن مشروع القانون المقدم من الحكومة، وقال إن المشروع لا يهدف إلى إنشاء كيان موازٍ لمؤسسات الدولة، وإنما يسعى إلى توفير إطار تشريعي حديث ينظم عمل الجهاز، ويعزز التكامل والتنسيق مع مختلف أجهزة الدولة، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويحقق الاستخدام الأمثل لموارد الدولة، ويعزز الأمن الغذائي والاقتصادي، ويتماشى مع رؤية الدولة المصرية لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو وجذب الاستثمارات.
اتهامات الخيانة وحذف من المضبطة
خلال الاجتماع المطول الذي استمر نحو ثماني ساعات، لم تخل المناقشات من الحدة، بل وصلت إلى اتهامات للمعارضة بالخيانة.
أمام تكتل أحزاب الموالاة ودعمها لمشروع القانون الذي ترفضه أحزاب المعارضة وبعض المستقلين المعارضين، قال النائب طارق فتحي "إحنا خايفين من إيه؟ هو إحنا هنصدر قانون لجهاز تابع للاتحاد الأوروبي؟ ولا حد هياخده ويخرج بيه خارج مصر؟"، واستطرد "بنرفض إيه وبنخون إيه؟"، وقاطعه النائبان عاطف مغاروي وإيرين سعيد اعتراضًا على اتهام المعارضة بالخيانة، فتدخل رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، المستشار محمد عيد محجوب، محاولًا التهدئة، وقال "هو يعتذر عن الكلمة ولم يقصدها، وتُحذف من المضبطة".
اعتذر النائب وقال "كلنا زملاء، وهدفنا مصلحة الوطن، وحينما ندرس قانونًا ندرسه من كافة الجوانب، وآسف لم أقصد الإساءة لأي معارض".
ثماني ساعات من المداولات انتهت إلى الموافقة على 40 مادة من مشروع القانون في اجتماع الأربعاء، على أن تنتهي اللجنة البرلمانية منه نهائيًا اليوم الخميس، ويُعرض على الجلسة العامة الأسبوع المقبل قبل انتهاء دور الانعقاد، ويبدأ الجهاز العمل في مرحلة جديدة عقب صدور القانون وتصديق الرئيس عليه بالجريدة الرسمية.